- بقلم: الدكتور جهاد بن جميل حمد، أستاذ علم الإجتماع المشارك.
في ظل التسارع الكبير للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لم يعد العمل التطوعي مجرد فعل خيري عابر، بل تحول إلى ركيزة أساسية لبناء المجتمعات المتماسكة والقادرة على الصمود. في سلطنة عُمان، وإطار رؤية عُمان 2040، يبرز التطوع كاستثمار استراتيجي في رأس المال الاجتماعي، وعامل محوري في تحقيق التنمية المستدامة. تسلط هذه المقالة الضوء على هذا الدور التحويلي، مقدمة تحليلاً لدور التطوع كقوة محركة "للقطاع الثالث" تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مع تشخيص التحديات وطرح رؤى استراتيجية لضمان استدامته.
المحور الأول: البعد النظري: التطوع واستثمار رأس المال الاجتماعي
شهد المفهوم التقليدي للعمل التطوعي تحولاً جوهرياً، من مجرد نشاط إغاثي عفوي إلى استثمار منظم في رأس المال الاجتماعي. هذا التحول يفرض منطقاً جديداً يركز على قياس "العائد الاجتماعي على الاستثمار" وليس فقط كميات الأنشطة أو الساعات المقدمة.
يرتكز هذا الفهم على "نظرية رأس المال الاجتماعي"، التي يرى فيها عالم الاجتماع "جيمس كولمان" أن التطوع يخلق منفعة عامة تعم على المجتمع بأسره، حيث يعمل على بناء شبكات الثقة المتبادلة التي تخفض تكاليف التعاون وتسهل الفعل الجماعي. من جهة أخرى، يرى "بيير بورديو" أن رأس المال الاجتماعي هو ملكية جماعية تتراكم عبر العلاقات والشبكات التي يُعتبر التطوع أداة فعالة لبنائها، مما يعزز التماسك الاجتماعي ويدعم الفئات المهمشة.
ولفهم آثاره بعمق، لا بد من التمييز بين نمطين رئيسيين:
- رأس المال "الرابط": وهو الذي يعزز الروابط داخل المجموعات المتجانسة (كالعائلة أو القبيلة)، وهو أساس العمل الخيري التقليدي.
- رأس المال "الجسر": وهو الأكثر أهمية للتنمية، حيث يربط بين فئات ومجموعات مختلفة (كربط الجامعات بالقطاع الخاص والمجتمع المدني)، مما يبني متانة وطنية أوسع. تحقيق أهداف رؤية 2040 يتطلب التحول من النمط الأول إلى الثاني.
المحور الثاني: التطوع في سياق رؤية عُمان 2040: إطار طموح وتحديات واقعية
تضع رؤية عُمان 2040 المجتمع في صلب أولوياتها، ساعيةً لبناء "مجتمع متين". ويمثل التطوع أداة فاعلة لتحقيق هذا الهدف عبر ثلاثة أبعاد:
- المتانة الاجتماعية: من خلال تعزيز قيم التضامن والعطاء.
- الاقتصاد والتنافسية: عبر استغلال الطاقات البشرية في مشاريع تنموية تكميلية وبناء مهارات الشباب.
- الحوكمة والأداء المؤسسي: الذي يتطلب تطوير أطر مؤسسية فعالة لإدارة التطوع.
على الأرض، تتولى وزارة التنمية الاجتماعية دور تنظيم العمل التطوعي، وأطلقت مؤخراً لوائح تنظيمية ومنصة "أيادي - Ayadi" الرقمية لمأسسة هذا القطاع. كما تبرز جامعة السلطان قابوس كشريك أساسي من خلال مبادرات مثل ملتقى "حَسنة" لنشر ثقافة التطوع.
رغم هذه الجهود، يواجه تحقيق الاستدامة أربعة تحديات بنيوية مترابطة:
- التحدي التنظيمي: حيث تعاني العديد من الفرق التطوعية من صلابة الهياكل الإدارية وعدم مرونتها، مما يعيق تحويل الثمة الكامنة إلى فعل جماعي فعال.
- التحدي المالي: يتمثل في عدم استقرار التمويل واعتماد الكثير من الفرق على التبرعات العفوية، مما يحول دون التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
- التحدي الثقافي: حيث لا يزال التطوع ينظر إليه في بعض الأوساط على أنه نشاط هامشي أو موسمي، وليس مسؤولية مجتمعية مستدامة.
- التحدي التقني: ويظهر في ضعف القدرة على قياس الأثر المجتمعي والاقتصادي للأنشطة التطوعية بدقة، مما يقوض القدرة على إثبات جدوى الاستثمار فيها.
تشكل هذه التحديات حلقة مفرغة، فغياب الثقافة المؤسسية والتنظيم الفعال يؤدي إلى ضعف في قياس الأثر، مما يقوض بدوره القدرة على جذب التمويل المستقر.
المحور الثالث: استراتيجيات مقترحة لبناء نظام تطوعي مستدام
لتحويل التحديات إلى فرص، نقترح مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة:
- التعزيز المؤسسي والتحول الرقمي:
تمثل منصة" أيادي" نواة حاسمة لمعالجة التحدي التنظيمي والتقني. يجب تعزيز دورها لتصبح نظاماً ecosystem متكاملاً لإدارة المتطوعين، وتوحيد البيانات، وتقنين عمليات الفرق التطوعية، وإصدار التقارير، مما يضمن حوكمة رشيدة ومرنة.
- الاستدامة التعليمية والثقافية: تفعيل "التعلم بالخدمة":
لتحويل النظرة الثقافية يجب إدماج التطوع في صلب المنظومة التعليمية عبر منهج "التعلم بالخدمة" الذي يربط المناهج الأكاديمية بالتجربة العملية المجتمعية. يمكن للجامعات تقديم مقررات أو منح شهادات خبرة معتمدة للطلبة المشاركين في الأعمال التطوعية، مما يغرس قيم المسؤولية الاجتماعية ويبني المهارات المهنية في آن واحد.
- الشراكات الاستراتيجية وقياس الأثر:
تتطلب الاستدامة تعزيز الشراكات بين الجامعات (كمصادر للمعرفة)، ووزارة التنمية الاجتماعية (كمظلة تنظيمية)، والجمعيات الأهلية (كمنفذ على الأرض)، والقطاع الخاص (كممول واستراتيجي). ولكي يقتنع القطاع الخاص بالاستثمار، يجب تطوير آليات لقياس "العائد الاجتماعي على الاستثمار" باستخدام النماذج الدولية (مثل إرشادات منظمة العمل الدولية)، لتقديم أدلة ملموسة على قيمة التطوع.
المحور الرابع: الدور المحوري للجامعات: نحو إنشاء "مرصد اجتماعي للتطوع"
يمكن لجامعة السلطان قابوس، وبخاصة كلية العلوم الاجتماعية، أن تقود النقلة النوعية في هذا القطاع. ولا يجب أن يقتصر دورها على التعليم فحسب، بل أن تمتد إلى كونها حاضنة للفكر والابتكار الاجتماعي.
كمبادرة ملموسة، نقترح إنشاء "مرصد اجتماعي للتطوع" يتبع لاحد الأقسام العاملة في هذا المجال وعلى سبيل المثال، قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بالجامعة. سيكون هذا المرصد بمثابة القلب النابض للنظام التطوعي، حيث يقوم بـ:
- رصد وتحليل البيانات: جمع وتحليل البيانات الكمية والنوعية عن الأنشطة التطوعية في السلطنة.
- قياس الأثر: تطوير وتطبيق منهجيات علمية لقياس الأثر المجتمعي والاقتصادي للبرامج التطوعية.
- دعم صياغة السياسات: توفير الأدلة والبيانات اللازمة لدعم صناع القرار في تطوير سياسات وبرامج تطوعية أكثر فاعلية.
- الابتكار الاجتماعي: تشجيع البحوث التطبيقية وتصميم مبادرات تطوعية مبتكرة تلبي احتياجات المجتمع.
سيمثل هذا المرصد حجر الزاوية لضمان الاستدامة، حيث يوفر المعلومة الدقيقة التي تُبنى عليها القرارات الاستثمارية والسياسية السليمة.
خاتمة وتوصيات
إن التحول نحو تطوع مستدام ومؤسسي في سلطنة عُمان ليس خياراً، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق طموحات رؤية 2040. إنه استثمار حيوي في رأس المال الاجتماعي، يبني مجتمعاً أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.
لتحقيق هذه الرؤية، نوصي بما يلي:
- تكامل المنصة الرقمية: تحقيق التكامل الكامل لمنصة "أيادي" مع جميع المؤسسات المعنية لضمان حوكمة موحدة وفعالة.
- تمكين "المرصد الاجتماعي للتطوع": المباشرة في إنشاء المرصد في جامعة السلطان قابوس وتزويده بالموارد اللازمة ليكون المرصد الوطني المعتمد.
- تعميم "التعلم بالخدمة": إصدار قرار يعمم دمج منهج "التعلم بالخدمة" في مؤسسات التعليم العالي والثانوي، كمتطلب تخرج أو مقرر معتمد.
- تحفيز الاستثمار الخاص: وضع تشريعات تحفز القطاع الخاص على تمويل البرامج التطوعية بناءً على أدلة قياس الأثر التي يقدمها المرصد.
- تطوير القيادات: الاستمرار في برامج تدريب قادة العمل التطوعي على المهارات الإدارية والقيادية المتقدمة.
بهذه الرؤية الشاملة والجهود المتكاملة، يمكن للتطوع أن يتحول من عمل فردي نبيل إلى قوة نظامية دافعة، تساهم في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً لسلطنة عُمان.