X638311283768843821

 

Banner-02

 

العامية بين أطروحة دانتي وخصوصية العربية

06 May, 2026 |
  • بقلم: أسيل الحضرمية

 

يُعدّ كتاب "عن البلاغة باللغة العامية" (De vulgari eloquentia) للكاتب دانتي أليغييري محاولة فكرية جريئة بعض الشيء لإعادة المكانة إلى اللغة العامية بوصفها وسيلة ناجحة تصلُح للأدب والبلاغة، في إطارٍ أوروبي كان يبجّل اللاتينية ويضعها في منزلة رفيعة لا تُدرك. بيدَ أنّ هذا الطرح، بالرغم من وجاهته التاريخية، يثير تحديات عميقة عند تحويله إلى السياق العربي، حيث تتباين الهيكلة اللغوية والثقافية تباينًا جذريًا.

ينطلقُ دانتي من منطلق أساسي مركزي مفاده أنّ البلاغة ليست حكرًا على لغة معينة، بل هي نتاج قدرة المبدع على استثمار اللغة، أيًّا كانت ماهيتها، استثمارًا جماليًا رفيعًا. ولذلك، نادى إلى تطوير ما سمَّاه "العامية اللامعة"، وهي لغة منتقاة وعذبة تتخطى حدود اللهجات المحلية المقيّدة، وتقدر على أن تحمل الشعر والمعاني الجليلة بين جنباتها. وهذا التصور، في جوهره، ليس خاليًا من العمق؛ إذ يفصلُ بين العامية الأولية الخام واللغة المصقولة القادرة على احتواء الأدب.

فهو بهذا لا ينكر أهمية الهيكل الجمالي، بل يعيد تحديد منبعه، جاعلًا البلاغة نتيجة لخلق الإبداع. كما يدمج بين اللغة والوجود الإنساني، معتقدًا أن قرب اللغة من الأفراد يمنحها قوة تعبيرية لا مثيل لها قد تعوزها اللغات الرسمية الجامدة.

غير أن هذه الفكرة، عند إخضاعها للنقد من زاوية عربية، نجدها تجابه عقبات عميقة ترتبط بطبيعة اللسان العربي ذاته. فالإطار العربي يتباين جذريًا عن المنظور الأوروبي الذي تماهى فيه دانتي؛ إذ إن اللغة العربية الفصحى ليست لغة الصفوة ومنعزلة عن الحياة، بل هي لغة الدين، والإرث، والأصالة، والإنتاج العقلي، وتمتلك نظامًا لغويًا ثريًا ومقدرة فائقة على الاشتقاق والتخييل والإيحاء. وفي غضون ذلك، تتسم اللهجات العربية بالكثرة والتفاوت، مما يجعل انتشارها محدودًا، وقاصرةً عن تحقيق الفهم الموحد على نطاق واسع. بالتالي، فإن أية محاولة لإسقاط نموذج "العامية اللامعة" على الإطار العربي تبدو أقرب إلى الفكرة النظرية منها إلى القابلية للتطبيق العملي.

إن التباين الشاسع، في رأيي، يكمن في المزج بين "التأثير" و"البلاغة". فالعامية قد تكون مقنعة ومؤثرة بحكم صراحتها وقربها من الممارسة اليومية، لكنها لا تلبّي حتمًا متطلبات البلاغة وشروطها التي ترتكز على إحكام التعبير ودقته، وعمق الدلالة، والتوازن بين الإيجاز والإيحاء، والمقدرة على توليد مستويات عديدة من المعنى. وهذه السمات تبرز بجلاء في العربية الفصحى التي جمعت عبر أزمان طويلة موروثًا بلاغيًا ونصيًا متينًا، يهيئ لها أن تكون لغة الأدب المرموق دون منافس فعلي من العامية.

يمكنني القول إن العامية ستواصل لعب دورها الفعال في قطاعات محددة، كالإعلام الترفيهي، والمسلسلات، ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ تقتضي هذه القطاعات لغة سريعة وقريبة من الجمهور. غير أن هذا الحضور لا يعني حتمًا أنها ستحل محل الفصحى في موقعها البلاغي والأدبي. بل على الضد، قد يسفر التوسع في استعمال العامية عن تقوية الحاجة إلى الفصحى بصفتها معيارًا موحدًا يحمي تماسك الحديث الثقافي العربي. والغالب استمرار شكل من أشكال الازدواجية اللغوية الوظيفية، حيث تُوظّف العامية للتفاهم اليومي، والفصحى للإنتاج العلمي والأدبي.

أرى أن رأي دانتي يحوي قيمة فكرية عميقة من حيث تنشيطه لإعادة النظر في العلاقة بين اللغة والأدب، إلا أنه لا يصلح أن يُحكم بكونه مثالًا شاملًا ينفذُ على جميع اللغات دون اعتبار لخصوصياتها. فالعربية ليست مجرد لغة ضمن اللغات، بل هي منظومة بلاغية متكاملة متألقة، أظهرت قدرتها على الديمومة والتجدد مع صون بنيتها الأصلية. ومن هذه الزاوية، أميل إلى الرأي القائل إن العامية، بالرغم من قدرتها على التعبير والإقناع، لا تملك البلاغة بالمفهوم الأدبي الراسخ، بل تبقى في نطاق التعبير العملي أو الجمالي المحدود.

في الختام، يمكننا النظر إلى كتاب دانتي بوصفه عملًا مهمًا لأنه يثير سؤال اللغة والأدب، ويدفعنا إلى التأمل في العلاقة بين القرب من الناس والارتفاع بالفن، فنجده دعوة للتفكير لا إلى التسليم. لكنه لا يقدم إجابة واحدة تصلح لكل الثقافات. ففي الإطار العربي، تبقى الفصحى -في اعتقادي- الأقدر والأكفأ على البلاغة، والأعمق في التعبير، والأوسع في التواصل، بينما تظل العامية لغة قريبة ومؤثرة، لكنها لا ترقى إلى مقام البلاغة الأدبية المطلقة.

 

About the Author