X638311283768843821

 

Banner-02

 

المخرج علي نصير: القصة أهم من الكاميرا.. والإخراج هو فن سرد المعلومة

19 May, 2026 |

 

 

  • حاوره/ علي الدروشي

 

صناعة المحتوى والإنتاج البصري في سلطنة عُمان تشهد اليوم قفزة احترافية يقودها جيل شاب امتلك أدوات العصر بروح الشغف والتعلم الذاتي. وفي طليعة هذه الأسماء يبرز المهندس ومخرج الأفلام علي بن نصير البلوشي، الذي يمثل نموذجاً متميزاً للكفاءات الشابة من خريجي جامعة السلطان قابوس. ورغم خلفيته الأكاديمية الهندسية، إلا أنه استطاع الموازنة بين دقة الهندسة وسحر السينما الذي بدأ في ممارسته منذ سن الرابعة عشرة عبر منصة يوتيوب.

علي بن نصير البلوشي، الذي يرى الإخراج كـ "فن لسرد المعلومة" ويؤمن بأن "القصة تظل دائماً أهم من الكاميرا"، يفتح لنا في هذا الحوار تفاصيل رحلته، ويناقش واقع سوق الإنتاج البصري المحلي والتحديات الإبداعية التي تواجه المخرجين مع صعود المنصات الرقمية الحديثة.

 

IMG_8200

 

  • الإخراج… فن سرد الفكرة بصريًا

من هذا المنطلق، يصف علي الإخراج بأنه «فن سرد المعلومة»، موضحًا أن المخرج يبحث عن الطريقة الأنسب لتحويل الفكرة أو الرسالة إلى تجربة بصرية متكاملة تصل إلى المشاهد بصورة واضحة ومؤثرة. أما «الإنتاج الإبداعي»، فيراه عملية تهدف إلى تقديم شيء يترك لدى المتلقي لحظة تفكير أو تأمل أو حتى دهشة.

ويشير إلى أن الفرق الأساسي بين التصوير العادي والعمل المبني على رؤية إخراجية يكمن في وجود سرد مدروس وتسلسل واضح يخدم هدفًا محددًا، بدلاً من الاعتماد على اللقطات العشوائية أو التركيز على الجانب البصري فقط. وبرأيه، فإن نجاح أي عمل بصري لا يعتمد في المقام الأول على نوع الكاميرا، أو جودة الإضاءة، أو أساليب المونتاج، بقدر اعتماده على «القصة» نفسها؛ باعتبارها العنصر القادر على خلق ارتباط حقيقي بين العمل والمتلقي.

كما يصف دور المخرج داخل أي مشروع بصري بأنه يشبه «قبطان السفينة»؛ لكونه المسؤول عن توجيه الفريق وتحويل النص أو الفكرة إلى مشاهد مترابطة بصريًا، مع المحافظة على هوية العمل ورسائله الأساسية. ويؤكد أن الإخراج يعتمد بدرجة كبيرة على التجربة والممارسة المستمرة، بينما تمثل الدراسة الأكاديمية عنصرًا إضافيًا يساعد على تطوير أدوات المخرج وصقل فهمه الفني، لكنها لا تغني عن الاحتكاك العملي والتجريب المستمر.

  • سوق يتطور… ومساحة إبداعية محدودة

يرى علي أن مجال الإنتاج البصري والإخراج في سلطنة عُمان يشهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع ظهور جيل جديد من الشباب المهتمين بصناعة الفيديو والأعمال البصرية، إلى جانب الدور الذي لعبته المنصات الرقمية في توسيع حضور هذا المجال وانتشاره.

ويشير إلى أن أكثر الأعمال طلبًا في السوق المحلية حاليًا هي الأعمال التجارية ذات الطابع المؤسسي (Corporate)، والتي تعتمد غالبًا على أسلوب بصري محدد وحوارات بسيطة، مع مساحة محدودة للتجريب الإبداعي مقارنة بالأعمال السينمائية أو المشاريع الفنية الأخرى.

أما على مستوى التحديات، فيرى علي أن أبرز ما يواجه العاملين في المجال هو ضيق المساحة الإبداعية التي يمنحها بعض العملاء لفرق الإنتاج، إلى جانب تكرار مشكلة الميزانيات المحدودة مقابل توقعات عالية فيما يتعلق بجودة التنفيذ، إضافة إلى ضيق الوقت المخصص لإنجاز المشاريع. ويشرح أن العلاقة بين الوقت والجودة والميزانية تُعد من أكثر المعادلات حساسية في أي مشروع بصري، مشيرًا إلى أنه لا يمكن رفع جودة العمل بشكل كبير في ظل وقت قصير وميزانية محدودة في الوقت نفسه.

