حاورته/ هاجر الخروصية
في ورشة بسيطة تفوح برائحة الخشب، يحوّل الحرفي العُماني علي بن حمود العامري الجذوع الصامتة إلى أعمال فنية تنبض بالحياة. بالنسبة له، الخشب ليس مادة خاماً، بل مدرسة في الصبر والتأمل؛ فالإبداع — كما يقول — لا يولد على عجل، بل ينمو كما تنمو الأشجار عبر السنين.
علي حمود العامري، نحات خشب طموح ومؤسس مشروع "حكاية الخشب" في مسقط، حيث يقوم بتحويل كل قطعة خشب إلى عمل فني يعكس الثقافة العمانية والصناعات الحرفية. يتجاوز مشروعه حدود الحرفة إلى رسالة ثقافية، إذ يرى أن القطعة الفنية تحمل قصة المكان والشجرة واليد التي صنعتها. ويؤكد أن البيئة العُمانية القاسية منحت الأخشاب ألوانها العميقة وصلابتها، وهو ما ينعكس على ملامس أعماله وطابعها الفريد. كما يتعامل العامري مع الخشب بوصفه شريكاً في العمل؛ فهو يوجّه الأداة، لكن الخشب — بحسب تعبيره — يحدد السرعة والإيقاع. ويشبّه العملية بقيادة سفينة في بحر متقلب، الفنان يضبط الشراع، بينما تدفعه أمواج الألياف نحو النتيجة النهائية. أثناء مشاركته في معرض "صنعة" الذي نظمته جماعة صوت المتجتمع التابعة لعمادة شؤون الطلبة، التقينا علي العامري الذي تحدث معنا في الحوار الآتي.
مدرسة التأمل
يقول علي العامري عن شعوره تجاه عمله مع الخشب بعيون الدهشة والعمق "بالنسبة لي، الخشب ليس مجرد مادة خام، بل مدرسة قائمة بذاتها في التأمل. منذ أن بدأت تأسيس منزلي قبل سبع سنوات، لم أكن أتصور أنني سأتعامل مع كائن يحمل ما يمكن تسميته ‘ذاكرة الأرض’. لقد علّمني الخشب أن الإبداع لا يُستعجل؛ فكما تستغرق الشجرة عقوداً لتبني صلابتها، تحتاج التحفة الفنية إلى زمن كافٍ لتكشف جمالها. ومن هنا تغيّر مفهومي للصبر؛ لم يعد الانتظار مملاً، بل أصبح عملية إنضاج يدرك فيها الفنان أن منح المادة وقتها هو الطريق الوحيد لبلوغ الكمال".
حوار صامت
عن مصدر إلهامه في النحت، يقول علي العامري بمحبة "النحت بالنسبة لي حوار صامت لا ينقطع. أبدأ بتصور في ذهني، لكن ما إن يغوص الإزميل في أعماق الخشب حتى تبدأ القطعة بسرد قصتها الخاصة. أحياناً تظهر عقدة أو شقّ طبيعي يغيّر مسار العمل، فتتنحى فكرتي الأولى احتراماً لروح الخشب وصنيعه الدقيق. لكل عمل فني قصة فريدة، هو لقاء حي بين خيال الفنان وطبيعة المادة، ورؤية مشتركة تصيغ شكلية الخشب التي لن تتكرر بعدها، لأن كل قطعة تحمل روحها الخاصة وخاصيات تفردها، في خلقها ،بتميز وبصمة خاصة بها".
الخشب هو من يحدد الإيقاع
ويعبّر العامري عن علاقته العميقة مع الخشب قائلاً "بالنسبة للعلاقة بيني وبين الأخشاب، فهي علاقة شراكة لا تملك. لكل نوع خصائصه في التمدد والانكماش وقوة التحمل، ومع أنني أوجّه الأداة، يبقى الخشب هو من يحدد الإيقاع. أحياناً أشعر أنني أقود سفينة، أتحكم في الشراع، بينما تدفعني أمواج الألياف إلى النتيجة النهائية. إنها رقصة متبادلة تنتهي بولادة عمل فريد، كل مرة تحكي قصة مختلفة وتكشف جانباً جديداً من روح المادة".
البيئة المحيطة بي كانت الرحم الأول لإبداعي
ويتحدث علي العامري عن تأثير المكان على فنه قائلاً "بالنسبة لكيف يصنع المكان هويتي الفنية، فأنا أرى أن البيئة المحيطة بي كانت الرحم الأول لإبداعي. انتمائي لبيئتي جعلني أرى في الأشجار أكثر من مجرد نبات؛ أراها رموزاً للصمود والشموخ. طبيعة الأرض وتضاريسها القاسية منحت الأخشاب ألوانها العميقة وصلابتها الاستثنائية، وهذه السمات تسللت إلى أناملي دون وعي. لذلك، لا أنحت الخشب وحده، بل أنحت معه جزءاً من تاريخ المكان وروحه، وهو شعور يملأ قلبي بالفخر والسعادة".
الحرفة أصالة في زمن السرعة
ويكمل العامري حديثه عن مستقبل الحرفة قائلاً "الحرفة هي النبض الحقيقي الذي لن يتوقف أمام زحف الآلات. في زمن الاستهلاك السريع يزداد الحنين إلى الأشياء التي تملك روحاً. الحرفة لن تتحول إلى مجرد ذاكرة، بل ستظل ضرورة للباحثين عن الأصالة".
الخشب العُماني سفير الجمال في البيوت
وفي نهاية الحوار يقول علي العامري "رسالتي أن يظل الخشب العُماني سفيراً للجمال في البيوت، يذكّرنا بأن يد الإنسان وعقله قادران على تحويل جذع يابس إلى قصة خلود تتوارثها الأجيال".
يظل الخشب صامتاً لكنه يحكي، وحين يلتقي بيد الحرفي تتحول الألياف إلى نَفَس حياة، وقصة تتحدى الزمن لتبقى خالدة بشموخها، معتزةً بجذورها الزمانية، شاهدةً على عبقرية الإنسان وإبداعه الخالد، وسيظل المسير شاقّاً، ماضياً في مجراه، باحثاً ومستكشفاً عن أسراره. إنه حوار صامت بين الطبيعة والخيال، بين اليد والفكرة، بين الإزميل والخشب، ليصبح كل عمل فني ليس مجرد شكل، بل تحفة تعكس شخصية الحرفي ونظرته، وتجربة حياة كاملة، ودروسًا من الصمود والجمال، وامتدادًا لروح المكان والزمان.