youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



Banner-02639152067601731256

 

الفنانة العُمانية: من هامش التصنيف إلى قلب الخطاب التشكيلي

17 Oct, 2026 |

IMG-20261010-WA0146

  • بقلم: الأستاذة الدكتورة فخرية بنت خلفان اليحيائي
  • أكاديمية وناقدة وفنانة تشكيلية

كيف يمكن أن نكتب تاريخ الفن العُماني، إذا لم نقرأ الفنانة العُمانية بوصفها شريكةً في صناعة لغته، وذاكرته، وتحولاته، ومستقبله؟
في يوم المرأة العُمانية، ربما لم تعد الأسئلة المناسبة عن دور الفنانة التشكيلية هي: عمّا حققته الفنانة العُمانية؟ ولا كم معرضًا شاركت فيه، أو كم جائزة حصلت عليها، أو إلى أي مدى استطاعت أن تثبت حضورها في المشهد التشكيلي. فهذه أسئلة تنتمي، إلى حد كبير، إلى مرحلة تجاوزها الواقع الفني العُماني.
والسؤال الأكثر أهمية اليوم هو: هل ما كُتب عن مكانة الفنانة العُمانية في تاريخ الحركة التشكيلية يتناسب مع حجم إسهامها الحقيقي فيها؟
ثمة فارق كبير بين أن تكون المرأة حاضرة في المشهد الفني، وبين أن يكون حضورها جزءًا من السردية التي نكتب بها تاريخ هذا المشهد، وبين المشاركة في المعارض والتأثير في تحولات الممارسة الفنية، وبين أن نحتفي بالفنانة في مناسبة وأن نعترف بها بوصفها فاعلًا ثقافيًا أسهم في تشكيل الوعي البصري للمجتمع.
ومن هنا، فإن الحديث عن الفنانة العُمانية اليوم يحتاج إلى أن يتجاوز لغة الاحتفاء إلى لغة النقد وإعادة القراءة. والمطّلع على تاريخ الفن العُماني يجد أن الفنانة العُمانية لم تدخل إلى الحركة التشكيلية بعد أن اكتملت ملامحها، ولم تكن إضافة متأخرة إلى مشهد صنعه الآخرون؛ بل كانت جزءًا من مسار تشكُّلها وتحولاتها. ومع تطور الحركة الفنية الحديثة في عُمان، ظهرت أجيال من الفنانات الممارسات في مختلف مجالات الفنون التشكيلية؛ في الرسم والتصوير والنحت والطباعة والفوتوغرافيا وغيرها، ثم امتدت تجارب الأجيال اللاحقة إلى التركيب والفيديو والأداء والممارسات المفاهيمية والوسائط الرقمية. وبذلك لم يكن إسهام الفنانة مقتصرًا على زيادة عدد الممارسين، وإنما شاركت في توسيع مفهوم الممارسة الفنية ذاتها.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند إشكالية في كتابة تاريخ الفن: فكثيرًا ما يُنظر إلى الفنانات من خلال تصنيف منفصل هو «الفن النسائي» أو «إبداع المرأة»، بينما تُقرأ تجارب الفنانين الرجال باعتبارها جزءًا طبيعيًا من تاريخ الفن العام. هذا الفصل، حتى عندما يأتي في سياق الاحتفاء، قد يتحول من دون قصد إلى شكل آخر من أشكال التهميش. فالفنانة العُمانية ليست فصلًا جانبيًا في تاريخ الفن العُماني؛ إنها إحدى اللواتي كتبن هذا التاريخ بصريًا.
وفي هذا السياق، يجب أن نشير إلى أحد التحولات المهمة التي صنعتها الفنانة؛ إذ لا تتعلق ممارساتها فقط بالموضوعات التي تناولتها، بل بموقعها داخل عملية إنتاج الصورة. فالمرأة لم تعد مجرد موضوع داخل اللوحة؛ جسدًا، أو أمًا، أو امرأة بالزي التقليدي، أو رمزًا للتراث والهوية، بل أصبحت هي من تقف في الجهة الأخرى من الصورة: ترى، وتختار، وتفسر، وتعيد بناء العالم بصريًا.
عندما تنتج الفنانة صورتها عن البيت أو الجسد أو الذاكرة أو المكان أو الأسرة أو المجتمع، فإنها لا تقدم بالضرورة «فنًا نسائيًا»، وإنما تقدم زاوية أخرى لفهم التجربة الإنسانية. وهو تحوّل معرفي قبل أن يكون تحولًا بصريًا؛ ولذلك فإن اختزال تجربة الفنانة في قضايا المرأة وحدها يضيّق مساحة قراءتها. فمن حق الفنانة أن تتناول الجسد والهوية وقضايا النساء، كما أن من حقها أن تعمل على البيئة، والمدينة، والذاكرة، والفلسفة، والتكنولوجيا، والمادة، والتجريد، والمكان، والسياسة الثقافية، أو أي سؤال آخر.
