د. شهاب الدين بن أحمد الريامي
مدرب كرة الطائرة بعمادة شؤون الطلبة، ومحاضر دولي معتمد للتدريب
يشكّل شهر رمضان حالة فسيولوجية خاصة يعيشها المسلمون سنويًا، إذ يمتد الصيام ما بين 12 إلى 16 ساعة يوميًا لمدة شهر كامل. وخلال هذه الفترة، يطرح كثيرون سؤالًا مهمًا: هل تتعارض الرياضة مع الصيام؟ ومن واقع خبرتي في التدريب الرياضي، أؤكد أن ممارسة النشاط البدني في رمضان ليست فقط ممكنة، بل ضرورية، شريطة أن تتم وفق أسس علمية مدروسة.
من المهم أولًا التمييز بين النشاط البدني والتدريب الرياضي. فالنشاط البدني يشمل كل حركة يؤديها الإنسان في حياته اليومية، سواء كانت مرتبطة بعمله أو بنمط حياته، ويؤدي خلالها جهدًا يستهلك طاقة. أما التدريب الرياضي فهو عملية منظمة ومقننة، تعتمد على أحمال تدريبية محددة، وأهداف فنية واضحة، وبرنامج زمني يهدف إلى تطوير الأداء والارتقاء بالمستوى البدني.
وفي كلا الحالتين، ينبغي مراعاة تكوين الجسم، بما في ذلك الكتلة العضلية، ومؤشر كتلة الجسم، ونسبة الدهون، لأن هذه المؤشرات تؤثر في طريقة الاستجابة للتدريب، خاصة في ظروف الصيام.
تعتمد اللياقة البدنية على عناصر أساسية، منها القوة، والتحمل، والمرونة، والرشاقة، والسرعة، والقدرة، والتوافق. ولتحقيق التوازن بينها، نستخدم أنماطًا تدريبية مختلفة، أبرزها التدريبات الهوائية، وتدريبات المقاومة، والتدريب المتقطع عالي الشدة، إضافة إلى بعض التدريبات المائية.
التدريبات الهوائية تؤدي دورًا محوريًا في تحسين كفاءة الجهازين القلبي والتنفسي، إذ تسهم في خفض ضغط الدم، وتنشيط الدورة الدموية، وتنظيم مستوى السكر، وتقوية جهاز المناعة. كما أن لها أثرًا إيجابيًا في الدماغ، من خلال تعزيز نمو الخلايا العصبية، وتقليل التوتر، وزيادة التركيز. وعلى مستوى الجهاز الهيكلي، تحافظ هذه التدريبات على كثافة العظام وتقلل من خطر الهشاشة.
أما تدريبات المقاومة، فهي ضرورية للحفاظ على الكتلة العضلية، وتحسين القوام، وتعزيز قوة الأوتار والأربطة، إضافة إلى دورها في تنظيم الوزن ورفع كفاءة حرق السعرات الحرارية.
في شهر رمضان، يمر الجسم بتغيرات بيولوجية ملحوظة نتيجة تغير أوقات النوم والتغذية وإيقاع الساعة البيولوجية. وقد ينعكس ذلك على الوزن، ومستوى الطاقة، وحتى الأداء الذهني. إلا أن الدراسات تشير إلى أن ممارسة النشاط البدني بصورة مقننة خلال رمضان تسهم في تحفيز الأجهزة الحيوية والحفاظ على استقرارها الوظيفي.
ومن واقع الدراسات الحديثة، فإن التدريب ثلاث مرات أسبوعيًا لا يؤثر سلبًا في كتلة الجسم إذا تم تنظيم التغذية والسوائل بشكل مناسب. أما الرياضيون المحترفون، فيُنصح بتهيئة أجسامهم لنمط التدريب الرمضاني قبل بدء الشهر بفترة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع.
كما توصي الدراسات العلمية الحديثة بممارسة النشاط الرياضي بعد وجبة الإفطار الأساسية بثلاث ساعات على الأقل، ومراعاة تناول السوائل للحفاظ على الجسم من الجفاف، إلى جانب مزاولة النشاط قبل الإفطار بحوالي 45 إلى 60 دقيقة بتدريبات هوائية، وأخرى متقطعة منخفضة شدة، سواء في الأحواض المائية أو الملاعب المفتوحة، والتي تلعب دورًا كبيرًا في الحفاظ على توازن الجسم والقضاء على نسبة الدهون الزائدة وانخفاض الوزن الزائد، وكذلك رفع كفاءة الأجهزة الحيوية بالجسم، مع الابتعاد عن التدريبات عالية الشدة؛ لكي لا تؤثر على التوازن المائي أو السوائل بالجسم وتعرّضه للتعب والجفاف. كما يوصي المختصون أيضًا بملاحظة الإشارات التي يظهرها الجسم؛ فعند الشعور بالإجهاد غير الطبيعي أو الألم مثلًا، يجب استشارة الطبيب أو المختص.
وختامًا، لا يتعارض مع الرياضة، بل هو فرصة لإعادة تنظيم نمط الحياة، وتعزيز الانضباط، وبناء ثقافة صحية متوازنة قائمة على الاعتدال والتخطيط العلمي؛ فالتوازن بين التدريب، والتغذية، والنوم، والسوائل هو المفتاح الحقيقي للحفاظ على الصحة والأداء خلال الشهر الفضيل.