youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



Banner-02639152067601731256

 

الثقافة كهُوِيّة نابضة في سلطنة عُمان

04 Oct, 2026 |

 

قراءة سوسيولوجية في ضوء علم الاجتماع الثقافي

 

  • الدكتور جهاد بن جميل حمد
  • أستاذ علم الاجتماع المشارك – جامعة السلطان قابوس

 

تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة سوسيولوجية نقدية لعلاقة الثقافة بالمجتمع في سلطنة عُمان، من خلال منظور "علم الاجتماع الثقافي" (Cultural Sociology) الذي يمنح الثقافة استقلالية نسبية وقدرة تفسيرية في فهم حركية المجتمعات.  تقوم هذه الورقة على فرضية مركزية مؤداها أن التراث العُماني لم يكن مجرد انعكاس للبنى الاجتماعية والاقتصادية، بل كان قوة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي والانتماء الوطني وإعادة إنتاج البنية الاجتماعية. وتُختتم بطرح إشكاليات نظرية وتطبيقية للباحثين السوسيولوجيين، مع التأكيد على أهمية تجاوز الخطاب الاحتفالي والتوجه نحو تحليل نقدي مؤسَّس.

 

مقدمة - من علم اجتماع الثقافة إلى علم الاجتماع الثقافي

يشهد النقاش السوسيولوجي المعاصر تمييزا جوهريا بين مقاربتين لفهم علاقة الثقافة بالمجتمع. الأولى، "علم اجتماع الثقافة" (Sociology of Culture)، تتعامل مع الثقافة كمتغير تابع للبنى الاجتماعية، فتخضعه لمنطق التفسير الاقتصادي أو السياسي. أما الثانية، "علم الاجتماع الثقافي" (Cultural Sociology)، فتمنح الثقافة استقلالية نسبية وقدرة تفسيرية خاصة، فترى فيها نظاما رمزيا فاعلا في تشكيل السلوك الاجتماعي والتصورات الجمعية (Smith, 1998a). هذا التحول النظري — من التبعية إلى الاستقلالية النسبية — هو ما يمنحنا مفاتيح لفهم التجربة العُمانية، حيث لا تبدو الثقافة والتراث مجرد انعكاسات سطحية لبنى اقتصادية أو سياسية، بل قوى فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي والانتماء الوطني.

 

أولا - التأصيل النظري – الثقافة كمتغير مستق

يعتبر التقليد البارسونزي (Parsons-ism) النموذج الأبرز لـ"علم اجتماع الثقافة"، حيث تفهم الثقافة كنسق رمزي يؤدي وظائف تكاملية داخل البنية الاجتماعية. لكن "علم الاجتماع الثقافي" المعاصر، كما يطرحه سميث (Smith, 1998)، يرفض هذا الاختزال، ويرى الثقافة كنص وشفرة (Text and Code) لهما منطق داخلي خاص، وقدرة على إنتاج المعنى بشكل مستقل عن الظروف المادية. هذا المنظور يتوافق مع ما طرحته هونيجر (Honegger, 2017) من أن الثقافة ليست نصا مغلقا، بل عملية مستمرة من التفاوض على المعنى.

وفي السياق العماني، يتجلى هذا الطرح بوضوح في الخطاب الرسمي للسلطان الراحل قابوس بن سعيد رحمه الله وطيب ثراه، حين أكد أن "مفهوم التراث لا يتمثل فحسب في القلاع والحصون والبيوت الأثرية، وإنما يتناول أساسا الموروث المعنوي من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون" (Oman Daily, 2026). هذه الرؤية تتوافق مع ما يطرحه علم الاجتماع الثقافي من أن الثقافة ليست "روحاً ناعمة" تابعة، بل نظاما رمزيا فاعلا.

 

ثانيا - الوظيفة المزدوجة للتراث – بين الذاكرة والتنمية

تكمن الأهمية السوسيولوجية للتراث والآثار في عُمان في وظيفتها المزدوجة، فهي من جهة أدوات لترسيخ الذاكرة الجماعية والانتماء، ومن جهة أخرى موارد للتنمية المستدامة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي عدد المواقع والشواهد الأثرية والتاريخية بلغ 33,775 موقعاً خلال عام 2025م، فيما بلغ عدد المواقع المرممة 441 موقعا (National Center for Statistics and Information NCSI, 2026). هذا التحول من "الحفظ المتحفي" إلى "الاستثمار الحيوي" يعكس فهما سوسيولوجيا عميقا لدور التراث كرأسمال ثقافي يمكن تحويله إلى رأسمال اقتصادي واجتماعي.