وقد كان التراث، ولا يزال، أحد الحقول المهمة في التجربة التشكيلية العُمانية. وقد حضرت مفرداته بقوة في أعمال كثير من الفنانات: الأزياء والحلي، والأبواب والنوافذ، والعمارة، والمنسوجات، والزخارف، والقرى، والأفلاج، والنخيل، والصحراء والبحر.
وعند قراءتنا للمشهد الثقافي، يجب أن نضع في الحسبان أن جنس الفنان لا ينبغي أن يتحول إلى إطار نقدي جاهز لتفسير كل ما ينتجه. لذا فإن القيمة الفنية لهذه الممارسات لا تكمن في مجرد استعادة المفردة التراثية. فالفرق كبير بين تمثيل التراث والتفكير من خلال التراث. والتحدي الذي تواجهه الممارسة المعاصرة اليوم هو تجاوز الاستخدام الزخرفي للرموز المحلية نحو مساءلة ما تحمله هذه المفردات من ذاكرة وتحولات وتناقضات.
والأسئلة التي يجب أن نتعامل معها اليوم يجب أن تكون أكثر عمقًا. ومن هذه الأسئلة، على سبيل المثال: ماذا تقول المادة التقليدية عندما تنتقل إلى تركيب فني معاصر؟ وكيف يمكن للفنانة أن تستدعي الذاكرة دون أن تحول التراث إلى صورة ثابتة للماضي؟ هنا تنتقل الهوية من كونها شكلًا نراه إلى كونها سؤالًا نفكر فيه.
وهذا التحول يمثل أحد الرهانات المهمة أمام الجيل الجديد من الفنانات العُمانيات؛ لذا فإن الحضور الكمي لا يكفي. فرغم أن حضور المرأة في المعارض والفعاليات الفنية أصبح واضحًا، فإن كثافة المشاركة لا ينبغي أن تجعلنا نتوقف عن طرح الأسئلة الأصعب. هل يقابل هذا الحضور تمثيل مماثل في المجموعات الفنية الكبرى؟ وهل توجد أرشيفات منظمة تحفظ مسارات الفنانات الرائدات؟ وكم دراسة نقدية مستقلة تناولت تجربة فنانة عُمانية عبر مراحلها المختلفة؟ وكم كتابًا أو مونوغرافًا فنيًا صدر حول تجربة فنانة عُمانية؟ ما حجم حضور أعمال الفنانات في الدراسات الأكاديمية التي تكتب تاريخ الفن الحديث والمعاصر في عُمان؟ وأين تقف الفنانة في مواقع صناعة القرار الثقافي، والقيّمة الفنية، وإدارة المؤسسات، وصياغة السياسات والمعارض الكبرى؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية اليوم من السؤال عن عدد المشاركات. فالمشهد الفني لا يصنعه من يعرض فقط؛ يصنعه أيضًا من يكتب تاريخه، ويقتني أعماله، ويؤرشفها، ويفسرها، ويقرر ما الذي سيبقى منها في الذاكرة الثقافية.
وبالتالي، فإن من أكثر القضايا إلحاحًا في الحركة التشكيلية العُمانية عمومًا، وفي تجربة الفنانات خصوصًا، مسألة التوثيق والأرشفة والكتابة النقدية. لقد أنتجت الفنانات خلال عقود رصيدًا بصريًا لا يمثل تاريخًا للفن فحسب، بل يمثل وثائق ثقافية لتحولات المجتمع العُماني.
في هذه الأعمال يمكن أن نقرأ تغير الفضاء الذي تنتمي إليه، وتحولات العلاقة بالتراث، وتبدل صورة المرأة عن ذاتها، وتغير المواد والوسائط، وانتقال الفن من اللوحة إلى الفضاء، ومن الصورة إلى المفهوم، ومن العمل بوصفه منتجًا إلى الممارسة بوصفها بحثًا.
لكن العمل الذي لا يدخل الأرشيف والدراسة والكتابة معرض لأن يبقى خارج التاريخ مهما كانت قيمته. فالذاكرة الفنية لا تتكون تلقائيًا؛ إنها تُبنى. ولهذا فإن توثيق تجارب الفنانات ليس تكريمًا لهن، وإنما جزء من بناء تاريخ بصري أكثر دقة لعُمان.
وثمة تحول آخر ينبغي الالتفات إليه؛ فقد اعتدنا النظر إلى المشاركة الخارجية للفنانة باعتبارها «تمثيلًا لعُمان». وهي قراءة مهمة، لكنها لم تعد كافية؛ فالفنانة المعاصرة لا ينبغي أن تحمل عبء تقديم صورة إثنوغرافية متوقعة عن بلدها لكي تكون «عُمانية». فالقيمة الأعمق أن تدخل الفنانة العُمانية الحوار الفني العالمي بأسئلتها لا برموزها فقط، وأن تكون محلية دون أن تكون فولكلورية، وعالمية دون أن تفقد موقعها الثقافي.
