التربية في زمن الرقمنة والتواصل الاجتماعي
- بقلم: الوليد بن محمد الشقصي
صدر تقرير عن منظمة اليونسكو، أن التقنيات الرقمية باتت جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطرواضحة مثل تشتيت الانتباه، والتنمر الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، في النماذج التقليدية، كانت الأسرة تتحكم في مصادر المعرفة، وتقوم المدرسة بتقنينها، أما اليوم، يتعرض الطفل لمحتوى مفتوح وغير مُرشَّح، ما يخلق نوعاً من "التنشئة الموازية" دراسة حديثة حول استخدام التطبيقات الذكية لدى الأطفال أظهرت أن كثيرًا من الآباء قلقون من المحتوى أكثر من قلقهم من الخصوصية، لأنهم يدركون أن ما يُعرض للطفل قد لا يتناسب مع عمره أو قيمه، هذا التحول يعني أن الطفل لم يعد يتلقى القيم بشكل تقليدي، بل بشكل متقدّم وموجّه، حيث تتداخل مصادر التأثير وكلها تقدم نماذج مختلفة للحياة والسلوك، ومن هذا المنطلق تظهر التساؤلات، هل تؤثر وسائل الإعلام والرقمنة في تربية الأطفال؟ وكيف أعادت هذه الوسائل توزيع أدوار التربية نفسها؟ فبين الأسرة والمدرسة، برز فاعل ثالث غير مرئي، الخوارزميات التي لا تُربّي بالمعنى التقليدي، لكنها تؤثر بعمق في تشكيل السلوك والوعي.
من جهة، يمكن القول إن عصر الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي فتح آفاقًا واسعة يمكن أن تخدم التربية إذا استُخدمت بشكل واعٍ، على المستوى التعليمي، أصبح الطفل قادرًا على التعلم بطرق لم تكن متاحة سابقًا؛ يتابع شرح الدروس، يتعلم لغات، ويشاهد تجارب علمية بطريقة مبسطة وجذابة، وهذا ينعكس على فهمه واستيعابه لكافة المجالات، أما من ناحية الوعي والمعرفة، فالطفل اليوم أصبح أكثر اطلاعًا على العالم من حوله، يعرف ما يحدث في دول أخرى، ويتعرض لثقافات متعددة، مما يوسّع مداركه ويجعله أكثر انفتاحًا، وفي الجانب الفكري، بعض المحتوى يحفّز التفكير والنقاش، فنجد أطفالًا يطرحون أسئلة أعمق أو يناقشون قضايا لم تكن تُطرح في أعمارهم سابقًا، كذلك في الجانب الأخلاقي، يمكن استثمار هذه الوسائل في عرض قصص ومواقف تعزز القيم في المجتمع مثل الصدق، احترام الآخرين، ومساعدة الغير، خاصة إذا كانت الأسرة تتابع وتوجّه الطفل، وحتى من الجانب الحيوي أو المهاري، نجد أن بعض الأطفال يطوّرون مهارات مثل التصوير، التصميم، أو حتى التعبير عن مهاراتهم والتسويق لها بطريقة أفضل، وهناك أمثلة واقعية لأسر جعلت من هذه الوسائل جزءًا إيجابيًا، كأن يجلس الأب مع ابنه لمشاهدة محتوى مفيد ثم يناقشه فيه، أو توجيه الطفل لمتابعة حسابات تعليمية بدل العشوائية، في هذه الحالة، لا تكون التقنية بديلًا عن التربية، بل امتدادًا لها.
