youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



anwar bannar-Ar (1) (1)

 

الأعمى الذي أبصر الخيل… سيرة البصيرة وذاكرة المكان

02 Nov, 2026 |

صورةغلافالرواية

 

 

قرأ الرواية الدكتور علي بن سعيد الريامي - أستاذ مشارك بقسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية 

 

أهداني غسان عيسى نسخة من باكورة أعماله الروائية، "الأعمى الذي أبصر الخيل: سيرة روائية"، كان ذلك في الثامن عشر من فبراير 2026م، قبل الموعد المرتقب لمعرض مسقط الدولي للكتاب، الذي تأجّل إلى أجل غير مسمّى. جاء ذلك في زمن أثقلت فيه الحروب والاضطرابات كاهل العالم، وعمّقت الشعور بمأزقه الأخلاقي؛ إذ أخذت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان تتهاوى أمام ما أعقب أحداث السابع من أكتوبر من إبادة جماعية في غزة، يندى لها جبين الإنسانية. وبين ادّعاءات السعي إلى السلام وممارسات إشعال الحروب، بدا التناقض فادحًا بين الخطاب السياسي وحقيقة ما يجري على الأرض، فالذي يتشدق بأحقيته بجائزة نوبل للسلام ويحلم بها، هو نفسه من يشعل الحروب وينشر الفوضى بنرجسيته وأكاذيبه.
في هذا المناخ المضطرب، بقيت الرواية على منضدة مكتبي زمنًا، تقع عليها عيناي كل ليلة تقريبًا، قبل أن آوي إلى الفراش بعد منتصف الليل. كنت أؤجّل قراءتها إلى وقت أكون فيه أكثر صفاءً وأقل انشغالًا، غير أن المشاغل لم تكن تنتهي، وأعترف بأن ترتيب الأولويات حرمني طويلًا متعة قراءة هذا العمل؛ فمن عنوانه اللافت، إلى توطئته التي تقول: "أحداث هذه الرواية من وحي الواقع…"، وصولًا إلى كلمات الشكر والتقدير: «شكرًا للصديق العزيز والرفيق المخلص خميس، الذي سمح لي أن أتطفل على تفاصيل حياته وأستبيحها، لتُثار بداخلي أنانية الكتابة…»، كان صوتٌ خفيّ يدعوني إلى الاقتراب من حياة إنسان، والإصغاء إلى ما تختزنه نفسه من ألم وأمل.
تقدّم الرواية سيرة غيرية في قالب سردي، محورها خميس، الطفل الذي فقد بصره، وظلّ يبصر الخيل في أحلامه، غير أن حكايته تتّسع لتغدو سيرة أسرة توالت عليها المحن، وفي قلبها أمّ واجهت فقد ابنتها البكر بدرية، ثم ابنها خالد، قبل أن تُبتلى بفقد خميس بصره، ثم إصابة والده بالعمى أيضًا. إنها سيرة أسرة عانت كثيرًا، وتحملت كثيرًا، واستعانت بالصبر على ما جرت به الأقدار.
في ثنايا هذه السيرة، يستعيد غسان عيسى تفاصيل من حياة القرية العُمانية خلال سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، متخذًا من قرية ميبام بوادي طيوي فضاءً لحكايته، يحضر المكان بأسمائه وملامحه: عين مردمة، وفلج جرولة، والأغنام التي "تغدو خماصًا وتروح بطانًا"، والنساء بثيابهن الملوّنة والمزركشة، والصندل بوصفه من أدوات التجمّل آنذاك، والسمك المجفف "القاشع" على شواطئ طيوي، والأطفال وألعابهم الشعبية. وتحضر الأم العُمانية التي تستيقظ بعد الفجر لتعدّ الإفطار، وفي مقدمته الخبز العُماني الطازج المدهون بالسمن.
تمنح هذه التفاصيل المكان حياةً وحضورًا، وتكشف جوانب من إيقاع العيش اليومي وعلاقات الناس بما يحيط بهم، ومن خلالها يستعيد القارئ عالمًا تتداخل فيه مشقّة الحياة مع الألفة، وتتشابك فيه ذاكرة الإنسان مع ذاكرة القرية، وشيء من شقاوة الطفولة.
