د. آيات بنت ناصر المطاعني
أستاذة التراث الثقافي والعلوم الإثنية المساعدة، بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس
تحتفظ المجتمعات بجانب من تاريخها في الكلمات التي تتناقلها، والألحان التي تتوارثها، والممارسات التي تمنح مناسباتها وأعمالها اليومية معنى مشتركًا. وفي التراث البدوي العُمانيّ، تكشف الصلة بين الشعر والغناء والحركة عن معرفة تشكلت داخل الحياة الاجتماعية، وارتبطت بتجارب التنقل والرعي والعمل والاحتفاء. وتنبع أهمية هذا الموروث من قدرته على إظهار كيفية تعبير الناس عن خبراتهم، وما اختاروا حفظه من ذكرياتهم، والطرق التي نقلوا بها تلك المعرفة إلى من جاء بعدهم. ومن ثم، فإن دراسته تفتح مجالًا لفهم المجتمع من خلال أصوات أفراده وممارساتهم، إلى جانب ما تتيحه الوثائق المكتوبة من معرفة.
أكتب اليوم بمناسبة يومٍ جديد في تقويم اليونسكو. فقد أعلن المؤتمر العام للمنظمة، في دورته الثالثة والأربعين المنعقدة في سمرقند، يوم 22 من سبتمبر من كل عام يومًا دوليًا للتراث البدوي International Day of Nomadic Heritage، بالقرار 31 المعتمد في 11 من نوفمبر 2025 بناءً على بند اقترحته قيرغيزستان. ومعنى ذلك أن 22 من سبتمبر 2026 هو أول احتفاء بهذه المناسبة. والمناسبة تخصُّ تراث مجتمعات الرُّحَّل في العالم كله، من سهوب آسيا الوسطى إلى صحارى الجزيرة العربية.
يتيح الاحتفاء باليوم الدولي للتراث البدوي إعادة توجيه الاهتمام إلى هذه القيمة المعرفية، بحيث تتجاوز العناية بالتراث إبراز مظاهره الجمالية إلى دراسة علاقته بالإنسان الذي أنتجه وتوارثه. فالمطلوب من الاحتفاء أن يثير أسئلة عن استمرار المعرفة، وعن الظروف التي تساعد على تعلمها، وعن مسؤولية المؤسسات الثقافية والأكاديمية تجاه أصحابها. وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند التعامل مع موروث يعتمد بدرجة كبيرة على الانتقال الشفهي والمشاركة المباشرة؛ إذ يتعلق بقاؤه بوجود أشخاص يعرفون كيف يمارسونه، وآخرين تتاح لهم فرصة التعلّم منهم.
يمثل التوارث الشفهي انتقالًا للمهارة والمعنى معًا. ففي الغناء، لا تكفي معرفة الكلمات للإحاطة بالممارسة؛ فطريقة نطقها، وامتداد الصوت، وتشكيل الجملة اللحنية، وتوقيت استجابة المجموعة، كلها عناصر يتحدد بها الأداء. وتبين الأنماط الغنائية البدوية العُمانية أن النص الشعري يكتسب خصائصه المسموعة من علاقته بالمؤدين وبالموقف الذي يجمعهم. ولهذا فإن تحويل القصيدة إلى نصٍّ مكتوب، على أهميته، لا يستوعب وحده المعرفة التي تظهر في إنشادها وتبادلها. إن ما ينتقل بين الأجيال يشمل القدرة على تمييز الأداء المناسب، وفهم الفروق بين الصيغ، ومعرفة موضع المشاركة داخل الجماعة.
وتتضح هذه العلاقة في تغرود البوش وهمبل البوش، حيث ارتبط الغناء بتجربة المسير على الإبل، مع اختلاف في وضع الحركة وسياق الأداء. فقد ارتبط التغرود، في بعض صوره الموثقة، بخبب الإبل وتبادل الغناء بين المؤدين، بينما اقترن الهمبل بمسيرها العادي وبمواقف شملت الذهاب إلى المناسبات واستقبال القادمين. ويمكن قراءة هذا التمايز بوصفه شاهدًا على عناية الممارسين بربط التعبير الصوتي بتفاصيل تجربتهم. أما الموضوعات الشعرية، بما تتضمنه من مدح وحكمة وذكريات، فتتيح النظر إلى تلك الأصوات باعتبارها تعبيرًا عن عالم اجتماعي وعاطفي يصحب الإنسان في تنقله.
