انتقال المعرفة في العصر الهلنستي
كتب: إبراهيم بن أحمد المشرفي
عادةً ما توصف الترجمة بعملية نقل نص من لغة إلى أخرى، إلا أن التاريخ يكشف لنا أن انتقال المعارف بين الحضارات أكثر تعقيدًا؛ فقد تعبر الأفكار الحدود في صورة رقم أو جدول أو طريقة حساب، وقد تنتقل عبر التعليم، أو يُعاد تشكيلها في لغة جديدة حتى يصبح من الصعب أحيانًا تحديد اللحظة التي حدثت فيها الترجمة بالمعنى الذي نفهمه في زماننا الحاضر. نحتفي باليوم العالمي للترجمة في الثلاثين من سبتمبر، لنستذكر دورها في نقل المعارف بين الأمم.
تقدّم لنا العلاقة بين بابل والإغريق مثالُا بارزًا على ذلك؛ فقد تراكم لدى علماء بلاد الرافدين إرث علمي شمل تسجيل الظواهر السماوية، وحساب الدورات، وتطوير المعاملات، وطرائق رياضية للتنبؤ بحركة الأجرام والكسوف والخسوف عبر قرون طويلة من الرصد. ومع قيام العالَم الهلنستي واتساع مجالات الاتصال بين شرقي البحر المتوسط وبلاد الرافدين، أضحت بعض عناصر هذا التراث جزءًا من البيئة العلمية الإغريقية.
يشير ستيل (2011) إلى أن الأدلة على انتقال جوانب من علم الفلك البابلي إلى الإغريق والرومان تظهر في صور متعددة، مثل الرصود الفلكية، والمعاملات العددية، والجداول الفلكية. لم يكن الأمر نسخًا بسيطًا للمادة البابلية، بل كان في بعض الأحيان انتقالًا للطريقة نفسها ثم إعادة توظيفها في تقاليد علمية مختلفة. ويتجلى ذلك في استفادة علماء الإغريق من سجلات الخسوف البابلية، وفي وجود صلات بين طرائق التنبؤ البابلية، وبعض الابتكارات التي ظهرت لاحقًا في بلاد الإغريق.
ومن أبرز الشواهد بردية إغريقية عُثر عليها في مصر تعود إلى العصر الروماني، تتضمن حسابات قمرية ترتبط بنظام أرقام طوّره البابليون؛ إذ أشار جونز (1997) إلى أن البردية تحتوي على عناصر من نظرية قمرية معقدة وُثّقت من قبل في الألواح المسمارية في بابل وأوروك. ورغم أن هذه البردية متأخرة عن العصر الهلنستي، فإن أهميتها تكمن في أنها تثبت أن طريقة حسابية بابلية شديدة التخصص استطاعت العبور إلى وسط علمي يستخدم لغة الإغريق، وأن تُدوّن وتُمارس دون الحاجة إلى بقاء النص في صورته المسمارية الأصلية.
وهنا تتسع دلالة الترجمة؛ فالمعرفة لا تحتاج دائمًا إلى أن تنتقل كلمة بكلمة. قد يُترجم النموذج قبل أن يُترجم النص، وتنتقل الطريقة دون أن تنتقل عباراتها الأصلية، ويُعاد بناء الجدول أو المصطلح أو المعامل العددي في منظومة لغوية أخرى. ومن ثم قد تكون الترجمة في تاريخ العلوم عمليةَ إعادة تشكيل للمعرفة بقدر ما هي نقل لها.
في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد، كتب الكاهن والمؤرخ البابلي بيروسوس عن تاريخ بابل بلغة الإغريق، ويشير بورستين (1989) إلى أن بيروسوس استند إلى مصادر مسمارية محفوظة في المعابد البابلية، ليضمّن في مؤلفاته قصة الخلق وقوائم الملوك وروايات الطوفان والتاريخ السياسي من منظور بابلي. وهكذا لم ينقل بيروسوس مجرد أسماء وأحداث، بل قدّم للقارئ الإغريقي وجهة نظر البابليين في هذه الموضوعات بلغتهم.
ويزداد المشهد تعقيدًا في بابل خلال العصر الهلنستي؛ إذ كانت المدينة فضاءً تعايشت فيه ثقافات ولغات مختلفة، فيشير ميروب (2022) إلى أن بعض الشخصيات المرموقة في بابل اتخذت أسماء إغريقية، وأن بعضهم ربما أدّوا دور الوسيط بين الثقافتين. كما أن الألواح الطينية الإغريقية البابلية (Greco-Babyloniaca) تشير إلى اهتمام بعض المتعلمين بالكتابة الإغريقية. ويذهب ميروب إلى أن التأثير العميق لعلم الفلك البابلي في العالم الهلنستي يفترض وجود شخصيات امتلكت قدرًا من المعرفة، وإن كانت هويات هؤلاء الوسطاء غير واضحة في معظم الحالات.
في المقابل، تضعنا هذه النقطة أمام درسٍ مهمٍ في التاريخ: وجود أثر الانتقال لا يعني بالضرورة معرفتنا بكيفية حدوثه بالتفصيل؛ إذ يمكننا القول بعد اطلاعنا على التشابه في الابتكارات والمعاملات الفلكية والجداول والبرديات معًا أن المعارف البابلية قد انتقلت إلى الإغريق، أما الطريق الذي سلكته في كل حالة فليس واضحًا بالدرجة نفسها؛ إذ يشوب المشهد بعض الغموض. لا يوجد سجل يوثّق لقاءً بين عالِم بابلي بآخر إغريقي يخبرنا كيف تُرجم نص فلكي بعينه خطوة بخطوة. كما أن المادة الباقية لا توفر سلسلة من الترجمات الثنائية اللغة يمكن من خلالها إعادة بناء العملية كاملة. لذا، ينبغي التمييز بين ما تثبته الأدلة وما نفترضه لتفسيرها. لربما تم بعض الانتقال بالترجمة المباشرة، وربما كان التعليم الشفهي والتلمذة والعلماء المتنقلون والمجتمعات المختلطة وتكييف المصطلحات وطرائق الحساب وسائل لا تقل أهمية آنذاك.
يمكننا اختصار جانب من تاريخ الترجمة في عبارة مقتضبة: نحن على دراية أن المعرفة عبرت عاملي الزمان والمكان فعلًا، لكن طرائق انتقالها قد تتعدد. ربما كانت هذه إحدى أعمق دلالات اليوم العالمي للترجمة؛ فهي ليست مثلما ذكرنا في أولى السطور، بل وسيلة تعيد بها الحضارات قراءة معارف غيرها وتكييفها حسب ظروفها؛ فبَين الرقم البابلي المكتوب على لوح طيني وجدول فلكي مدوّن بالإغريقية قصةٌ لها أبطالها، لكن آثارها توضّح لنا أن المعرفة لا تبقى كما هي، بل تتطور لتُستخدم في حياة جديدة.
About the Author