ورغم أهمية المعدات والإمكانيات التقنية في توسيع خيارات التنفيذ وتحسين جودة النتيجة النهائية، يؤكد علي أنها ليست العائق الحقيقي أمام الإبداع، بقدر ما تمثل أدوات تساعد على تنفيذ الأفكار بصورة أفضل.

 

  • المنصات الرقمية… السرعة وجودة السرد

يتحدث علي عن التأثير الكبير الذي أحدثته المنصات الرقمية في طبيعة الإنتاج البصري خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع الانتشار الواسع لمحتوى الـReels والـShorts، الذي فرض إيقاعًا أسرع على طريقة صناعة الفيديو وتقديمه للجمهور. ويشير إلى أن طبيعة المتلقي اليوم أصبحت مختلفة، إذ باتت فترات التركيز أقصر مقارنة بالسابق، مما يدفع صناع المحتوى والمخرجين إلى تقديم محتوى سريع قادر على جذب الانتباه خلال الثواني الأولى.

وبرأيه، أدى هذا التحول أحيانًا إلى التضحية ببعض عناصر السرد القصصي أو الجوانب الإخراجية لصالح السرعة وتحقيق الانتشار، خاصة مع تركيز كثير من العملاء والمنصات على الوصول السريع للمشاهد أكثر من بناء تجربة بصرية متكاملة. كما يوضح أن اعتماد المنصات الحديثة على القياس الطولي (Vertical) خلق نوعًا من المحدودية البصرية مقارنة بالتصوير الأفقي (Horizontal)، الذي يمنح مساحة أوسع لبناء المشهد والسرد البصري بشكل أكثر مرونة.

ورغم هذه التغيّرات، يرى علي أن الجمهور أصبح اليوم أكثر وعيًا بجودة الصورة والإخراج، وأكثر قدرة على ملاحظة الفروقات بين الأعمال من حيث الأسلوب البصري وطريقة تقديم الفكرة، وهو ما يفرض على العاملين في المجال تطوير أدواتهم باستمرار للحفاظ على جودة أعمالهم ومواكبة تطور الصناعة الرقمية.

  • الإخراج كمهنة… ومستقبل يتجه للنمو

يؤمن علي أن مجال الإنتاج البصري والإخراج يمكن أن يتحول إلى مهنة مستقرة في سلطنة عُمان، سواء من خلال تأسيس شركات إنتاج أو عبر العمل الحر، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الاستمرارية في هذا المجال تتطلب وعيًا بالإدارة المالية وطبيعة السوق المتغيرة. ويصف تجربة العمل الحر في المجال الإبداعي بأنها «موسمية» إلى حد كبير؛ إذ تمر فترات تشهد كثافة في المشاريع والأعمال، تقابلها فترات أخرى أقل نشاطًا، مما يجعل التخطيط المالي وإدارة الدخل عنصرين أساسيين للاستمرار.

كما يرى أن السوق المحلية لا تزال بحاجة إلى مزيد من المخرجين والمصورين ومديري التصوير، خاصة مع التوسع المتزايد في الإنتاج الرقمي وارتفاع الطلب على المحتوى البصري في مختلف القطاعات.

وعند الحديث عن أهم الدروس التي تعلّمها خلال تجربته، يركز علي على أهمية التخطيط قبل تنفيذ أي مشروع، موضحًا أن الاستثمار في مرحلة التحضير يساهم بشكل مباشر في رفع جودة النتيجة النهائية وتقليل الهدر في الوقت الميزانية.

ويوجه نصيحته للشباب الراغبين في دخول المجال بالاستمرار في التعلم والتجربة وعدم الاكتفاء بأسلوب أو منطقة راحة محددة، مؤكدًا أن التطور في هذا المجال يعتمد بشكل كبير على الممارسة المستمرة والانفتاح على تجارب وأساليب جديدة.

يختتم حديثه بالتأكيد على وجود فرق كبير بين «التصوير» و«صناعة المشهد»، موضحًا أن التصوير قد يكون مجرد التقاط جزء من الواقع، بينما تقوم صناعة المشهد على بناء واقع بصري مقصود يخدم فكرة ورسالة محددة يريد العمل إيصالها إلى الجمهور.

About the Author