- تقرير: شماء البلوشيّة، شهد الشعيلية، سالمة الفارسية.
شهد اليوم الأول من المؤتمر العلمي الدولي السادس "اللغة والأدب في ضوء الدراسات البينية"، انعقاد أربع جلسات علمية ناقشت عددًا من القضايا اللغوية والأدبية والنقدية، مستكشفةً آفاق التفاعل بين التخصصات المعرفية، وما يتيحه هذا التداخل من مقاربات جديدة لفهم اللغة والنصوص الأدبية وعلاقتها بالإنسان والمجتمع.
وافتتحت الجلسات بمحور "اللسانيات والدراسات البينية، والسيميائيات والدراسات البينية"، برئاسة الأستاذ الدكتور مصطفى بوعناني من جامعة السلطان قابوس، حيث تناولت الأوراق البحثية العلاقة بين اللغة ومجالات معرفية متعددة. وناقش الأستاذ الدكتور عبد الكريم حسين رعدان، من جامعة المهرة باليمن، الاقتصاد اللغوي في الخطاب القيادي وأثره في إنجاز المسؤوليات، مستعرضًا دور الإيجاز في توجيه القرارات والسلوك الإداري والحد من احتمالات التأويل. كما بحث الأستاذ الدكتور هادي سعدون هنون العارضي، من جامعة الكوفة بالعراق، ملامح التصوير الإدراكي في فكر عبد القاهر الجرجاني، من خلال قراءة معرفية مقارنة تربط التراث البلاغي العربي بمفاهيم البلاغة العرفانية الحديثة.
وتطرقت الجلسة كذلك إلى العلاقة بين اللغة والتجربة النفسية من خلال بحث تناول البنية التصورية لدى مرضى الاكتئاب، مستكشفًا دور الاستعارات اللغوية في التعبير عن التجربة الذاتية وإدراك العالم. كما ناقش الدكتور محمد نور الدين بن محمد عيد المنجد، من جامعة السلطان قابوس، سيمياء الصورة البصرية للكلمة القرآنية في الرسم العثماني، فيما تناولت ورقة الدكتورة منال بنت أحمد العمري، من جامعة الملك سعود، تجليات الغروتسك في الحكاية الشعبية السعودية ودلالاته الثقافية والنفسية. وأبرزت هذه البحوث تعدد وظائف اللغة والرموز، وقدرتها على الكشف عن أبعاد معرفية وثقافية تتجاوز حدود التعبير المباشر.
وانتقلت الجلسات إلى محور "النقد والمثاقفة والدراسات البينية"، برئاسة الأستاذ الدكتور عبد الغني بارة من جامعة السلطان قابوس، حيث ناقش المشاركون قضايا النص الأدبي وعلاقته بالوعي والهوية والسياقات الثقافية والسياسية. وقدّم الأستاذ الدكتور بسام قطوس، من جامعة اليرموك بالمملكة الأردنية الهاشمية، ورقة بعنوان "فلسفة السيمولاكر بين إبداع النصوص واستيهامها"، فيما تناولت الأستاذة الدكتورة نجود عطا الله الحوامدة، من جامعة جرش بالأردن، أنسنة الموجودات في ديوان "صهيل العشق" للشاعر أحمد المفدي، من خلال مقاربة بينية في ضوء فلسفة الإدراك.
كما بحث الأستاذ الدكتور يحيى بن بهون حاج امحمد، من جامعة غرداية بالجزائر، أدب الطفل وعلم الاجتماع في أعمال محمد صالح ناصر للطفل العربي، مسلطًا الضوء على دور أدب الطفل في غرس القيم وتعزيز الهوية وفهم الذات والمجتمع. وقدّمت الدكتورة ابتسام بن حفصية، من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة في تونس، قراءة تحليلية لمسألة الوعد في المدونة الصهيونية الحديثة، تناولت فيها توظيف الأسطورة والدين في المشروع الاستيطاني وعلاقته بالأبعاد التاريخية والسياسية. وأكدت مناقشات الجلسة أهمية القراءة النقدية للنصوص في الكشف عن آليات إنتاج المعنى وتأثير الخطاب الأدبي والسياسي في تشكيل الوعي الجمعي.
