- د. علي بن سعيد البلوشيّ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعيّة
لقد شهد القرن الحادي والعشرون ضغوطا متزايدة على المناطق الساحلية والدول الجزرية، وأصبح من العوامل الأكثر تأثيرا في إعادة تشكيل الجغرافيا الساحليّة. ويأتي ذلك نتيجةً للقوى والخصائص المرتبطة بارتفاع مستوى البحر الناجم عن التمدد الحراري لمياه البحار والمحيطات، وذوبان الجليد في المناطق المتجمدة، وعلى القمم الجبليّة المرتفعة فوق خط الثلج الدائم، إضافةً إلى الأحداث المناخيّة المتطرفة، والتعمّق الرأسي والتوسع الأفقي لمجاري الأنهار والأودية، ولا سيما عند مصباتها الساحليّة، وتغيّر الإمداد الرسوبي، وتراجع الغطاء النباتي، خاصةً في المناطق الساحليّة المنخفضة. وقد أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى تشكّل منظومة متشابكة من التحولات الجيومورفولوجية والهيدرولوجية والبيئية في المناطق الساحلية والجزرية. وقد أسهمت العمليات والقوى الناجمة عن التغير المناخي في تسريع تغيّر أشكال السواحل، وامتدت آثارها لتشمل تدهور البنى الأساسية والخدمات، وتراجع الأمن المائي والغذائي، وتهديد الاستقرار السكاني، والإضرار بالبنية الأساسية والاقتصاد والتراث والهوية، فضلًا عن التأثير في المجال السياسي للدول الجزرية والساحليّة.
في ظلّ تصاعد آثار التغير المناخي، فالمشكلة الحقيقية ليست في ارتفاع مستوى سطح البحر فحسب، وإنما العلاقة بين هذا الارتفاع وتكدّس لمعظم سكان العالم في المناطق الساحليّة، وما يصاحب هذه العلاقة من تغيّر متسارع في المقاومة، والتكيّف والتخفيف من القضايا البيئية والاقتصادية والاجتماعية الممتدة مكانيا وزمانيا.
وقد أصبح التغير المناخي، في ظلّ تأخر عمليات الاستعداد والاستجابة، قادرا على تغيير العديد من ملامح الأراضي الساحليّة والجزرية، نظرا إلى ارتفاع حساسيتها بفعل انخفاض تضاريسها وتركّز السكان والأنشطة الاقتصادية فيها، مما يجعلها عرضة لفقدان الأراضي، وتغيّر خطوط السواحل، وتدهور الموارد الطبيعية والبنية الأساسية. ويمكن تلخيص أهم الآثار المترتبة على ذلك فيما يأتي:
1- إعادة رسم ملامح الخريطة الساحليّة للعالم: من خلال تغيّر ملامح السواحل بين التآكل والتراجع من جهة، والترسيب والتقدم من جهة أخرى، إلى درجة قد تؤدي إلى تغيّر الحدود الساحلية بين الدول.
2- اختفاء الجزر أو غمرها بالمياه أو تغيّر أشكالها.
3- تغيّر مساحة الأراضي الرطبة بالتقليص والاتساع.
4- تقلّص الأراضي الصالحة للسكن والزراعة وإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصاديّة.
