youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



Banner-02639152067601731256

 

قراءة في محاضرة "صناعة الوعي في زمن الخوارزميات"

22 Sep, 2026 |
  • رحمة بنت حارث الحراصي، مركز خدمة المجتمع. 

المحاضرة الجماهيرية "صناعة الوعي في زمن الخوارزميات: الإعلام والتكنولوجيا ومستقبل السرديات العالمية"، للأستاذ المفكر وضاح خنفر، هي ثمرة شراكة مؤسسية جمعت جامعة السلطان قابوس، ممثلةً بمركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر، ومؤسسة جابر بن زايد الوقفية. لم تكن المحاضرة مجرد حديثٍ عن التطور التقني والتسارع التكنولوجي بقدر ما كانت قراءة في التحولات التي أعادت تشكيل علاقتنا بالمعلومة. ففي زمنٍ تلاشت فيه الحدود المادية وأصبحت فيه الأخبار تصل إلينا في لحظات، لم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى المعلومات، وإنما يكمن في القدرة على فهمها، وتمييز سياقاتها، وإدراك الكيفية التي تحدد بها الخوارزميات ما نراه وما يغيب عن مجال رؤيتنا، وبالتالي مسؤوليتنا في التعامل معها بوعي واتزان.
لقد أصبحت الخوارزميات هي المتحكم الرئيس في وعينا؛ فهي ترتب المحتوى حسب أولوياتها، وتقترح ما نتابعه، وتعيد أمامنا ما يشبه اهتماماتنا وما يستهوينا، حتى نعتقد بأن ما نراه هو الصورة الكاملة للعالم، بينما هو في الحقيقة صورة انتقائية تشكلها البيانات وأنماط الاستخدام وآليات منصات التواصل الاجتماعي. وعليه، لم تعد القضية إعلامية وتقنية فحسب، بل أصبحت قضية ترتبط بالمسؤولية الاجتماعية والقدرة الإنسانية على الاختيار والتفكير النقدي.
وفي عالم تتعدد فيه السرديات وتتباين زوايا النظر إلى الأحداث حسب أجندات معينة تتبعها وسائل الإعلام، لا يكفي أن نعرف ما يقال، بل ينبغي أن نسأل أنفسنا دائمًا: من يقول؟ ولماذا؟ وفي أي سياق؟ وما الذي قيل، وما الذي غاب؟ فالوعي لا يُقاس بكمية المحتوى الذي نستهلكه، وإنما بقدرتنا على تمحيصه، وفهم ما وراءه، وعدم تحويل الانتشار إلى معيار للحقيقة. ومن هنا تأتي أهمية وجود مناهج للتربية الإعلامية في مختلف المستويات التعليمية لنبني جيلًا قادرًا على التفكير النقدي وتمحيص كل ما يصله، بدلًا من استهلاكه وإعادة نشره دون وعي.
ولعل أعمق ما طرحته المحاضرة هو أن مواجهة هذا العالم المتغير ليست برفض التكنولوجيا، وإنما بإعادة بناء علاقة صحية بها، بحيث نظل نحن من يوجهها، لا أن تتحول هي إلى قوة توجه سلوكنا واختياراتنا. فالتكنولوجيا تستطيع أن تختصر المسافة بين الإنسان وما يصله، لكنها لا تستطيع أن تختار عنه ما ينبغي أن يؤمن به أو يتمسك به. إضافة إلى ضرورة الانتباه إلى الوقت الذي نمضيه مع التكنولوجيا، وأهمية الانقطاع عنها من حين إلى آخر، خشية أن نصل إلى مرحلة الإدمان أو الخوف من فقدان المستجدات؛ فنحن مسؤولون عن وقتنا أمام الله عز وجل، ولا بد من أن نستثمره فيما فيه منفعة لنا ولمن حولنا.
وفي ظل ما وصفه خنفر بحالة السيولة وعدم الثبات التي يعيشها العالم، برزت العودة إلى القرآن الكريم بوصفها النجاة الوحيدة من حالة الضياع والتشتت التي يعيشها العالم. فالعودة إلى القرآن هي عودة إلى مرجعية ثابتة في عالم سريع التحول؛ فالقرآن أصبح الثابت الواحد في زمن المتغيرات. لذا فنحن بحاجة إلى قراءة أعمق للنص القرآني، وإلى تمسكٍ بقيمه، وعملٍ بما يقدمه من هداية ومعايير تضبط علاقة الإنسان بنفسه وبالحياة وبالآخرين، فالقرآن هو البوصلة التي ستعيدنا إلى الطريق الصحيح.
ختامًا، إن معركة الوعي في عصر الخوارزميات ليست معركة بين الإنسان والتكنولوجيا، وإنما هي في الحقيقة معركة داخل الإنسان نفسه، بين ما يُعرض عليه وما يختار أن يراه، وبين سرعة المعلومة وعمق الإدراك، وبين عالم متغير ومرجعية تمنحه المعنى والاتجاه. وقد تتطور الخوارزميات، وتتغير المنصات، وتتبدل السرديات، لكن تبقى قدرة الإنسان على صناعة الوعي، ومسؤوليته تجاه كل ما يصله، هي السبيل الوحيد للنجاة.
 

About the Author