 

ثالثا - التراث بين الحيوية والتحنيط – إشكالية سوسيولوجية

يمثل التحدي الأكبر الذي تواجهه عُمان — وهو تحدٍّ سوسيولوجي بامتياز — الحفاظ على حيوية التراث وعدم تحنيطه في الأرشيف. فالثقافة، كما يذهب علم الاجتماع الثقافي المعاصر، ليست نصا مغلقا بل عملية مستمرة من التفاوض على المعنى (Honegger, 2017). وهذا ما يتجلى بوضوح في الفنون الشعبية العُمانية التي لا تزال حية نابضة، مثل فن "الرواح" في محافظة مسندم الذي "يشق ضربات الطبول صمت القمم الشاهقة" ويمثل "حارس الذاكرة وجسر الهوية الذي يغرس في نفوس الأجيال الناشئة قيم الانتماء واللحمة الوطنية" (Oman Daily, 2026).

هنا تتحول الثقافة من موضوع للدراسة إلى فاعل في الصيرورة الاجتماعية، وهو ما يؤكد عليه علم الاجتماع الثقافي في رفضه لثنائية "البنية/الفوقية" التقليدية.

 

رابعا - نماذج إدارة التراث – نحو فهم سوسيولوجي للاستثمار الحيوي

أدركت عُمان مبكرا أن التراث ليس كتلة صماء، بل منظومة ديناميكية تحتاج إلى نماذج إدارة مبتكرة. ومن هنا جاء التوجه نحو "الاستثمار الحيوي" للمواقع التراثية، كما يظهر في اتفاقية تطوير وتشغيل منتزه سمهرم الأثري في موقع خور روري بمحافظة ظفار — أحد مواقع أرض اللبان المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو — وتحويلها إلى "وجهة سياحية عالمية تجمع بين الأصالة التاريخية والطبيعة الخلابة وتعزيز التجارب السياحية الحديثة" (Ministry of Heritage and Tourism MHT, 2026).

وفي السياق ذاته، تأتي اتفاقية استثمار حصن جعلان بني بو حسن كمثال على "تعظيم الاستفادة من التراث الثقافي ومساهمته في النمو الاقتصادي"، مع التأكيد على "توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المجتمع المحلي" (MHT, 2025). هنا يتقاطع علم الاجتماع الثقافي مع علم اجتماع التنمية، حيث يصبح التراث موردا لتمكين المجتمعات المحلية.

 

خامسا - إشكالية القيمة – بين الاستخدام والتبادل

غير أن هذا الانفتاح على الاستثمار لا يخلو من إشكالات سوسيولوجية. فالمخاطرة الكبرى تكمن في أن يتحول التراث من "قيمة استخدام" (Use Value) إلى "قيمة تبادل" (Exchange Value)، ومن ذاكرة حية إلى سلعة سياحية. وقد أدركت الممارسة العُمانية هذه المخاطرة، فعملت على الموازنة بين الحماية المؤسسية المنظمة والأصالة التي تقودها المجتمعات المحلية، كما يكشف التأكيد الرسمي على "دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في قطاع السياحة الثقافية والبيئية" و"تعزيز مشاركة المجتمع المحلي" (MHT, 2026).

وهنا تبرز إشكالية نظرية أعمق، هل يمكن للتراث أن يظل "قيمة استخدام" في ظل تحوله إلى مورد اقتصادي؟ وكيف نوفق بين منطق السوق ومنطق الهوية؟ هذه أسئلة تستدعي مزيدا من البحث الميداني.

 

سادسا - التنوع الثقافي – من التهديد إلى الرصيد

تكمن الإشكالية المركزية في علم الاجتماع الثقافي هنا في، كيف نوفق بين الحاجة إلى توحيد الهوية الوطنية وصون التنوع المحلي؟ عُمان، بموقعها الجغرافي وامتدادها التاريخي، هي نسيج من التنوعات الإقليمية، من فنون مسندم الجبلية، إلى أهازيج ظفار الجنوبية، إلى حرف الداخلية والعاصمة. والثقافة العُمانية في جوهرها "سيمفونية" من الأصوات المحلية، لا لحنا واحدا. وهذا التنوع ليس تهديدا للهوية الجامعة، بل هو مادتها الخام.

وقد تجلى هذا الوعي في خطاب السلطان الراحل قابوس بن سعيد رحمه الله وطيب ثراه حين أكد على "الثراء الباذخ للتجربة العمانية الضاربة في أعماق الزمن" (Oman Daily, 2026). فالتجربة العُمانية لم تكن يوما أحادية، بل كانت دائما متعددة ومتفاعلة.

 

سابعا - الحرف التقليدية – جسر بين الثقافة والتنمية

في هذا السياق، يبرز دور "الحرف والمهن التقليدية" كحلقة وصل بين الثقافة والتنمية. فحين يؤكد الخطاب الرسمي على "ضرورة إقبال المواطن على المهن التقليدية التي قام عليها مجتمعنا قديما خاصة المهن الزراعية وصيد الأسماك وتنمية الثروة الحيوانية" (Oman Daily, 2026)، فإنه لا يدعو إلى نوستالجيا رومانسية، بل إلى إعادة إدماج هذه المهن في البنية الاقتصادية المعاصرة. وهنا يتحول التراث من "ماضٍ يجب حفظه" إلى "مستقبل يمكن بناؤه".