يبرز ارتفاع مستوى سطح البحر، الناتج عن ذوبان الجليد القاري في غرينلاند وأنتاركتيكا والأنهار الجليديّة الجبليّة، بوصفه أحد أبرز العوامل المباشرة لتلك التحولات. كما تشير الدراسات إلى أن التمدد الحراري لمياه المحيطات نتيجة الاحترار العالمي، أسهم إسهاما كبيرا في الارتفاع العالمي لمستوى سطح البحر، الذي بلغ نحو 11 سم خلال الفترة الممتدة من عام 1993 إلى سبتمبر 2026. وقد أصبحت آثار ارتفاع مستوى سطح البحر واضحة من الناحية الجيومورفولوجية في العديد من المناطق الساحليّة حول العالم، وتجلّت في اختلال الميزانيّة الرسوبيّة الساحليّة، وتراجع الجروف والشواطئ، وإعادة تشكيل الحواجز والألسنة الرملية والأخوار ومصبّات الأنهار والأودية. من ناحية أخرى، فإن الأحداث المناخية المتطرفة، مثل الفيضانات والسيول الشديدة إلى نقل كميات كبيرة من المياه والرواسب نحو مصبات الأنهار والأودية والأراضي الساحلية المنخفضة، في حين تسهم حالات الجفاف الشديد في انخفاض التصريف النهري وتراجع الإمداد بالمياه العذبة. ولا شكّ أن التغيرات التي تطرأ على طبيعة الأراضي الساحلية والجزرية يمكن أن تسهم في تسريع تفاقم الآثار السلبيّة. وزيادة احتمالات الغمر المركب للأراضي المنخفضة، وتغيير الخصائص المورفولوجية للسواحل، وتسارع النحت الساحليّ، وتراجع الشواطئ ولا سيما عندما تتزامن الأمطار الغزيرة مع العواصف البحريّة وارتفاع مستوى البحر.
إن التغيّر المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر ينذر بإحداث تغيرات حرارية وهيدرولوجية تؤدي إلى تسارع وتدهور بعض النظم النباتيّة الساحليّة، مثل غابات المانغروف، والمستنقعات الملحية، ونباتات الكثبان الرمليّة، الأمر الذي يجعل الحواجز الرملية الساحليّة ذات حساسيّة عالية، وقابلية ضعيفة في تثبيت الرواسب، وتنخفض قدرتها في على تخفيف طاقة الأمواج والتيارات البّحرية، وتصبح تلك التهديدات أكثر استشراء مع ارتفاع مستوى البحر وارتفاع معدل الجفاف؛ مما يؤدي إلى بروز مشاكل بيئيّة ناشئة، مثل تملح التربة، وتدهور الخزانات الجوفيّة، وتراجع الأراضي الزراعية والموارد المائية، لا سيما في الجزر الصغيرة.
أما التأثيرات البشرية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الساحلية والجزرية، فتشمل تداعيات قد تهدد تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، وتستدعي إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الدائري نحو المدن والمجتمعات البشريّة الساحليّة. ومن المحتمل جدا أن تتجاوز التغييرات التي سيحدثها التغيّر المناخي الأبعاد الطبيعيّة، لتشمل تهديد المدن الساحليّة والموانئ والمطارات والمنشآت السياحية، وتراجع الإنتاج الزراعيّ والسمكيّ، وارتفاع تكاليف الحماية والتكيف، وزيادة احتمالات النزوح وإعادة التوطين، ولا سيما في الدول الجزرية المعرّضة للغمر.
وفي الختام؛ لن تقتصر آثار التغير المناخي على تعديل الخصائص الشكليّة للسواحل والجزر، بل سيمتد تأثيره ليشمل الجوانب الجيومورفولوجية والبيئية والبشرية. وقد يسهم في إعادة رسم بعض ملامح الخريطة الجغرافيّة للعالم. ويستدعي ذلك تعزيز الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، وتطوير نظم الإنذار المبكر، واستعادة النظم البيئيّة، وتبنّي التخطيط المكاني القائم على تقييم المخاطر المناخية المستقبليّة. ومن ناحية أخرى، تتطلب حماية المناطق الساحليّة الانتقال من الاستجابة للأخطار بعد وقوعها إلى التكيف الاستباقي، وتطبيق الحلول القائمة على الطبيعة، واعتماد التخطيط المكاني طويل الأجل، وحماية النظم البيئيّة، وتحديد المناطق التي تستدعي الحماية أو التكيّف أو التراجع المنظّم.
تابع ملف نشرة أقرأ عن خريطة العالم على الرابط الآتي:
https://anwaar.squ.edu.om/Portals/100/DNNGalleryPro/uploads/2026/10/28/Iqraa_78.pdf