- بقلم الدكتور جهاد بن جميل حمد
- الأستاذ المشارك في علم الاجتماع، جامعة السلطان قابوس
تتناول هذه المقالة التحولات الديموغرافية والاجتماعية في سلطنة عُمان من خلال عدسة السوسيولوجيا الحسابية، مع التركيز على دور الذكاء الاصطناعي كأداة منهجية لفهم الديناميكيات المجتمعية المعقدة وضمان الاستقرار الاجتماعي والثقافي في إطار رؤية عُمان 2040، معتمدًا على منهجية تحليلية تدمج بين النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية والنمذجة الحسابية المتقدمة، مع الاستناد إلى بيانات ديموغرافية حديثة وإطار تشريعي وأخلاقي واضح.
السياق السوسيولوجي الرقمي - من البيانات الضخمة إلى النمذجة التنبؤية
تشهد السلطنة تحولات ديموغرافية متسارعة، حيث يقدر عدد السكان في منتصف 2025 بنحو 5.49 مليون نسمة، مع نسبة تحضر تصل إلى 89.2% (Global Media Insight, 2024؛ Worldometer, 2025). ولا تقتصر هذه التحولات على البنى السكانية فحسب، بل تمتد إلى أنماط التفاعل الاجتماعي والقيم الثقافية، مما يستدعي تطوير أدوات منهجية قادرة على استيعاب التعقيد الراهن. هنا يبرز الذكاء الاصطناعي كإطار تحليلي ثوري، لا كمجرد أداة تقنية، بل كمنهجية قادرة على تحليل الظواهر السوسيولوجية عبر نماذج حاسوبية متقدمة مثل النمذجة القائمة على الوكيل (Agent-Based Modeling) وتحليل المشاعر عبر معالجة اللغة الطبيعية (Macy & Flache, 2023).
البنية الديموغرافية 2025 - فرص وتحديات سوسيولوجية
تبين البيانات الديموغرافية لسلطنة عُمان لعام 2025 التركيبة التالية (اعتمادًا على تقديرات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات)
|
المؤشر
|
القيمة
|
النسبة
|
|
إجمالي السكان
|
5,494,691
|
100%
|
|
العمانيون
|
3,170,000
|
56.7%
|
|
الوافدون
|
2,324,691
|
43.3%
|
|
الذكور
|
3,430,000
|
62.4%
|
|
الإناث
|
2,064,691
|
37.6%
|
|
التحضر
|
4,989,686
|
89.2%
|
العمر الوسيط 29.7 سنة
تبين هذه الأرقام ان المجتمع العماني مجتمعًا فتيًا (العمر الوسيط <30 سنة) مع تركيز حضري مرتفع، مما يخلق بيئة خصبة للابتكار الرقمي لكنه يفرض ضغوطًا على البنى التحتية والخدمات الاجتماعية (Worldometer, 2025). كما أن الاختلال النوعي بين الذكور والإناث (62.4% مقابل 37.6%) يعكس هيكل سوق العمل المعتمد على العمالة الوافدة، مما يؤثر على ديناميكيات الفضاء العام واقتصاد الرعاية (Global Media Insight, 2024).
الذكاء الاصطناعي كمنهج سوسيولوجي - من الرمزية إلى التعلم العميق
تطورت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العلوم الاجتماعية من النماذج الرمزية (Symbolic AI) إلى النماذج الاتصالية القائمة على التعلم العميق والشبكات العصبية. ان هذه التقنيات تتيح للباحث السوسيولوجي الاتي:
- تحليل الخطاب الاجتماعي عبر معالجة اللغة الطبيعية (NLP).
- التنبؤ بالأنماط السلوكية باستخدام التحليل التنبؤي (Predictive Analytics).
- محاكاة التفاعلات المجتمعية عبر النمذجة القائمة على الوكيل (ABM).
وهذا ما يعزز الانتقال من السوسيولوجيا التقليدية إلى السوسيولوجيا الحسابية (Computational Sociology)، التي تدمج بين النظرية الاجتماعية والرياضيات والعلوم الحاسوبية (Macy & Flache, 2023).
