كيف سيكون المستقبل؟
- د. مجدي منصوري، كلية الهندسة.
شهد الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة حراكًا واسعًا واهتمامًا غير مسبوق، رافقته توقعات طموحة حول قدرته على إحداث تحولات جذرية في مختلف القطاعات، بدءاً من التعليم والصحة وصولاً إلى الاقتصاد والأمن. ومع ذلك، تتصاعد التحذيرات من أن هذا الزخم قد يكون نتاج فقاعة مؤقتة، حيث يتجاوز الضجيج الإعلامي والاستثمار المحموم حدود الواقع التقني والممكنات الفعلية. وبناءً عليه، يبرز السؤال الجوهري: كيف سيكون مشهد الذكاء الاصطناعي ومستقبله غداة انحسار هذه الفقاعة المحتملة؟
بعد انتهاء مرحلة الفقاعة،من المتوقع أن يمر الذكاء الاصطناعي بمرحلة تصحيح طبيعي للتوقعات؛ حيث تخبو حدة الضغوط الإعلامية وتتقلص الاستثمارات المبالغ فيها، ليبدأ السوق بالتركيز على المشاريع التي تقدم قيمة مضافة حقيقية. ولا يُنظر إلى هذا التصحيح بوصفه تراجعًا سلبيًا بالضرورة، بل يمثل فرصة جوهرية لإعادة توجيه الموارد نحو التطبيقات العملية الرصينة، القادرة على إحداث أثر إيجابي وملموس في تفاصيل حياتنا اليومية.
ويعد توجيه الاستثمارات نحو الحلول العملية من أبرز التوجهات المستقبلية؛ إذ ستشهد قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية، والتصنيع الذكي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، اعتمادًا أوسع على تقنيات الذكاء الاصطناعي القابلة للتنفيذ، في مقابل تراجع المشاريع التي تفتقر إلى القيمة الملموسة. وهذا يعني أن الابتكار في المرحلة المقبلة سيكون أكثر عقلانية، وأوثق ارتباطًا بالاحتياجات الفعلية للمجتمع ومتطلبات السوق الحقيقية.
علاوة على ذلك، سيتصاعد الاهتمام بتطوير خوارزميات أكثر أمانًا وشفافية؛ ففي مرحلة ما بعد الفقاعة، ستغدو الأولوية للذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، والعمل على الحد من الانحيازات الخوارزمية، وضمان امتثال الأنظمة للمعايير الأخلاقية والأطر القانونية. إنَّ من شأن هذا التحول أن يسهم في بناء جسور الثقة بين المستخدمين والشركات، مما يمهد الطريق لتبني هذه التقنيات على نطاق أوسع وبصورة أكثر استدامة.
علاوة على ذلك، يُرجّح أن يشهد المستقبل نهجًا قائمًا على التبني التدريجي والمستدام للذكاء الاصطناعي؛ فبدلًا من الاندفاع نحو الانتشار السريع وغير المنضبط، سيتم إخضاع كل تطبيق لدراسةٍ متأنية توازن بين التكلفة التشغيلية، وكفاءة الأداء، ومدى التكامل مع البنية التحتية القائمة. إنَّ هذا النهج المتزن هو ما يضمن ديمومة الحلول التقنية وتعظيم فاعليتها على المدى الطويل.
وختامًا، يمكن القول إنَّ مشهد ما بعد الفقاعة سيؤرخ لمرحلة النضوج الحقيقي للذكاء الاصطناعي؛ حيث سينصبُّ التركيز بعيدًا عن صخب الضجيج الإعلامي والتوقعات الجامحة، ليتجه نحو القيمة المضافة والابتكارات القابلة للتنفيذ على أرض الواقع. إنَّ هذا التحول الجوهري من شأنه أن يُسهم في إرساء بيئة تقنية متوازنة ومستدامة وموثوقة، تحوّل الذكاء الاصطناعي من مجرد صيحة تقنية إلى أداة تمكينٍ راسخة لدفع عجلة التقدم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.
تابع ملف نشرة أقرا بعنوان (فقاعة الذكاء الاصطناعي)على الرابط:
https://anwaar.squ.edu.om/Portals/100/DNNGalleryPro/uploads/2026/1/29/Iqraa72(1).pdf
About the Author