وفي محور "اللسانيات التطبيقية والدراسات البينية"، برئاسة الدكتور يعقوب بن سالم آل ثاني، من جامعة نزوى، تناولت الجلسة الثالثة سبل الإفادة من التكامل بين اللسانيات وعلوم الحاسوب وعلم النفس والتعليم في تطوير البحث اللغوي وتطبيقاته. وقدّم الأستاذ الدكتور صالح أبو الحسن مكي، من جامعة نزوى، بحثًا حول الكلمة العربية بين التحليل البنيوي اللساني والنمذجة الحاسوبية، مستعرضًا إمكانات تمثيل مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية في نماذج قابلة للمعالجة الآلية، ومؤكدًا أهمية التعاون بين المتخصصين في اللسانيات وعلوم الحاسوب لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية.
كما ناقشت الجلسة بحثًا حول اللهجة العُمانية الحضرية في محافظة الداخلية، قدّمه الدكتور عامر بن أزاد الكثيري، تناول خصائصها البنيوية ومدى قربها من العربية الفصحى وإمكانات توظيفها في تعليم العربية للناطقين بغيرها. وأظهرت نتائج الدراسة احتفاظ اللهجة بخصائص صوتية وصرفية تتوافق مع بعض سمات الفصحى التراثية، فيما أشار 89% من المشاركين في الاستبانة إلى قربها من الفصحى، بما يفتح المجال أمام الإفادة منها مدخلًا مساعدًا في تعليم اللغة العربية، وفق أهداف التعليم واحتياجات الدارسين.
وفي السياق ذاته، قدّمت الدكتورة فاطمة بنت ناصر المخيني، من جامعة الشرقية، ورقة بعنوان "تعليمية اللغة العربية من منظور المقاربة اللسانية البينية: من التكامل المعرفي إلى الإجراء التعليمي"، اقترحت فيها إطارًا إجرائيًا لتحويل المعرفة اللسانية إلى ممارسات صفية أكثر فاعلية، تبدأ بتشخيص احتياجات المتعلمين وتصميم الأنشطة التواصلية، وتنتهي بالتقويم والتغذية الراجعة. كما تناولت مداخلة الدكتور محمود فتح الله الصغير، ممثل مجمع اللغة العربية الليبي، العلاقة بين إنتاج اللغة والعمليات العصبية والكيميائية في الدماغ، مؤكدة أهمية التكامل بين اللسانيات والعلوم العصبية في توسيع آفاق البحث اللغوي المعاصر.
واختُتمت الجلسات العلمية الأربع بمحور "النقد والمثاقفة والدراسات البينية"، برئاسة الدكتور عيسى بن سعيد الحوقاني من جامعة الشرقية، حيث تركزت المناقشات على تحولات النقد الأدبي، وتمثيلات الآخر، وبناء العوالم السردية، وعلاقة الأدب بالواقع الاجتماعي والسياسي. وناقش الأستاذ الدكتور نضال محمد فتحي الشمالي، من جامعة البلقاء التطبيقية بالأردن، الإبيستمولوجيا الرقمية وسلطة الذكاء الاصطناعي بين هرمنيوطيقا النقد الأدبي ومحاكاته، مبرزًا أهمية النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساندة للناقد، لا بديلًا عنه، في مقاربة تقوم على التعاون بين العقل البشري والأداة الذكية، فيما يُعرف بالنقد الهجين.
وتناولت ورقة الدكتور فيصل كنانة، من جامعة كاين نورماندي بفرنسا، المعرفة الحيوانية بين الأدب والترجمة، من خلال قراءة بينية في الليلة العاشرة من كتاب الإمتاع والمؤانسة. كما بحثت الدكتورة مي بنت عبد العزيز الوثلان، من جامعة الملك سعود، "تمثيل الثقيل: الآخر المزعج في المتخيل الأدبي القديم"، فيما تناولت الباحثة غنية بنت علي الشبيبي، بالتعاون مع الدكتور محمد حسانين من جامعة السلطان قابوس، العوالم الذهنية للشخصيات في روايتي "عام 3000" و"الفطر"، في ضوء نظرية العوالم الممكنة عند ماري لور رايان. واختُتمت الأوراق ببحث الأستاذ محمد بن خلفان الهنائي، بالتعاون مع الدكتور محروس القللي من جامعة السلطان قابوس، حول الهامش والربيع العربي في المسرح العُماني من منظور بنيوي تكويني.