وهنا يصبح السؤال عن الهوية أكثر تعقيدًا؛ فالهوية ليست مجموعة من الرموز التي نضعها داخل العمل لإثبات انتمائه، وإنما الطريقة التي يرى بها الفنان العالم من موقعه الثقافي والتاريخي والإنساني. فقد يكون العمل عُمانيًا بعمق دون أن يحتوي بابًا قديمًا أو خنجرًا أو نخلة أو زخرفة واحدة.
ومن التحولات المهمة كذلك في هذه المرحلة أن الممارسة الفنية المعاصرة لم تعد منفصلة عن البحث؛ فهناك اليوم فنانات يعملن داخل المؤسسات الأكاديمية، ويجمعن بين التدريس والبحث والممارسة، وأخريات يبنين مشروعاتهن على الأرشيف أو العمل الميداني أو دراسة المكان والذاكرة والمجتمع. وهذا يستدعي إعادة النظر في الصورة التقليدية للفنانة بوصفها «منتجة لأعمال جميلة»؛ فالفنانة المعاصرة قد تكون باحثة، وناقدة، وموثقة، وقيّمة، ومربية، وصانعة للمعرفة البصرية.
وعندما نفهم الممارسة بهذه الصورة، فإن مكانة الفنانة لا تُقاس فقط بعدد لوحاتها، وإنما بقدرتها على إنتاج الأسئلة والمفاهيم والمعرفة، وبالأثر الذي تتركه في الفنانين والطلبة والمؤسسات والخطاب الثقافي.
وفي المرحلة القادمة، ربما لا تحتاج الفنانة العُمانية اليوم إلى مزيد من العبارات التي تؤكد قدرتها؛ فقد أثبتت تجربتها ذلك بالفعل. ما تحتاج إليه هو بنية ثقافية تحفظ هذه التجربة وتضعها في مكانها النقدي والتاريخي الصحيح.
كما نحتاج إلى أرشيف وطني للفنون البصرية يوثق أعمال الفنانات والفنانين، وإلى دراسات تاريخية تتجاوز السرد الوصفي، ومعارض استعادية تعيد قراءة التجارب المؤسسة، ومونوغرافيات تحفظ مسارات الفنانات، ومجموعات متحفية وطنية ذات سياسات اقتناء واضحة، وحضور أكبر للباحثين والنقاد والقيّمين القادرين على إنتاج معرفة حول الفن العُماني.
كما نحتاج إلى قراءة العلاقة بين الأجيال: ماذا ورث الجيل الجديد من الرائدات؟ وماذا رفض؟ وما الذي أعاد صياغته؟ فالحركة الفنية الناضجة لا تعيش على المعارض وحدها؛ بل على الذاكرة والنقد والتوثيق والبحث.
ربما يكون أجمل ما يمكن أن نقدمه للفنانة العُمانية في يومها ألّا نضعها مجددًا داخل إطار احتفائي مغلق، وألّا نكتفي بالقول إنها «حاضرة» أو «مبدعة» أو «أثبتت قدرتها». فهذه اللغة، رغم إيجابيتها، تحمل في داخلها سؤالًا قديمًا يفترض أن المرأة لا تزال مطالبة بإثبات استحقاقها للمكان.
والسؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: هل منحها تاريخ الفن الذي نكتبه المكانة التي صنعتها بالفعل؟ إن إعادة قراءة تجربة الفنانة العُمانية ليست مشروعًا خاصًا بالمرأة، بل مشروع لإعادة قراءة الحركة التشكيلية العُمانية نفسها؛ لأننا حين ندرس أعمال الفنانات لا نكتشف تاريخ المرأة في الفن فقط؛ نكتشف تاريخ المجتمع، وتحولات المكان، وتغير مفهوم الهوية، وتبدل علاقة الإنسان بذاكرته، وتطور اللغة البصرية من التمثيل إلى التجريب، ومن الشكل إلى المفهوم، ومن العمل الفني إلى الممارسة والبحث.
وفي يوم المرأة العُمانية، قد يكون الاعتراف الأهم هو أن الفنانة لم تكن تقف على هامش المشهد تنتظر أن يُسمح لها بالدخول إليه. لقد كانت، وما تزال، واحدة ممن يصنعون هذا المشهد. ولذلك يجب ألّا نعيد طرح السؤال التقليدي المعتاد المتمثل في: ما الذي قدمته الفنانة العُمانية للحركة التشكيلية؟ بل ينبغي أن نطرح سؤالًا أكثر صعوبة وصدقًا: كيف يمكن أن نكتب تاريخ الفن العُماني كتابةً كاملة، إذا لم نقرأ الفنانة العُمانية بوصفها شريكًا في صناعة لغته، وذاكرته، وتحولاته، ومستقبله؟

About the Author