 

ثامنا - الثقافة كمتغير مستقل – خلاصة نظرية

إن علم الاجتماع الثقافي، في تطبيقه على الحالة العُمانية، يكشف عن أن الثقافة ليست "متغيرا تابعا" كما في التقليد البارسونزي، بل هي "متغير مستقل" له قدرة تفسيرية خاصة (Smith, 1998). فالتراث العُماني لم يكن مجرد انعكاس للبنية القبلية أو الاقتصاد الريعي، بل كان فاعلا في تشكيل هذه البنية وإعادة إنتاجها. ولهذا فإن أي فهم لعُمان المعاصرة يظل ناقصا إذا تجاهل البعد الثقافي كمتغير مستقل وليس مجرد "فائض" فوق بنية "أساسية".

 

تاسعا - نحو أجندة بحثية – من الخطاب الاحتفالي إلى التحليل النقدي

إن التحدي الذي تواجهه عُمان — كما تواجهه مجتمعات أخرى — هو تحويل التراث من "موضوع للسياسات الثقافية" إلى "مورد للمواطنة النشطة". فالتراث الذي يبقى حبيس المتاحف والوثائق يتحول إلى "ذاكرة باردة"؛ أما التراث الذي يشارك المواطنون في إنتاجه وإعادة إنتاجه اليومي فيتحول إلى "ذاكرة حية"، وإلى رصيد للانتماء والابتكار معا.

وهكذا، تبدو التجربة العُمانية في التعامل مع الثقافة والتراث والآثار مختبرا سوسيولوجيا ثريا لاختبار فرضيات علم الاجتماع الثقافي. وهي تشهد على أن الثقافة، حين تُفهم كقوة فاعلة ومستقلة نسبيا، يمكن أن تكون محركاً للتنمية وضامناً للهوية في آن واحد.

والمهمة الملقاة على عاتق الباحثين السوسيولوجيون هي توثيق هذه التجربة وتحليلها، بعيدا عن الخطاب الاحتفالي، وبقدر من النقد والمساءلة، لاستخلاص الدروس التي قد تفيد مجتمعات أخرى تواجه تحديات مشابهة في زمن العولمة والتحولات المتسارعة.

 

 

 

المصادر والمراجع

 

  • المطاعني، آيات بنت ناصر. (2026). التراث الموسيقي العُماني بين الأرشيف والممارسة: دراسة في سياسات الصون والتوثيق. جامعة السلطان قابوس.
  • وزارة التراث والسياحة. (2025، 30 ديسمبر). توقيع اتفاقية استثمار حصن جعلان بني بو حسن. سلطنة عُمان. https://mht.gov.om
  • وزارة التراث والسياحة. (2025، 20 أبريل). سلطنة عُمان تحتفي بإرثها الثقافي في يوم التراث العالمي. سلطنة عُمان. https://mht.gov.om
  • وزارة التراث والسياحة. (2026، 12 مارس). توقيع اتفاقية تطوير وتشغيل وتوظيف منتزه سمهرم الأثري بمحافظة ظفار. سلطنة عُمان. https://mht.gov.om
  • جريدة عمان. (2020، 14 فبراير). التجربة العمانية.. ثراء باذخ ضارب في أعماق الزمن. جريدة عمان. https://www.omandaily.om
  • جريدة عمان. (2020، 14 فبراير). السلطان قابوس كرس في العمانيين الاعتزاز بتراثهم وهويتهم الوطنية. جريدة عمان. https://www.omandaily.om
  • جريدة عمان. (2026، 2 يونيو). سيمفونية الجبل والبحر.. طبول «الرواح» تشق صمت التاريخ في مسندم. جريدة عمان. https://www.omandaily.om
  • Honegger, C. (2017). Karl Mannheim, T. S. Eliot and Raymond Williams: Cultural sociology or cultural studies? In D. Kettler & V. Meja (Eds.), The Anthem companion to Karl Mannheim (pp. 153–168). Anthem Press.
  • Sachedina, A. (2021). Cultivating the past, living the modern: The politics of time in the Sultanate of Oman. Cornell University Press.
  • Smith, P. (1998a). The new American cultural sociology: An introduction. In P. Smith (Ed.), The new American cultural sociology (pp. 1–18). Cambridge University Press.
  • Smith, P. (1998b). Culture as text and code. In P. Smith (Ed.), The new American cultural sociology (pp. 19–36). Cambridge University Press.
  • Spillman, L. (2007). Cultural sociology and the process of meaning-making. Cultural Sociology, 1(1), 3–15. https://doi.org/10.1177/1749975507073913

About the Author