X638311283768843821

 

Banner-02

 

الطفولة بين الحزم والحنان

16 Feb, 2026 |
  • د/ زينب بنت ناصر العزرية-رئيسة قسم صحة الأمومة والطفولة بكلية التمريض 


في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، لم يعد الحديث عن حماية الطفل مقتصرًا على صور العنف الجسدي التقليدية التي عرفناها سابقًا. فالدراسات الحديثة—بما في ذلك الدراسات التي أُجريت على المدارس العُمانية، تكشف أن أنماط التربية داخل الأسرة أصبحت عاملًا حاسمًا في تشكيل صحة الطفل النفسية وسلوكه، وقد تكون في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول لحمايته أو مصدرًا غير مباشر لإيذائه. فالتربية ليست قائمة على تأنيب الطفل وإنزال العقاب عليه في كل خطأ أو تقصير يقوم به، وكذلك ليست قائمة على الدلال المفرط بلا حد واعٍ يجعل الطفل يدرك المسؤولية، بل هي منظومة متكاملة تتطلب وعيًا واتزانًا وفهمًا لاحتياجات الطفل في كل مرحلة، والتقرب من جوهر الطفل والانغماس في كينونته والتقرب منه بالحوار الناجح المبني على الوعي الناضج، وليس مجرد قائمة أوامر تصدر دون أن يعلم الطفل مغزى ما يُطلب منه، أو قائمة عقاب تصدر في حق طفل لم يدرك بعدُ ما قام بفعله.
عندما نُمعن النظر في واقعنا بقلب تسوده مشاعر الشفقة مما آل إليه حال بعض الأسر على أرض الواقع وبين جنبات البيوت، نجد أن كثيرًا من السلوكيات التي تُصنَّف إساءة لا يمارسها الوالدان بنية الإيذاء، بل بدافع التوتر أو الجهل بأساليب التربية الصحيحة. فالبعض يعتمد على أسلوب فرض قانون الطاعة العمياء والامتثال للأوامر التي يصدرها الأب والأم على حد سواء، مما يجعل الطفل يفقد الثقة بنفسه شيئًا فشيئًا، وتظهر عليه علامات الخوف والتردد في كل أمر، ويصبح غير قادر على اتخاذ قرار حتى في أبسط الأمور، وتزيد من احتمالية تعرضه للإيذاء النفسي والبدني سواء من داخل الأسرة أو من خارج المجتمع
في المقابل، هناك أسر تميل إلى الإهمال العاطفي أو الانسحاب من التفاعل اليومي، فيترك الطفل دون توجيه أو متابعة، فينمو فاقدًا للأمان والحدود، مما يقود الطفل للبحث عن الأمان والعطف بطرق خاطئة وقد تكون مدمرة في بعض الأحيان، كالإدمان المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة أفلام الكرتون التي يستقي منها الطفل الغث والسمين، مما يولد شخصية متناقضة مهزوزة لا تعي ما تفعل ولا تدرك عواقب الأمور.
ومن أبرز النتائج التي ظهرت في الدراسات الميدانية أن الطرق الخاطئة التي يتعامل بها الأهل مع الأطفال تجعل الأهل مستقبلًا غير قادرين على التعامل مع أطفالهم حين يزيد عناد الطفل أو صراخه أو عدم استماعه لكلامهم، مما يجعل الوالدين يتخذان موقفًا مغايرًا إما بالسخرية أو بالعقاب الذي لا يزيد الأمر إلا تعقيدًا وسوءًا، وهي ممارسات تؤدي إلى تراجع ثقة الطفل بنفسه، وتزيد من مخاطر القلق والسلوك العدواني أو الانسحابي. هذا الأمر يعكس ضعفًا في مهارات التعامل مع الانفعالات، لا لدى الطفل فحسب، بل لدى الأسرة نفسها.
وتكمن أهمية التربية المتوازنة، أو ما يمكن تسميته بالتربية الآمنة، في أنها تجمع بين الحزم والحنان. فالحزم لا يعني القسوة، والحنان لا يعني الدلال المفرط. التربية الآمنة تعني وضع حدود واضحة وثابتة مع تقديم الدعم العاطفي والاحتواء، مما يساعد الطفل على تطوير مهاراته في ضبط المشاعر واتخاذ القرارات وبناء الثقة بالنفس. هذه التربية تمنح الطفل إحساسًا بالأمان الداخلي، وتجعل احتمالية تعرضه للإساءة أقل بكثير مقارنة بالأساليب الأخرى ، إلا أن الدلال الذي يُبالغ فيه البعض مع أبنائه جهلًا منهم بأن هذا الدلال ينبثق من حرص الأسرة على الطفل وحبها المبالغ فيه ورغبتها في أن يصبح طفلًا مميزًا لا توجد لديه عقدة نقص من شيء، إلا أن هذا الأمر أورث الأسر وبالًا سقيمًا وأورد الأطفال في قعرٍ يصبح الخروج منه صعبًا للغاية. 