تستحضر الرواية كذلك جملة من المعتقدات الشعبية والتفسيرات المتداولة للمرض والمصائب، ومنها ما يرتبط بالمسّ والجنّ والقوى الغيبية، وفي ظل تلك التصورات، كان الناس يلتمسون الخلاص والعلاج لدى "الباصر" أو "المعلّم"، ويلجؤون إلى جلسات الزار، والوسم -أي الكيّ بالنار-، والتداوي بالنباتات، ومنها عصارة الريحان، وتكشف هذه الممارسات عن محاولات الإنسان فهم ما يصيبه ومواجهة عجزه، مستعينًا بما تتيحه له بيئته من معرفة ومعتقدات وتجارب.
في خضم هذه المعاناة، يتوغّل غسان عيسى ليختبر من خلال ذاكرة الطفل خميس ما تمر به النفس البشرية من مشاعر في لحظات المصاب والابتلاء، متتبّعًا ما يعتريها من حيرة وخوف ورجاء؛ فخميس، الذي فقد بصره في سنّ مبكرة، يجد نفسه أمام أسئلة وجودية ثقيلة: لماذا هو؟ وما الذنب الذي اقترفه ليستحق هذا المصير؟ وكيف يستطيع أن يستوعب معنى الابتلاء؟ ولماذا تلاحقه الخيول في المنام؟ إنها أسئلة تنبع من الألم، وتكشف صعوبة التوفيق بين قسوة التجربة والرغبة في فهمها، وبين الإيمان وما قد يعتري صاحبه من شكّ وحيرة.
لم يفقد خميس الأمل في الحياة، ولم يستسلم للعوائق التي اعترضت طريقه؛ فقد واصل تعليمه، وتخرّج من معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين، محقّقًا نتيجة أهّلته للالتحاق بجامعة السلطان قابوس. وهكذا، لم يحُل فقد البصر دون السعي إلى تحقيق أحلامه، وإن ظلّت التجربة بما فيها من أسئلة وآلام جزءًا من تكوينه ووعيه بذاته وبالعالم.
لم يبلغ خميس هذا التصالح مع قدره دفعة واحدة؛ فقد سبقته رحلة طويلة من البحث عن العلاج، قادته إلى مستشفى النهضة، وإلى المملكة الأردنية، وصولًا إلى شيراز بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، فضلًا عن تجارب العلاج الشعبي، من النذور والتشوّف إلى جلسة الزار. وبين رجاء الشفاء وخيبات الانتظار، أخذت علاقته بالحياة والإيمان تتشكّل على نحو أعمق، حتى عبّر غسان عيسى عن ذلك على لسان خميس بقوله: "حاجتي إلى الله تتجاوز حاجتي إلى البصر، أجد في الله النور المخفي وأشعر بروحه تحيطني، ومتى ما انكسرت أجدها حاضرة تحفني بقدسيتها، وتضفي بداخلي أملًا ورجاء". تضيء هذه العبارة التحوّل الداخلي الذي تنتهي إليه التجربة؛ إذ وجد خميس أخيرًا في الإيمان سندًا يعينه على احتمال الألم ومواصلة الحياة، ومنحه الأمل والرجاء بعد طول بحث وانتظار، وأدرك أن في الابتلاء حكمة عقولنا قاصرة عن فهمها.
إنها رواية تأخذ القارئ إلى أعماق النفس البشرية، حيث تتجاور لحظات الضعف والقوة، واليأس والأمل، والشكّ والطمأنينة، وتستعيد، في الوقت نفسه، تفاصيل المكان وبساطة الحياة في القرى، قبل أن تتسارع تحوّلاتها وتتزايد تعقيدات العيش المعاصر. وبين سيرة خميس وذاكرة المكان في طيوي وقرية ميبام، تترك الرواية سؤالها مفتوحًا: كيف يمكن للإنسان أن يعيد اكتشاف الحياة حين يفقد إحدى نوافذه الأساسية عليها، وكيف يجد في داخله ما يعينه على البقاء؟

About the Author