التحديات الثقافية والهوية في العصر الرقمي
في ظل انفتاح 68% من الشباب العماني على المحتوى الثقافي الأجنبي عبر المنصات الرقمية، تبرز إشكاليات تتعلق بالهوية اللغوية والقيم الأصيلة. حيث تشير بيانات المركز الوطني للإحصاء إلى زيادة استخدام اللغة الإنجليزية في المناطق الحضرية بنسبة 40%، مما يمثل تحولاً سوسيولسانياً يحتاج إلى رصد وتحليل ذكي.
وهنا من الممكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورًا حمائياً عبر
- رصد المحتوى الثقافي وتقييم مدى انتشار التراث غير المادي.
- تطوير نماذج لغوية محلية ومشاريع ذكية لرصد “التراث الثقافي غير المادي" وتقييم مدى انتشاره بين الأجيال الشابة، بدلاً من الاعتماد على النماذج العالمية التي قد تفقد الدقة في السياقات المحلية.
- قياس "الخصوصية الثقافية" في البحث العلمي، حيث أثبتت الدراسات الأكاديمية أن النماذج اللغوية العالمية (مثل Gemini) تتفوق أحياناً في العلوم الاجتماعية لكنها تظل قاصرة عن فهم "المعارف المحلية العميقة" والخصوصية الثقافية العمانية، مما يبرز أهمية "التحقق البشري" المستمر.
إن الهوية العمانية التي تستند إلى قيم التسامح والتعايش السلمي، تواجه اختباراً حقيقياً في الفضاء الافتراضي. فبينما كانت الحدود الجغرافية واللغوية تحمي الثقافة في السابق، أصبحت الخوارزميات اليوم هي التي تشكل الوعي الجمعي. لذا، فإن تعزيز الهوية الوطنية في العمارة والفضاءات العامة والمدن الذكية يعد ضرورة استراتيجية لربط المشاريع الحديثة بالرموز المحلية.
سوسيولوجيا الأسرة العمانية - بين الثبات الرقمي والتحول القيمي
تعتبر الأسرة العمانية النواة التي يتم من خلالها إعادة إنتاج المجتمع وقيمه. وقد أدى التحول الديموغرافي إلى انخفاض متوسط حجم الأسرة وبروز "الأسرة النووية". ومع دخول التكنولوجيا الرقمية إلى كل بيت، حدثت تغيرات في "بنية التواصل" داخل الأسرة. تشير الدراسات الميدانية التي شملت مناطق مثل ظفار (صلالة، مرباط، ثمريت، طاقة) إلى أن استخدام الإنترنت أدى في بعض السياقات إلى ضعف في جودة العلاقات بين الزوجين وبين الإخوة نتيجة قضاء وقت أطول في الفضاء الافتراضي على حساب الحوار الأسري المباشر.
ومع ذلك، أظهرت نتائج بحثية أخرى أن المجتمع العماني بطبيعته المحافظة استطاع امتصاص صدمة التحول الرقمي دون حدوث "تغير راديكالي" في منظومة القيم الكبرى، حيث ظل التمسك بالهوية العربية والإسلامية حائط صد قوياً.
وهنا يمكن للذكاء الذكاء الاصطناعي التدخل عبر "الأنظمة التنبؤية" لتحديد المناطق الأكثر عرضة للتفكك الاجتماعي بناءً على مؤشرات الضغط الاقتصادي والسكاني، وتصميم برامج تدخل مجتمعي مستهدفة، ونمذجة احتياجات الإسكان والخدمات المستقبلية بناءً على تحول بنية الأسرة نحو النمط النووي.
سوق العمل والتوطين - نحو سياسات ذكية قائمة على البيانات
تبلغ نسبة الباحثين عن العمل بين الشباب العماني 13.2%، مما يجعل قضية التوطين أولوية وطنية. حيث يقدم الذكاء الاصطناعي حلولاً عملية مثل:
- تحليل مهارات القوى العاملة الحالية والمستقبلية وتوقع المهارات الأكثر طلبًا.
