X638311283768843821

 

Banner-02

 

كيف تقرأ وأنت تغمض عينيك؟

26 Mar, 2026 |

 

سعاد بنت حمود الصوافية، كلية التربية. 

 

 أنْ تملأ عينيْكَ برفوفٍ تحمل كتبا، ثم تمضي بإصبعك تتتبَّعُ عناوينَها على أغلفتها الجذابة؛ لتختار إحداها يُشبع شغفَك، أو تجد بين أوراقه ما يخدم بحثك، وتجري أمام ناظريك كلماتٌ وحروفٌ كزخارفَ تنقشُ على عقلك لوحةً فنيةً قبل أنْ تكون معرفية، وترفع رأسك وقد أنهَكْتَ ظهرك مأخوذًا بجمال دقائقك التي لم تشعر بمضيها. ذلك كله يبدو لي -كفاقدٍ للبصرِ- حلما جميلا أتمنى أنْ أعيشَه يوما؛ لتعرفَ أنفي الكتبَ التي أحبَّتْ رائحتها، وترى أذني ما سمعَتْهُ من أصوات القُرَّاء، وتكتملَ صورةَ ما مرَّتْ عليه أصابعي من أوراقٍ لتُمَيّزَ الناعم منها والخشن.

 تلك الصورةُ الحالمةُ لا تعني قطعا أننا -ذوي الإعاقةِ البصرية- لا نقرأ، ولكنها تقودك من واقعك الذي قد تراه مشهدا يوميا عابرا إلى واقعنا القرائيِّ الذي سأُطْلعُكَ عليه هنا، واجعله بين يديك في سرديةٍ توحي إليك بأنْ تغمضَ عينيك لتعيشَ تفاصيلَ من نوعٍ آخر، فلنبدأ.

الأذن

 هي الوسيلةُ الأولى للقراءة عندنا، كما هي عند المبصر أيضا، إلا أنها تعمل بجهد مضاعَف حين علِمَتْ أنها تقوم بمهمة جارتِها الغائبة، فراحتْ تبحث عن كل كلمة تزيل جهلا وتُحِلُّ محلَّه معرفةً جديدة من أفواه الناس، أو عبر الإذاعة والتلفاز والأشرطة السمعية التي غابت أشكالُها من الأذهان؛ لتحلَّ محلها التطبيقاتُ الصوتيةُ والمرئيةُ الحديثة في أجهزتنا، والمتعلمون الذين صار منهم علماء كانوا أكثرَ حظًا حين هُيِّئَ لهم من يقرأُ الكتبَ الورقية بانتظامٍ وحِرص، وحفظوا ما فيها في ذاكرتهم لتكون أقربَ إليهم من الرفوف، ونالوا بتلك المثابرة مكانةً رفيعةً بما حوت صدورهم من علم، أبهرني منهم: الشيخ حمود بن حميد الصوافي –حفظه الله- والمغفور له الدكتور إبراهيم الكندي، واجتهادُهم ذاك تجد منه عند أغلبنا اليوم حين تتقطّع به سبُلُ التقنية التي سيأتي ذكرها لاحقا، فتجدنا نبحث عن من يقرأ لنا، وأستحضرُ هنا ما كان مني وزملائي قبل قرابةِ ثمانيَ عشرةَ سنة، وقد كنا أول دفعة تتخرج في معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين، كيف كنا نبحث عن قارئ يسجل لنا الكتبَ المدرسية المقررة على أشرطةٍ سمعية لنفرغها بعد ذلك بطريقة برايل.

برايل

كنتُ أظنها حروفا بارزة كتلك التي تحتفظ برسمها ذاكرتي قبل ضعف البصر، ولكنْ وجدتها نقاطا يشكّلُ وجودُ بعضها وانعدامُ بعضها الآخر رموزاً عليَّ أنْ أحفظ دلالة كلٍّ منها على حرفٍ، أو حركةٍ، أو علامة ترقيمٍ، أو رقمٍ. وهكذا حتى اكتمل تصوري عنها بأنَّ كلَّ رمزِ فيها يدل على شيء تراه أنت مكتوبا، فهي تدور حول خلية مكونة من ستِّ نقاط في عمودين، لكلٍّ منهما ثلاثُ نقاط، وكلما اختفتْ نقطةٌ أو عددٌ من النقاط من مكانها المحدد شكلت رمزا. ومع أنَّ "برايل" هي الطريقة المعتمدة لقراءة المكفوفين، إلا أنَّ الكثيرَ منا لا يتقنها؛ وذلك عائدٌ إلى أنه لم ينل فرصةً لتعلمها. ويجدر بنا أنْ نشكوَ همَّنا هنا بأنَّ الكتبَ المطبوعة بطريقة "برايل" شحيحةٌ جدا مقارنةً بما تحمله رفوف المكتبات؛ لذا كانت قراءتُنا لها قليلةً ومحدودة، إلى أنْ ظهرتْ أجهزةٌ تعتمد على أسطرٍ حساسة يمكن تخزينُ الكتب فيها والاستمتاعُ بقراءتها، وهي تقنيةٌ مساعدةٌ مذهلةٌ لمُحبي القراءة بطريقة برايل، وإلى جانبها تقنيةٌ صوتية تتمثلُ في قارئات الشاشة.

