X638311283768843821

 

Banner-02

 

" مضيق هرمز: نقطة التوتر التي تهز الاقتصاد العالمي"

09 Apr, 2026 |

بقلم: أحمد بن عبدلله الوهيبي

 

في لحظة واحدة، تحوّل ممر مائي لا يتجاوز عرضه ثلاثة وثلاثين كيلومتراً إلى أخطر سلاح جيوسياسي في يد إيران. فمضيق هرمز لم يعد مجرد خط أزرق رفيع على الخريطة؛ بل شريان اقتصادي ينقل يومياً نحو عشرين مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خُمس الطاقة التي تُشغّل الاقتصاد العالمي. واليوم، وفي خضم حرب لم تعد تُخفي حدّتها، أصبح هذا الممر شبه مغلق، ليتحوّل إلى نقطة توتر تضغط على الاقتصاد العالمي، وترفع أسعار الطاقة، وتربك سلاسل الإمداد، وتدفع الأسواق إلى حالة من الترقب والقلق.

مع اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى خلال الأسابيع الأخيرة من شهر فبراير ٢٠٢٦، وفي ظل التوتر الذي خيّم على دول المنطقة المطلة على الخليج، أصبح المضيق مسرحاً لأزمة غير مسبوقة. فالضربات الجوية الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت قلب المنشآت الإيرانية الحساسة في أواخر فبراير لم تكن مجرد عمل عسكري روتيني، بل حملت معها تداعيات اقتصادية مباشرة امتدت إلى ممرات التجارة والطاقة العالمية. إذ لم يقتصر الأمر على إطلاق الصواريخ أو المسيّرات، بل استهدف نقطة الضعف الأكبر في النظام الدولي: شريان الطاقة الذي يمر عبر المضيق، حيث فرضت إيران قيوداً صارمة على مرور السفن، وأصبحت كل عملية عبور مرتبطة بشروط مشددة، ما زاد من تعقيد حركة الملاحة وارتفاع المخاطر الاقتصادية المصاحبة.

لم يحتج الأمر إلى إعلان حظر رسمي مكتوب في وثيقة أممية. فقد كانت التهديدات الصريحة من قادة الحرس الثوري، والتي شملت استهداف إيران فعلياً العديد من السفن التي حاولت العبور، كافية لإثارة القلق العالمي. أدى هذا الوضع إلى موجة من عدم اليقين بين شركات الشحن المالكة للناقلات، حيث انسحبت شركات التأمين البحري العالمية الكبرى من تغطية «مخاطر الحرب»، وتضاعفت الأقساط عشرات المرات، فيما أغلقت بعض الشركات ملفاتها تماماً. ليصبح العبور من المضيق مخاطرة مالية لا يتحملها أي مالك سفينة يريد أن يبقى في السوق غداً.

النتيجة كانت مشهداً غير مألوف في واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً وحيوية في العالم. خرائط تتبع السفن، التي كانت تعج بالنقاط الحمراء والخضراء يومياً، تحولت إلى مساحات شبه فارغة. تراجعت حركة الناقلات بشكل كبير، فيما بقيت عشرات السفن العملاقة تنتظر بعيداً عن الممر. بعض هذه السفن المحملة بملايين البراميل تدور في عرض البحر قبالة سواحل المنطقة بانتظار وضوح الصورة. وفي الوقت نفسه علّقت شركات شحن كبرى رحلاتها، وارتفعت أسعار استئجار الناقلات إلى مستويات لم يشهدها السوق منذ سنوات. وحتى تدفق الغاز الطبيعي المسال من بعض دول الخليج لم يعد يسير بالوتيرة المعتادة. مما أسفر عن موجة صدمة في الأسواق العالمية وزيادة المخاطر الاقتصادية على الصناعات والمستهلكين في آن واحد.  

ولا يقتصر دور المضيق على مرور النفط فقط؛ فالكثير من السلع الأساسية تمر عبر هذا الطريق البحري، من الألومنيوم والأسمدة إلى المواد الكيميائية وغيرها من المنتجات التي تربط موانئ الخليج بالأسواق العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في هذا الممر يضع دول المنطقة أمام تحديات اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه، كما ينعكس بشكل واضح على الدول الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند واليابان التي تعتمد بدرجة كبيرة على الامتدادات القادمة من الخليج.