في المقابل، تظهر مشكلة حقيقية عندما تُترك هذه الوسائل دون رقابة أو توجيه، وهنا تبدأ التأثيرات السلبية بالظهور من عدة جوانب، في الجانب الأخلاقي، قد يتعرض الطفل لمحتوى يحتوي على سلوكيات غير مناسبة، فيبدأ بتقليدها دون وعي، خاصة أن الطفل بطبيعته يتأثر بما يشاهده أكثر مما يُنصح به، وفي الجانب التعليمي، رغم توفر المعلومات، إلا أن كثرتها وسرعتها قد تجعل الطفل يميل إلى الفهم السطحي بدل التعمق، أو يفقد تركيزه بسبب التنقل المستمر بين المقاطع فيتغير ويصبح مشتتّ ذهنيًا، أما من ناحية الوعي والمعرفة، فليست كل المعلومات صحيحة، وقد يكتسب الطفل أفكارًا خاطئة أو مشوهة عن الواقع دون أن يملك القدرة على التمييز بينها، وفي الجانب الفكري، قد يتأثر الطفل بآراء مؤثرين أو محتوى يفرض عليه طريقة تفكير معينة دون نقاش، مما يضعف استقلاليته في التفكير، كذلك من الجانب الحيوي، الاستخدام المفرط للشاشات قد يؤثر على صحته، نومه، ونشاطه البدني، إضافة إلى تقليل تفاعله مع أسرته فيميل للعزلة، ومن المواقف الواقعية التي تتكرر، طفل يجلس مع عائلته لكنه منعزل بهاتفه، أو يقلد سلوكًا شاهده دون أن يفهم عواقبه، أو يقارن حياته بحياة مثالية يراها على المنصات فيشعر بعدم الرضا، هنا تظهر مشكلة “التنشئة الموازية”، حيث لم تعد الأسرة المصدر الوحيد للقيم، بل أصبحت واحدة من عدة مصادر متداخلة، بعضها قد يتعارض معها، والأسوأ أن بعض الآباء، بسبب عدم خبرتهم بهذا العالم، إما يمنعون بشكل كامل فيخلقون فجوة بينهم وبين أبنائهم، أو يتركون الحرية دون حدود، وفي الحالتين تتأثر التربية بشكل واضح.
في الواقع، لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة ضارة بشكل كلّي، كما لا يمكن الاعتماد عليها اعتمادًا كاملًا في التربية، فائدتها تظهر فقط عندما تكون تحت إشراف وتوجيه من الوالدين، بحيث تُستخدم لدعم معرفة الطفل وتوسيع إدراكه، دون أن تتحول إلى المصدر الرئيسي الذي يكوّن شخصيته، ويمكن الاستفادة منها بشكل محدود ومدروس، في إطار واضح لا يتجاوز دورها كوسيلة مساندة، ومع ذلك، تبقى التربية في جوهرها مسؤولية الأسرة أولًا، فالقيم والمعايير لا تُبنى عبر الشاشات، بل تُغرس من خلال المواقف اليومية، والحوار، والقدوة، ولهذا، مهما تطورت هذه الوسائل، لا يمكن أن تحل محلّ دور الوالدين، بل تظل مجرد أداة، بينما يظل الأساس الحقيقي للتربية قائمًا على ما يقدمه الأبوان من توجيه وقيم.
وفي ختام هذا الموضوع، يجب العودة إلى السؤال الذي بدأنا به: هل أثرت الرقمنة على التربية؟ الواقع يثبت أنها لم تغيّر فقط الوسائل، بل غيّرت شكل التربية نفسها، لكن هذا لا يعني أن الحلّ في رفضها أو الاعتماد الكامل عليها، بل في التوازن، فكما بدأنا بأن هناك طرفًا جديدًا يشارك في تربية الأبناء، فإن النهاية تعيدنا لنفس النقطة، هذا الطرف لا يمكن أن يحل محل الأسرة، التربية في أصلها علاقة وتوجيه، وهذه لا يمكن أن تقدمها شاشة، لذلك، تبقى المسؤولية الأولى والأخيرة على الأسرة، لتستخدم هذه الوسائل بوعي، لا أن تتركها تربي بدلًا عنها.
المصادر والمراجع:
UNESCO
United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO). (2023). Supporting parents and families in the digital age.
https://www.unesco.org/en/articles/unesco-launched-global-initiative-support-parents-and-families-digital-age
UNICEF
United Nations Children’s Fund (UNICEF). (2017). The State of the World’s Children 2017: Children in a Digital World.
https://www.unicef.org/reports/state-worlds-children-2017
OECD
Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). (2019). How’s Life for Children in the Digital Age?
https://www.oecd.org/publications/how-s-life-for-children-in-the-digital-age-0854b900-en.htm
About the Author