ليالي رمضان: شحنٌ روحي أم استنزافٌ خفي؟
- د/ زينب بنت ناصر العزرية، رئيسة قسم صحة الأمومة والطفولة بكلية التمريض.
مع دخول نفحات الشهر الكريم، يرغب كلُّ واحدٍ منّا في إنجاز قائمة طويلة دفعةً واحدة، دون تهيئةٍ مسبقة أو إعدادٍ تدريجي، مما يؤدي إلى انتكاسةٍ حقيقية تؤثر تلقائيًا في أداء الفرد بصورةٍ ملحوظة. تتغيّر وتيرة الحياة؛ فتتأخر ساعات النوم، وتتبدل أنماط الدراسة والعمل، ويصبح انخفاض الإنتاجية مبررًا جاهزًا يتردد على الألسنة.لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
هل يقلّ الأداء في رمضان فعلًا؟ أم أن المشكلة أعمق، وتتعلق بإدارة الوقت والعادات اليومية التي يمارسها الفرد دون إدراكٍ لتأثيرها في إنجازاته؟ الاعتقاد الشائع أن الصيام بحدّ ذاته يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فهناك من يحافظ على مستوى إنجازه، بل ويزداد تركيزه وانضباطه خلال هذا الشهر، مما يؤدي إلى زيادة إنتاجيته.
وفي المقابل، نجد من يتراجع أداؤه بشكلٍ ملحوظ، ليس بسبب الصيام، لكن على الأرجح بسبب نمط الحياة الذي يرافق الشهر.السهر الرمضاني مثالٌ واضح؛ إذ يتحول الليل عند البعض إلى وقتٍ مستهلكٍ غير منتج: لا نوم كافٍ، ولا عبادة حقيقية، ولا إنجاز فعلي. ساعاتٌ طويلة تُهدر في جلساتٍ غير ضرورية، أو في متابعة محتوى لا يضيف قيمة. والنتيجة: إرهاقٌ في النهار، وضعفٌ في التركيز، وتراجعٌ في الأداء. وهنا يتضح جليًّا أن المشكلة لا تكمن في الصيام ذاته، بل في العادات الخاطئة التي يتبعها بعض الصائمين. كما أن الإفراط في الأنشطة الاجتماعية، أو الانشغال المبالغ فيه بتحضير الطعام بما يتجاوز الحاجة، يستنزف الطاقة بدل أن يدعمها.
رمضان لم يُشرّع ليكون موسمًا للاستهلاك، بل موسمًا لإعادة ترتيب الأولويات.
ومن المهم التمييز بين التخفيف المنطقي والتهاون. نعم، قد يختار البعض أن يقلل من انشغاله الدنيوي ليمنح مساحة أكبر للعبادة والسمو الروحي، وهذا خيارٌ واعٍ لا يُلام عليه. فالإنسان يحتاج إلى محطاتٍ يعيد فيها شحن طاقته. وإذا انخفضت الإنتاجية المادية قليلًا مقابل ارتفاعٍ في الإنتاجية الروحية، فذلك استثمارٌ طويل المدى. لكن القلق الحقيقي يكمن فيمن تنخفض إنتاجيتهم، لا لصالح أولويةٍ روحيةٍ أعلى، بل بسبب عاداتٍ مشتتة لا تضيف طاقةً ولا تبني إنجازًا.
كان رمضان، ولا يزال، فرصةً ذهبية لإعادة ضبط أسلوب حياتنا، لا مبررًا لمزيدٍ من التهاون والتكاسل. وأصبح لزامًا علينا أن نقف وقفةً صادقةً مع أنفسنا:كيف أقضي أيامي وليالي هذا الشهر؟ وكيف أستمد من روحانيته وقودًا لبقية أيام السنة؟ في النهاية، رمضان ليس عذرًا، بل اختبارٌ لطريقة إدارتنا لوقتنا وطاقتنا.
تابع ملف نشرة أقرا بعنوان (رمضان)على الرابط:
https://anwaar.squ.edu.om/Portals/100/DNNGalleryPro/uploads/2026/2/23/Iqraa73(2).pdf
About the Author