وفي وقت يتحدث فيه العالم كثيراً عن الطاقة المتجددة والتحول الأخضر، تذكّرنا هذه الأزمة بحقيقة واضحة: الاقتصاد العالمي ما زال يعتمد بشكل كبير على النفط. فالاحتياطيات الاستراتيجية قد تخفف الصدمة لفترة قصيرة، لكنها لا تعوض عن ممر يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. أما المسارات البديلة مثل خطوط الأنابيب أو الالتفاف حول القارة الأفريقية، فهي حلول مكلفة وبطيئة ولا تستطيع تعويض حجم الحركة التي يعبرها المضيق يومياً.

تتأثر دول المنطقة والخليج بشكل مباشر بإغلاق مضيق هرمز، إذ تعتمد على صادرات النفط والغاز لتمويل ميزانياتها وتشغيل مشاريعها الكبرى، بينما تتأثر الاتفاقيات التجارية والطاقة المحلية، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية وعدم توافرها وزيادة تكلفة المعيشة على المواطنين. ورغم وجود بعض البدائل المحدودة مثل خطوط الأنابيب والمخزون الاستراتيجي، فإنها لا تكفي لتعويض الخسائر أو حماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق، مما يجبر الحكومات على البحث عن حلول بديلة وإدارة الطاقة بحذر. وفي الوقت نفسه، تواجه أوروبا وآسيا اختباراً صعباً لاحتياطاتها الاستراتيجية، وسط مخاوف من أن يتحول الشتاء القادم إلى أزمة طاقة حقيقية، ما يجعل المستقبل الاقتصادي الإقليمي والدولي محفوفاً بالمخاطر وعدم اليقين.

وسط هذا الإغلاق، تتبوأ سلطنة عُمان موقعاً محورياً كممر لوجستي وبوابة تجارية موثوقة في المنطقة. وأكدت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة عُمان وشرطة عُمان السلطانية، جاهزية قطاع النقل البري لضمان نقل البضائع عبر موانئ السلطنة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مع توفير إجراءات ميسرة تعزز انسيابية الحركة التجارية وكفاءة سلاسل التوريد. حيث تتيح موانئ السلطنة استقبال السفن وتفريغ الحاويات، ثم إعادة نقل البضائع براً عبر شبكة الطرق إلى أسواق دول الخليج، مع تسريع التخليص الجمركي وتسهيل حركة الشاحنات عبر المنافذ الحدودية. ويُسهم هذا النظام في الحفاظ على انسياب التجارة وتقليل الضغوط الاقتصادية، بما يدعم استقرار الإمدادات ويحد من تأثير أي أزمة محتملة على الدول المعتمدة على حركة المضيق.

يثبت هذا الممر الضيق أن العالم لا يزال مرتبطاً بنقطة جغرافية واحدة يمكن أن تؤثر في توازناته الاقتصادية والسياسية. فالأزمة الحالية ليست مجرد توتر إقليمي عابر، بل تذكير واضح بمدى ترابط الاقتصاد العالمي واعتماده على استقرار الممرات البحرية الحيوية. وبينما تتابع الأسواق العالمية تطورات المشهد بحذر، يبقى الأمل معقوداً على أن تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في إعادة الهدوء إلى هذا الشريان الحيوي قبل أن تتسع دائرة التأثير الاقتصادي عالمياً.

 

 

 

المراجع

  1. BBC News عربي. (2026). ماذا سيحدث إذا أُغلق مضيق هرمز؟ BBC. https://www.bbc.com/arabic/articles/c14mr5xz7exo.amp
  2. Al Jazeera. (2026, مارس 3). كيف سيؤثر إغلاق مضيق هرمز في المعروض؟ الجزيرة نت. https://www.aljazeera.net/amp/video/2026/3/3/كيف-سيؤثر-إغلاق-مضيق-هرمز-في-المعروض
  3. Al Jazeera. (2026, فبراير 8). مضيق هرمز: العنق الرئيسي للنقل النفطي العالمي. الجزيرة نت. https://www.aljazeera.net/amp/encyclopedia/2026/2/8/مضيق-هرمز-العنق-الرئيسي-للنفط-في-2
  4.  Oman News. (2026). تقرير حول تأثير الأزمة على الاقتصاد والإجراءات اللوجستية في سلطنة عُمان. https://omannews.gov.om/topics/ar/7/show/464692

 

About the Author