X638311283768843821

 

Banner-02

 

المسرح العربي بين الجمهور الغائب والنص المنسي

20 Apr, 2026 |

 

  • بقلم: محمد القرني 

لم يعد المسرح العربي ذلك الفضاء الحيّ الذي تتشكّل فيه وتُصاغ فيه ملامح الوعي الجمعي، بل تراجع حضوره حتى غدا، في كثير من الأحيان، نشاطًا هامشيًا يقتصر على مناسبات محدودة وعروض لا تتجاوز نطاقها الضيق. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وهيمنة الوسائط الرقمية على اهتمامات الجمهورفقد المسرح جزءًا كبيرًا من بريقه وتأثيره، وانحسر دوره كمنبر فكري وثقافي قادر على ملامسة قضايا المجتمع والتعبير عنها بعمق. حيث أصبح المشهد المسرحي العربي محاطًا بقدر من الجمود، حيث تتكرر الصيغ ذاتها، وتُستعاد الموضوعات دون تطوير حقيقي، في وقت يتغير فيه نمط حياة لإنسان العربي وتتعقّد قضاياه وتتبدل أولوياته. ومع هذا التراجع، لم يعد المسرح قادرعلى منافسة بقية أشكال التعبير الحديثة، ليس لعجزٍ في طبيعته، بل لغياب الرؤية المتجددة التي تمنحه القدرة على التكيف والاستمرار.

يعاني المسرح العربي اليوم من أزمة عميقة تتجاوز حدود التراجع الطبيعي إلى حالة من التفكك وفقدان البوصلة. فبدل أن يكون مساحة للإبداع والتجريب، أصبح في كثير من الأحيان أسير قوالب تقليدية تُعاد دون روح، ونصوص تفتقر إلى الجرأة والقدرة على ملامسة التحولات الحقيقية في المجتمع. هذا التكرار المستمر أفرغ العروض المسرحية من مضمونها، وجعلها أقرب إلى أداء شكلي لا يحمل أثرًا يُذكر. كما أن الإخراج المسرحي، في جانبٍ كبير منه، لم ينجح في كسر هذا الجمود، حيث ظل حبيس أساليب قديمة لا تواكب التطور الفني، ولا تستثمر الإمكانات التقنية المتاحة. ومع غياب الرؤية الإخراجية المتجددة، فقدت العروض عنصر الدهشة، وأصبحت عاجزة عن جذب الجمهور أو حتى الحفاظ عليه. ولا يمكن إغفال أن أحد أوجه هذه الأزمة يتمثل في غياب التقدير الحقيقي للمسرح بوصفه فنا قائما بذاته، له رسالته وتأثيره العميق. فالمسرح لا يزال، في نظر البعض، نشاطًا ثانويا أو ترفا ثقافيًا الغاية منه الترفيه، حيث لا يحظى بالأولوية ولا بالدعم الذي يتناسب مع قيمته. هذا التهميش انعكس بشكل مباشر على مستوى الإنتاج، وعلى مكانة المسرحيين أنفسهم، الذين يعمل كثير منهم في ظروف تفتقر إلى الاعتراف والتقدير. كما أسهمت بعض المؤسسات الثقافية في تكريس هذا الواقع، حين تعاملت مع المسرح بوصفه واجبًا موسميًا، يستدعى في إطار المهرجانات والفعاليات الرسمية، ثم يعاد إلى الهامش بعد انتهائها. هذا التعامل أضعف استمرارية الحراك المسرحي، وحوله إلى نشاط مناسباتي يفتقر إلى التخطيط والاستدامة.

ومن جانب آخر أن أزمة المسرح العربي أنها ليست أزمة جمهور كما يُروّج، بل أزمة وعي وإدارة وتقدير، فحين يهمّش المسرح ويعامل كفن ثانوي، من الطبيعي أن يفقد تأثيره ومكانته داخل المشهد الثقافي. وتكمن المشكلة الحقيقية في غياب مشروع ثقافي واضح يتعامل مع المسرح بوصفه أداة لبناء الوعي الفكري والاجتماعي، لا مجرد وسيلة ترفيه عابرة. وقد أدى هذا التهميش إلى إفراغ المسرح من دوره الحقيقي، كما أسهم ضعف الاستثمار في الطاقات الشابة وتهميش الكفاءات في تعميق الفجوة بين المسرح والمجتمع، حتى أصبح فنا يمارس داخل دائرة مغلقة لا يصل صداه إلى الجمهور بالشكل المطلوب.

إن الخروج من هذه الأزمة لا يمكن أن يتحقق عبر حلول سطحية أو مؤقتة، بل يتطلب إعادة بناء شاملة تبدأ من إعادة الاعتبار للمسرح كفن مؤثر وأساسي في تشكيل الوعي الثقافي، ومنحه الدعم المادي والمعنوي الذي يستحقه. كما يُعد تطوير النصوص المسرحية خطوة جوهرية من خلال تشجيع الكتابة الجريئة التي تلامس قضايا المجتمع بصدق وعمق، بعيدًا عن التكرار والسطحية التي أضعفت جاذبيته. ويوازي ذلك ضرورة تجديد الإخراج المسرحي عبر تبني رؤى حديثة تستفيد من التقنيات المعاصرة وتكسر القوالب التقليدية التي لم تعد قادرة على استقطاب الجمهور.

وفي نهاية المطاف يتضح لنا أن أزمة المسرح العربي ليست أزمة عابرة أو مرتبطة بجمهور غائب كما يُشاع، بل هي أزمة بنيوية عميقة تتعلق بالوعي الثقافي وآليات الإدارة والتقدير. وأن تراجع المسرح لم يكن نتيجة ضعف الفن ذاته، وإنما نتيجة تهميشه وغياب الرؤية التي تمنحه مكانته الطبيعية داخل المشهد الثقافي. ومن هنا تتجدد العودة إلى فكرة الموضوع الأساسية التي تقوم على هل المسرح العربي ما زال قادرًا على التأثير والنهضة، إذا ما أُعيد الاعتبار له بوصفه فنًا يحمل رسالة فكرية وجمالية في آن واحد.

 

About the Author