ساعة الأرض في عُمان: هدنة من الضجيج
- د.عزيزة بنت صالح الصوافية- مساعد عميد القبول والتسجيل للتسجيل
"بين سكون الجبال وضياء النجوم؛ رحلة وطنيّة في استعادة التوازن النفسيّ والارتباط الفطريّ بتراب الأرض".
في تمام الثامنة والنصف مساءً، حين يغلف الهدوءُ مسقطَ وتستكين أضواء صلالة، لا تُطفأ الأنوار فحسب، بل تُفتح نافذة واسعة على الروح البشريّة في تجربة تتجاوز البعد البيئيّ لتلامس عمق الصحة النفسيّة والوجدان العالميّ. إنَّ "ساعة الأرض" ليست مجرد مبادرة رمزيّة لإدارة الموارد، بل هي طقس استشفائيّ جماعيّ يعيد ضبط إيقاع الإنسان المنهك في عصر الضجيج الرقميّ والتلوث الضوئي الذي لم يغزُ الشوارع والمباني فقط، بل تسلل إلى العقول والأنفس، واضعاً الأجهزة العصبيّة في حالة تأهب قصوى دائمة تحت وطأة الوميض المستمر للشاشات.
عندما تختار عُمان، بمدنها الحديثة وتراثها الضارب في عمق التاريخ، أن تخمد أنوارها لساعة من الزمن، فإنها تمنح المجتمع «هدنة نفسيّة» تتيح الانتقال من حالة التشتت إلى حالة اليقظة؛ ففي علم النفس، يؤدي التقليل الحسيّ من الإضاءة الصاخبة إلى ارتفاع صوت الطبيعة في الداخل الخفي، حيث يتحول التركيز من ضجيج الاستهلاك إلى سكون الوجود، وتنكسر قيود الفرديّة ليشعر الجميع بالانتماء لكيان أكبر هو كوكب الأرض. ولطالما كان الإنسان العُمانيّ مرتبطاً بجغرافيته ارتباطاً عضوياً، من شموخ الجبل الأخضر إلى سحر رمال الشرقيّة، وهو ارتباط يمثل جوهر الاستقرار النفسيّ، مما يجعل من قضايا التغير المناخيّ وقلق البيئة العالميّ شأناً وجودياً يمس صلب الحياة اليوميّة.
حين تُطفئ المعالم الوطنيّة الكبرى، من قلاع تاريخيّة وصروح معماريّة، أنوارها في هذه الساعة، فهي ترسل رسالة تضامن دولية بلهجة عُمانيّة رصينة، تؤكد أن الاستدامة ليست مجرد سياسات اقتصاديّة، بل هي «استدامة روحيّة» تبدأ من عقل يؤمن بالاعتدال ويقدر الأمانة. وتتحول هذه الساعة في الفناء العُماني تحت السماء المرصعة بالنجوم إلى رحلة نحو الداخل، حيث تُستعاد «اللمّة» العائليّة بعيداً عن تشتت الأجهزة الذكيّة، وتتعزز الروابط الاجتماعيّة في حضرة السكون، مما يجعل من الظلام المؤقت وسيلة للإضاءة المعنويّة.
إن هذه المبادرة هي دعوة صريحة للعودة إلى الفطرة، وتذكير بأن البشر جزء لا يتجزأ من هذه الأرض، وليسوا مجرد مستهلكين لها. وفي هذا السكون المطبق، يضيء الوعي الجمعي ليكتشف أن كفاءة استهلاك الطاقة ليست مجرد أرقام في فاتورة، بل هي تعبير أسمى عن تقدير الحياة وحماية الإرث الذي قدّسه الأجداد من أفلاج وشجر وحجر. هكذا تصبح ساعة الأرض في السلطنة لحظة تأمل كبرى في الهويّة والبيئة، وتأكيداً على أن الاستنارة الحقيقيّة تبدأ عندما نصمت قليلاً لنسمع نبض الكوكب، ونعزز إيماننا بأن الحفاظ على الطبيعة هو في جوهره حفاظ على توازننا النفسي وإنسانيتنا المشتركة.
About the Author