وأبرزت مناقشات الجلسة أهمية توظيف النظريات المعاصرة في تحليل السرد، وفهم وعي الشخصيات وأفعالها، إلى جانب دور الأدب المسرحي في تمثيل الأزمات الاجتماعية والسياسية والتعبير عن تطلعات الفئات المهمشة إلى الحرية والعدالة. كما أكدت أن انتقال المعرفة الأدبية القديمة إلى الحاضر ارتبط بمسارات من الترجمة والنسخ والتحقيق، بما يفتح المجال أمام إعادة قراءتها في ضوء أسئلة البحث المعاصر.
وعكست الجلسات الأربع، بتعدد موضوعاتها ومقارباتها، اتساع مجال الدراسات البينية بوصفها مدخلًا لتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات، وربط البحث اللغوي والأدبي بقضايا المعرفة والإدراك والتقنية والمجتمع. كما أتاح تنوع المشاركات العلمية والحوار مع الحضور مساحة لتبادل الرؤى ومناقشة إمكانات تطوير المناهج البحثية، بما يعزز حضور اللغة والأدب في الحوار المعرفي المعاصر.
قضايا اللغة والتراث والخطاب الرقمي
وشهد اليوم الثاني من المؤتمر، انعقاد جلستين علميتين تناولتا عددًا من القضايا اللغوية والبلاغية والتداولية والنقدية، تبحث آفاق التكامل بين التخصصات المعرفية، ودور المقاربات الحديثة في تحليل النصوص التراثية والخطاب الرقمي، وفهم العلاقة بين اللغة والسياق والوعي الإنساني.
ترأس الجلسة السادسة "النحو والصرف والبلاغة والدراسات البينية" الأستاذ الدكتور إحسان بن صادق اللواتي، من جامعة السلطان قابوس. وفيها قدّم الأستاذ الدكتور سيف الدين الفقراء، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الشارقة، بحثًا بعنوان "القوة الإنجازية في صيغ المبالغة: مقاربة تداولية في سورة ص" تناول فيه الوظائف التواصلية والحجاجية لصيغ المبالغة في النص القرآني، مبرزًا دور السياق في توجيه دلالاتها، وما تؤديه من وظائف تشمل الإخبار والإنذار والتهديد والوعد والتبشير والتوجيه غير المباشر.
كما تناول الأستاذ الدكتور صلاح حاوي، من كلية الآداب بجامعة البصرة في جمهورية العراق، في بحثه "البلاغة البديلة والمجتمعات الافتراضية"، تقاطع البلاغة مع علم الاجتماع، ودور الفضاء الرقمي في تمكين المجتمعات المهمشة من التعبير عن قضاياها واستعادة حضورها عبر منصات التواصل الاجتماعي. واستعرض البحث نماذج من هذه المجتمعات، إلى جانب تحليل أساليب التلاعب الخطابي وتوظيف الحنين إلى الماضي عن أثر الخطاب الرقمي في تشكيل الوعي والتأثير في المتلقي، للكشف عن أثر الخطاب الرقمي في تشكيل الوعي والتأثير في المتلقين.
وفي سياق توظيف التقنيات الحديثة في البحث اللغوي قدّم الدكتور فايز صبحي عبد السلام تركي، من قسم اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس، دراسةً بحثت قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل المشتقات الصرفية في النصوص التراثية ومقارنة نتائجه بالتحليل البشري.
وتطرقت الجلسة كذلك إلى التعريف والتنكير في المتشابه اللفظي في سورة البقرة، من خلال بحث قدمه الدكتور رفاعي مطلق الصليلي، الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية في كلية القانون الكويتية العالمية بدولة الكويت. وركز البحث على الكشف عن دلالات اختلاف التعريف والتنكير في الآيات المتشابهة لفظيًا، في ضوء تفسير «البحر المحيط»، مبرزًا أثر السياق ومقاصد الخطاب في توجيه المعنى وإثراء الدلالات البلاغية للنص القرآني.