- نمذجة أثر العمالة الوافدة لضمان أن تكون مكملة وليست منافسة للعمالة الوطنية.
- تحليل الهوية الاجتماعية في بيئات العمل المتنوعة لتعزيز التماسك المؤسسي.
الحوكمة الأمنية - من رد الفعل إلى الاستباقية
سجلت سلطنة عُمان ارتفاعًا بنسبة 35% في جرائم التقنية الحديثة، مما يستدعي تبني أدوات ذكية مثل الشرطة التنبؤية (Predictive Policing) ونظم الإنذار المبكر للاستقرار المجتمعي. يجب أن تتم هذه الممارسات في إطار أخلاقي وقانوني واضح، كما تنص عليه السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025 وقانون حماية البيانات الشخصية (2022).
الدور الأكاديمي - جامعة السلطان قابوس كحاضنة للبحث السوسيولوجي الرقمي
تعد الجامعة ركيزة أساسية في تأصيل البحث السوسيولوجي الرقمي، من خلال كرسي اليونسكو للذكاء الاصطناعي ومركز أبحاث الذكاء الاصطناعي. وتشمل مساهماتها في:
- تطوير قدرات وطنية في علم البيانات الاجتماعية.
- إجراء دراسات طولية حول تأثير العولمة الثقافية على الشباب العماني.
- قياس أثر الذكاء الاصطناعي على الممارسة المهنية للأخصائيين الاجتماعيين.
الأطر التشريعية والأخلاقية - ضمانات الاستخدام المسؤول
تمتلك سلطنة عمان إطاراً تشريعياً متقدماً يشمل:
- قانون حماية البيانات الشخصية (2022).
- البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي (2024-2026).
- سياسة الاستخدام الآمن والأخلاقي (2025).
وهذه التشريعات ضرورية لمواجهة تحديات مثل الانحياز الخوارزمي والتمييز الرقمي.
التوصيات الاستراتيجية - نحو نموذج عماني للذكاء الاجتماعي
بناءً على التحليل السابق، يمكن تقديم التوصيات التالية:
- إنشاء منصة وطنية للبيانات الاجتماعية تجمع بين مصادر البيانات الرسمية وتوفرها للباحثين في إطار آمن.
- دمج السوسيولوجيا الرقمية في المناهج الأكاديمية في جامعة السلطان قابوس والجامعات الأخرى.
- تطوير نماذج لغوية عمانية السياق لضمان دقة التحليلات المحلية.
- تعزيز الشمول الرقمي لضمان مشاركة جميع الفئات المجتمعية.
- تبني منهجية الذكاء الاجتماعي التشاركي التي تشرك المجتمع في تصميم الأدوات الذكية.
خاتمة
يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لتحويل صناعة السياسات الاجتماعية في سلطنة عمان من النمط الحدسي إلى النمط القائم على الأدلة التنبؤية. ومع التزام السلطنة بالإطار الأخلاقي والقيمي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة حكيمة لتحقيق الاستقرار المجتمعي والنهضة الثقافية في ظل رؤية 2040.
المراجع
- Global Media Insight. (2024). Oman Population Statistics 2024 [Infographics].
- Worldometer. (2025). Oman Population (2025).
- Macy, M., & Flache, A. (2023). Social dynamics from the bottom up. Oxford Handbook of Computational Sociology. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780199215362.0111
- ResearchGate. (2016). The Effect of Internet Usage on Relations between Members of the Omani Family in the “hofar Region.
- ResearchGate. (2022). Outsourcing, national diversity and transience: the reality of social Identity in an ELT context in Omani higher education.
- SQU. (2025). برنامج دعم كرسي اليونسكو للذكاء الاصطناعي. أخبار جامعة السلطان قابوس.
- المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. (2025). البيانات الديموغرافية لسلطنة عُمان. https://www.ncsi.gov.om/ar
- وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. (2025). السياسة العامة للاستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي.
- قانون حماية البيانات الشخصية. (2022). المرسوم السلطاني رقم ٦ / ٢٠٢٢.
- البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي. (2024-2026). وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات.