البرزخ النفسي: نظرية التكرار الوجودي القهري
بقلم / وفاء بنت سعيد بن عبد الله المعمرية،علم الاجتماع والعمل الاجتماعي.
لماذا نعود بإرادتنا أو دونها إلى ما يؤذينا؟ ولماذا نُعيد إنتاج سناريو الهزيمة أو الفشل بينما ندعي أننا تعلمنا الدرس؟
في حياة الكثيرين، ثمة أنماط لتجارب مؤلمة تتكرر دون تفسير واضح، كما لو أنّ الزمن يدور في حلقة مُفرغة. أشخاص ينجذبون لنفس الأنماط المؤذية في علاقاتهم، سلوكيات تُعاد رغم العلم بعواقبها المؤذية، وقرارات تنتهي دومًا بنفس الخيبة. كثيرًا ما تُفسر هذه الظواهر على أّنها جهل، أو ضعف في الإرادة والقدرة على التعلم، أو انحراف سلوكي، إلا أنّها في جوهرها أكثر تعقيدًا. حيث إنّ أولئك الأفراد لا يلجؤون للتكرار لأنّهم لم يتعلموا، بل لأنّ هناك شيئًا لم يُشفَ بعد، شيئًا لم يكتمل سابقًا في ماضيهم، إنّه مشهدٌ قديمٌ يُحاول اللاوعي استعادته مرة تلو الأخرى، بعبارة أخرى هم يعيشون الحاضر على مسرح الماضي حيث يعتمدون على سيناريو واحد رغم اختلاف الجمهور، والأحداث. هذه الظاهرة ليست مجرد ميل نفسي للتكرار، بل قد تكون حاجة وجودية لإعادة تمثيل الألم بطريقة تمنح معنى، أو تمنح قدرة على التحكم في بعض جوانب الألم كانت غائبة لحظة الانكسار الأول.
ومن هذا المنطلق، تبرز نظرية التكرار الوجودي القهري التي ترى أنّ بعض التكرارات السلوكية لا تنبع من العادة أو البرمجة اللاواعية للعقل فحسب، بل إنّها تتجاوز ذلك إلى سلوك رمزي نابع من حاجة وجودية داخلية لإعادة تمثيل الجرح النفسي الأولي، لا لإعادة الإحساس بالمعاناة، بل لمحاولة إصلاحه أو إعادة كتابته ذهنيًّا بطريقة تمنح معنى، أو تمنح قدرة كانت غائبة لحظة الانكسار الأول، على التحكم في بعض جوانب الألم، وفي هذا السياق يُصبح التكرار فعلًا رمزيًّا وجوديًّا يحمل بُعدًا نفسيًّا ودراميًّا معقدًا، وليس مجرد عادة أو انحراف سلوكي.
تعتمد هذه النظرية على ما يُعرف بالجرح التأسيسي، وهو غالباً ما يكون تجربة مبكرة من الإهمال أو الانفصال أو الخذلان. هذا الجرح لا يُشفى بل ينتقل إلى اللاوعي ويبقى فاعلًا من خلف الستار ثم عند نشوء ظروف مشابهة في الحاضر، يُستثار ذلك الجرح مما يدفع الفرد إلى الدخول في تجربة جديدة مشابهة للموقف الأصلي على أمل أن يتمكن من مواجهته هذه المرة بقوة أو وعي لم يكن يملكهما سابقًا. إلا أنّ اللاوعي لا يُدرك السياق بكامله، فيقع الفرد في تكرار فاشل يُعيد فتح الجرح ويترسخ معه شعور بالعجز والنقص، مما يكون دورة نفسية متكررة من التقمص، الإخفاق، والألم يصعب كسرها.
ويمكن تصوير هذه الظاهرة بما يُشبه المنحنى الحلقي المتصاعد، كما هو موضح أدناه:

- مرحلة الجرح التأسيسي : تجربة نفسية مؤلمة يختبرها الفرد في مرحلة مبكرة من عمره وتبقى مبهمة دون فهم مكتمل أو دون علاج.
- مرحلة الترميز اللاواعي : يبدأ العقل اللاواعي بجمع تجارب جديدة تحمل جوانب مرتبطة بالجرح التأسيسي، ومن ثم يعمل على ترميزها كتوقعات وهمية أو رمزية غير واعية مثل : "ربما ينتهي الأمر هذه المرة بشكل مختلف، ربما أحصل على القبول أو النجاح"، وغيرها من التوقعات الداخلية التي تدفعه إلى إعادة التكرار القهري لتحقيقها.
- مرحلة الأداء القهري : قد تعرف كذلك بمرحلة إعادة التمثيل القهري، وهي المرحلة الجوهرية، حيث يدخل فيها الفرد في مواقف أو علاقات مشابهة لأخرى سبق أن عاشها، وذلك دون وعي بدافع غير مباشر لإصلاح الماضي والتخلص من الجرح التأسيسي.
- مرحلة تثبيت النموذج النفسي : يصل الفرد في هذه المرحلة إلى صدام بين التوقع الرمزي اللاواعي وبين الواقع الفعلي، مما يؤدي إلى نفس الألم أو نفس الفشل، ويكرس مشاعر بالعجز والخيبة، وقد يدفع الفرد إلى الانهيار أو الغضب والانسحاب ضنًّا منه بأنّه محكوم بمصير أشبه بالحلقة المغلقة التي لا خلاص منها.
- مرحلة كسر الحلقة : تبدأ هذه المرحلة بلحظة وعي مفصلية تعرف بالإدراك التحويلي، يُدرك فيها الفرد الجرح التأسيسي والدافع الرمزي وراء تكراره، مما يُغير أسلوب التعامل مع الجرح وتُكسر الحلقة عبر جرح جديد أو استجابة مختلفة تُخرج الفرد من النمط المتكرر.
على الرغم من أنّ النظرية تتقاطع جزئيًّا مع مفاهيم كلاسيكية في علم النفس، إلا أنّها تطرح إطارًا مغايرًا في الجوهر والتركيب. فقد تناول فرويد مفهوم التكرار القهري بالتحليل التفسيري فقط معتمدًا على عنصري الغرائز والصراع النفسي كأدوات تحليلية، وأعتبره دافعًا لا واعيًا لإعادة تمثيل الصدمة بدافع تفريغ التوتر الداخلي المجهول المتصل بالصدمة الموجودة في اللاوعي. وتتجاوز هذه النظرية أيضًا نظرية التعلق لجون بولبي التي تفسر التكرار بأنّه أنماط تعلق مبكر يُعاد تمثيله للبحث عن نمط مألوف متوقع كنماذج داخلية ثابتة وليس رغبة في إصلاح الماضي، كما تختلف عن النموذج السلوكي المعرفي القائم على المعتقدات السلبية المتأصّلة في الشخص بشكل آلي لتجنب الألم وتعزيز القناعة، ما تطرحه هذه النظرية إطار يجمع بين المعنى الرمزي والوعي الوجودي يتمثل في أنّ التكرار ليس فقط استجابة داخلية، بل هو سلوك ظاهر يؤديه الفرد دون وعي مباشر، يحمل دلالة نفسية ترمز إلى جرح سابق، وفي ذات الوقت يعكس صراعه الوجودي مع رغبته في تحقيق القيمة واستعادة المعنى أو الحصول على الحب أو أيّ معاني أخرى ترتبط بوجوده من خلال إعادة تمثيل درامي داخلي للحدث المؤلم يليه تكرار نفس السلوكيات أو بشكل أدق نفس السناريو، ليس بهدف الهروب منه بل لإعادة كتابة النهاية والحصول على إجابة مُرضية للتساؤلات الوجودية التي تدور بداخله مثل: هل أنا محبوب؟ هل أستحق؟ هل يمكنني أن أغير قدري؟ وغيرها.
يمكن لهذه النظرية أن تُسهم بفاعلية في علاج أنماط السلوكيات أو العلاقات المتكررة التي تبدو غير منطقية، مما يعزز مجال العلاج النفسي الفردي، وكذلك مجال الارشاد الزواجي، كما يُمكن استخدامها لتطوير أدوات تشخيصية لقياس نمط التكرار القهري والمؤشرات النفسية المرتبطة به، مما يُسهّل عملية التدخل المبكر، وغيرها من جوانب الوقاية أو العلاج، وإعادة التأهيل التي يُمكننا التطرق لها في مقال آخر.
ختامًا، تُمثل نظرية التكرار الوجودي القهري مساهمة فكرية جديدة في فهم التكوين العاطفي والاختيارات الحياتية اللاواعية، وتدعو إلى إعادة النظر في آلية اتخاذ القرار الإنساني، وعلاقة الفرد بالتاريخ النفسي الخاص به، وإنّ فهم التكرار في سلوكياتنا وعلاقاتنا لا يُعد رفاهية تحليلية، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة لفهم الذات والعمل على تحريرها ومن ثم تنميتها.
About the Author