قارئات الشاشة

 تقنيةٌ تضيف صوتًا لأجهزة الحاسوب أو الأجهزة اللوحية والهواتف، تُسَهِّلُ وصولَ ذوي الإعاقة البصرية لما تراه أنت في شاشتك، وتضيفُ مهامًّا للوحةِ المفاتيح تمكنُ مستخدميها من التحكم بجهازه من خلال ما يسمعه. وفعليا، صنعتْ قارئاتُ الشاشة نقلةً معرفية كبيرة لنا، فقد مكنتنا من الحصول على مكتباتٍ ضخمة، وجعلتنا نعيشُ مع سطور الكتب لذّةَ المشتاقِ لحياة أخرى مع حياته، وفائدةَ الوصول لشيء من بغْية الباحث منا، وكانت المنقذَ المنتظَرَ في مراحِلنا الدراسية -لا سيما الجامعية- فقد كنا بعد أنْ نستلم الكتبَ المقررة نهرعُ إلى أجهزتنا لنبحث عن الكتاب الإلكتروني بصيغة متوافقةٍ مع قارئ الشاشة، وكثيرا ما نصاب بخيبة الأمل حين لا يتوفر الكتاب إلكترونيا، أو هو موجود ولكن بصيغة غيرِ متوافقة؛ لذا، كان لا بد من حل المشكلة، فكان من ضمن الحلول فريقُ "بيدي أقرأ" الذي قام على عمل مجموعة من المتطوعين لتحويل المقررات الورقية إلى محتوى إلكتروني يصلُ إلى الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في جامعة السلطان قابوس. وبقي حاجزُ الوصول لكل الصِّيَغِ موجودا حتى جاءت بعضُ البرامج لتكسرَ جزءاً يسيرا منه حين تحولها إلى مادة قابلة للقراءة عن طريق قارئات الشاشة، رغم ما يحيط بها من ضعف الدقة وكثرة الأخطاء. ومن خلالها أيضا حرصنا على قراءة الصحف والبحث في صفحات المواقع عن مجالاتٍ مختلفة ما لم تعرقلْنا الصورُ والإطاراتُ التي تحجب المحتوى عنا، ونهرع إلى تطبيقاتِ المكتبات الإلكترونية لنسعدَ إنْ كانتْ متوافقةً مع قارئاتِ الشاشة، أو نعود بأذيال الخيبة إنْ لمْ تكن كذلك. وقد كنا نتلهَّفُ للعثور على كتب المؤلفينَ العمانيين؛ لنطَّلع على نتاجهم، والذي قلما نجده في الشبكة، حتى تحقق لنا مؤخرا في بعض المنصات.

كما أتيح لنا أن نكون ضمن المستفيدين من منصات التواصل الاجتماعي، والتفاعل معها، والاندماج مع ما يقدم فيها من نصوص؛ لنعبر عن آرائنا، ونضع رسائلنا للتوعية بواقعنا، ونفتح أبواب الحوار لنُعرفَ أكثر، وها نحن نبدو أكثر تفاعلا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت اليوم تسعفنا بوصف الصور وقراءة محتواها، مما شكل طريقا أكثر اتساعا نحو إمكانية الوصول للمعرفة.

ذلك الواقع الذي قد يشكل لديك تصورًا عن طبيعة علاقتنا بالقراءة، جاء بلمحةٍ مختصرةٍ لعالم واسع، علينا أنْ نجمعَ فيه بين المهارات التقنية والشغف أو الحاجة الملحة، كما يحدث مع الباحثين من ذوي الإعاقة البصرية. ومع ذلك، نعود لنقول: إنه لا غنى لنا عن الكتاب الورقي، الذي قد يظن ظانٌّ أنه أصبح ترفا معرفيا لذوي الإعاقة البصرية مع وجود التقنيات المساعِدة، والحقيقة أنّ ما يكتنف الكتابَ الورقي من وفرةٍ وسهولةِ بحثٍ يبدّدُ ذلك الظن، وها نحن نعيش تفاصيل تلك الحقيقة، مع واقعٍ اطلعتَ على معوقاته في السطور السابقة، ونعود من حيث بدأنا؛ لنبحث عمّن يقرأ لنا ويعيننا على تقليب الصفحات بعين حادة تستطيع رؤية ما نبحث عنه بين السطور. فإنْ أعيانا الوصول بما أُتيحَ لنا من تقنيات، عدنا لنستعين ببصركم؛ لنُشعلَ فتيلَ بصيرتنا ونواصل المسير. وذلك الحلم السعيد البعيد يعود كلما دخلنا إلى معرض الكتاب، فترى تقلُّبَ وجوهنا في زوايا المكان؛ لنتصور كيف تشعر عيونكم وهي ترى أعمِدةَ الكتبِ المرصوصة على مدِّ البصر، وتمتد أيديكم لتُقَلِّبَ الكتاب وتنتقي من بين المتاح ما يتوافق وشغفها دون قيودٍ تحُولُ بينها وبين ما ترى

 

 المزيد من المقالات لملف نشرة اقرأ عن الكتاب في عالم متحول عبر الرابط :

https://anwaar.squ.edu.om/Portals/100/DNNGalleryPro/uploads/2026/3/24/Iqraa74.pdf

About the Author