فمع هذا الدلال لن يدرك الطفل حدوده، ولن يكون قادرًا على السيطرة على مشاعره ولا أفكاره ولا الطريقة الصحيحة التي ينبغي أن يتعامل بها مع محيطه، وذلك لأنه اعتاد أن كل ما يريد يجب أن يصبح بين يديه، وأن الجميع لزامًا عليهم أن يكونوا رهن إشارته. فيغيب عن المدرسة وقتما شاء دون أن يوجد من يقف في وجهه، ويكثر من السهر على الأجهزة اللوحية دون أن يجد رادعًا لذلك، أو يتناول الأطعمة غير الصحية التي تهدم جسده وتضعف حاله دون أدنى رادع.
ومن أبرز ما كشفت عنه دراستنا حول واقع حماية الطفل في المدارس العُمانية أن الإهمال هو الشكل الأكثر شيوعًا، لكنه غالبًا غير مُعترف به من قبل الوالدين أو حتى بعض العاملين مع الأطفال. فقد أشار الأخصائيون الاجتماعيون إلى حالات عديدة يُترك فيها الطفل دون متابعة لواجباته المدرسية، أو دون توفير احتياجاته الأساسية مثل الطعام المناسب أو النظافة الشخصية أو الحقيبة المدرسية، إضافة إلى أطفال يُرسَلون إلى المدرسة دون نوم كافٍ بسبب السهر على الأجهزة الإلكترونية. كما ظهرت حالات يعجز فيها الوالدان عن التعامل مع غضب الطفل أو انفعالاته، فيلجؤون إلى تجاهله أو تركه دون توجيه، وهو ما اعتبره المشاركون شكلًا من أشكال الإهمال العاطفي الذي يؤدي إلى ضعف مهارات الطفل في التعبير والتنظيم الانفعالي. هذا النوع من الإهمال، رغم هدوئه الظاهر، يُعد من أكثر الأسباب التي تهدد سلامة الطفل النفسية وتزيد من احتمالية تعرضه لأنماط أخرى من الإساءة. 
وفي الوقت الحاضر كان لزامًا على الوالدين إدراك البعد الثقافي والاجتماعي اللذين أصبحا لا مفر منهما في تشكيل شخصية الطفل، وأن الأساليب القديمة والمتوارثة لم تعد صالحة للاستخدام اليوم في وقت أصبح العالم يتغير فيه بصورة متسارعة. لذلك لا ينبغي أن يقوم الوالدان بتربية الطفل بالصورة المعتادة والتلقائية، ولكن لابد من الحرص والفطانة وإنزال الأمور منازلها الصحيحة حتى تقوم على مبدأ واضح وقيم راسخة ولا يختلط الحابل بالنابل فينشأ جيل غير متجانس فكريًا، فخضوع الوالدين للتدريب المستمر والتعليم العميق في أساليب التربية الحديثة أصبح أمرًا لا مناص منه.
وتشير التوصيات الحديثة في سلطنة عمان إلى ضرورة توفير برامج تعليمية للوالدين بشكل مجاني أو برسوم رمزية، بحيث يتعلم الأهل كيفية التعامل مع غضب الطفل، وفنون التواصل الإيجابي، وكيفية وضع الحدود باحترام، إضافة إلى التعرف على المؤشرات المبكرة للإساءة. ورغم أن بلادنا حققت تقدمًا كبيرًا في تشريعات حماية الطفل وإنشاء لجان وآليات للتبليغ، إلا أن هذه الجهود بحاجة إلى أن تُستكمل بحملات توعوية واسعة تستهدف الأسر مباشرة، وأن تكون العقوبات واضحة وسريعة بحق كل من يمارس الإساءة على الأطفال، بما يعزز الردع والالتزام.
إن التربية الآمنة ليست ترفًا اجتماعيًا ولا نظرية مثالية، بل هي ضرورة لصناعة جيل أكثر قوة وتوازنًا. فعندما نمنح أطفالنا بيئة قائمة على الحب المنضبط والحدود الرحيمة، فإننا نؤسس لمجتمع أكثر أمانًا وتماسكًا. إن بناء طفل محمي يبدأ من بيت واعٍ يعرف أن التربية ليست صراخًا ولا تدليلًا، بل بناء يومي قائم على الحزم والحنان معًا.

About the Author