واختُتمت أوراق الجلسة ببحث "الأساليب البلاغية في آيات النصائح الأسرية وآثارها التربوية" الذي قدمه ثلاثة أكاديميين من جامعتي الأمير سونغكلا في تايلند والسلطان أزلن شاه في ماليزيا، هم الدكتور رشدي طاهر والدكتور محمد منصور مدراء، الأستاذان المساعدان بكلية العلوم الإسلامية في جامعة الأمير سونغكلا، والدكتور عبد الغفار سامي، الأستاذ المساعد بجامعة السلطان أزلن شاه. وتناول البحث الأساليب البلاغية في الآيات القرآنية المتصلة بالنصح الأسري، وما تتضمنه من دلالات تربوية تسهم في توجيه السلوك وتعزيز القيم الأسرية.
وانتقلت الجلسات إلى الجلسة السابعة، ضمن محور "التداوليات والدراسات البينية"، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد بن سالم المعشني، حيث ناقشت الأوراق البحثية قضايا الخطاب الوظيفي في التراث العربي القديم، والتعدد اللغوي والهوية الثقافية، والخطاب الرقمي، وعلاقة السياق بالقصد، إلى جانب الحجاج اللغوي ودور الكلمة في بناء الوعي الإنساني.
واستهلت الجلسة ببحث "تداولية الخطاب الوظيفي في التراث العربي القديم: كتاب طبقات الفقهاء للشيرازي أنموذجًا"، الذي قدمه الدكتور عادل بن علي الغامدي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية. وتناول البحث الخطاب الوظيفي في التراث العربي من منظور تداولي.
كما تناولت الدكتورة عزيزة بنت محمد الطائي، السرد الروائي في "المحيط الإنجليزي" لفريد رمضان، من خلال دراسة بينية في التاريخ الاستعماري وإشكالات الهوية الثقافية. وناقش الدكتور صالح بن سليمان الكلباني، من جامعة الشرقية، الخطاب الرقمي بوصفه مختبرًا تفاعليًا، مستعرضًا الكتابة الذكية والعنف الرمزي في منصة «X» من منظور تداولي نقدي.
وفي سياق دراسة السياق ومقاصد الخطاب، قدمت الدكتورة نورة بنت سالم بن عبدالله الخليلي، من المعهد العالي للقضاء بسلطنة عُمان، بحثًا حول علاقة السياق بالقصد عند الأصوليين في ضوء المقاربات اللسانية الحديثة. كما تناول الدكتور عبد المنعم أحمد حالو، الباحث الرئيس من جامعة السلطان قابوس، بمشاركة الباحث المساعد الدكتور محمود سليمان الريامي من الجامعة نفسها، الحجاج اللغوي في شعر أبي تسلم الكندي، مستكشفًا آليات بناء الحجاج في النص الشعري.
وتطرقت الجلسة إلى دور اللغة في تشكيل الوعي الإنساني، من خلال بحث قدمته الأستاذة سمية بنت سليمان السليماني، خبيرة اللغة العربية في مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغة العربية بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعنوان "دور الكلمة في بناء الوعي الإنساني: مقاربة تداولية تحليلية لعينة من نصوص المطالعة في كتاب المؤنس للصف الحادي عشر بسلطنة عُمان". وتناول البحث دور الكلمة في بناء الوعي من خلال تحليل نصوص المطالعة، في ضوء المقاربة التداولية.
واختُتمت الأوراق البحثية ببحث "مقاربة تداولية غرائبية في ضوء مبدئي الكم والكيف: قانون العقوبات الجنائية القطري أنموذجًا"، الذي قدمته الأستاذة هدى عماد العطية، الباحثة في مرحلة الدكتوراه من سلطنة عُمان، متناولةً الخطاب القانوني من منظور تداولي يستند إلى مبدئي الكم والكيف.
وشهدت الجلستان مناقشات ومداخلات عقب عرض الأوراق العلمية، أتاحت تبادل الرؤى حول القضايا المطروحة ومناهج دراستها، وأبرزت أهمية المقاربات البينية في توسيع آفاق البحث اللغوي، وربط التحليل الصرفي والبلاغي والتداولي بقضايا التقنية والثقافة والمجتمع، بما يسهم في تطوير أدوات قراءة النصوص التراثية والمعاصرة وفهم وظائف الخطاب في سياقاته المختلفة.