ولا ينحصر هذا الموروث في غناء الطريق؛ إذ تكشف أنماط أخرى عن حضور الصوت في تفاصيل اليوم العادي. فالطارق ارتبط بالمسير والسمر وبعض الأعمال اليومية، واتخذ صورًا فردية وأخرى يتبادل فيها المؤدون الأبيات. وفي التلوليو، المعروف أيضًا بالتلولي، تتسع السياقات لتشمل العمل والرعي، وقد يمتد استخدامه إلى تهدئة الطفل، بينما تتناول نصوصه الذكريات والنصح وشؤون الحياة. وتدل هذه المرونة على أن الغناء لم يكن نشاطًا منفصلًا عن حاجات الإنسان، وإنما وسيلة للترويح والتواصل والتعبير داخل مواقف متباينة. ومن شأن فهم تلك السياقات أن يفسر استمرار بعض الصيغ وانتقالها بين مجالات اجتماعية مختلفة.
وتتسع صورة التراث حين تشمل خبرات النساء وأدوارهن في الأداء والتداول. ففي المغايظ، تظهر المشاركة النسائية في الغناء المتناوب والتصفيق والأداء الحركي خلال الأعراس وغيرها من المناسبات الاجتماعية، بينما تقدم المزيفينة مثالًا آخرًا على البنية الاجتماعية في ممارسة تجمع الصوت والحركة. وتدعو هذه الشواهد إلى دراسة تنوع المشاركة بدل حصر التراث البدوي في صورة واحدة. كما تسمح ببحث الكيفية التي تنظم بها الفنون حضور الأفراد داخل الجماعة، وما تتيحه لهم من مجالات للتعبير وإظهار المهارة وتبادل الأدوار.
ومن خلال هذه الأمثلة، يمكن فهم الفنون التقليدية بوصفها مداخل إلى دراسة العادات والعلاقات الاجتماعية. فالتناوب في الغناء يثير أسئلة عن الإنصات والاستجابة وقيادة الأداء، والمشاركة في المناسبات تتيح البحث في معاني الاحتفاء واستقبال الآخرين. كذلك تحمل المفردات والصور الشعرية إشارات إلى ما اهتم الناس بوصفه وتذكره وتداوله. ولا تكمن الفائدة البحثية في استخلاص صورة مثالية للماضي، وإنما في الاقتراب من تفاصيله: كيف عبّر الإنسان عن ارتباطه بمن حوله؟ وما الموضوعات التي استدعت القول الجماعي؟ وكيف اختلفت أشكال التعبير بحسب المناسبة والمشاركين؟ تلك أسئلة تجعل من دراسة الفن سبيلًا إلى تحليل الحياة التي منحته معناه.
غير أن الاستفادة التاريخية من الموروث الشفهي تستدعي التمييز بين الشهادة المباشرة والرواية المتناقلة والتعبير الشعري. فالذاكرة تعيد تفسير الخبرة من موقع الحاضر، وقد يجتمع في القصيدة وصف الواقع مع المجاز والمبالغة. ولذلك تتعزّز قيمة البحث بمقارنة الروايات، وتحديد ظروف تسجيلها، وربطها بالشواهد المتاحة. ولا يقلل هذا المنهج من أهمية المادة الشفهية؛ بل يتيح استخدامها بدقة، ويكشف إلى جانب الوقائع كيف فهم الناس تجاربهم ومنحوها دلالاتها.
وتنبع ضرورة التوثيق من أن المعرفة المرتبطة بالممارسة قد تتراجع حتى عندما تظل بعض نصوصها معروفة. فقد تُحفظ القصيدة وتغيب دلالة مفرداتها، أو يستمر اللحن دون معرفة بالفروق بين سياقات أدائه. ولهذا ينبغي أن تتجه العناية إلى عناصر الممارسة وعلاقاتها، لا إلى حفظ نموذج صوتي منفرد فحسب. ويقتضي صون التراث الحي تكامل البحث والتوثيق مع التعليم وإتاحة فرص الانتقال بين الأجيال؛ فالتسجيل يحفظ أثرًا مهمًا، لكنه لا يؤدي بمفرده وظيفة التعلم التي تتحقق في التفاعل مع أصحاب الخبرة.
ويبدأ التوثيق الجاد من أسئلة واضحة تُطرح على الممارسين: ممن تعلموا، وكيف يميزون بين الصيغ، وما الذي يرونه أساسيًا في الأداء، وأي جوانب تغيرت في تجربتهم؟ ثم تُربط التسجيلات ببياناتها، بما يشمل أسماء المشاركين، ومكان التسجيل وتاريخه، وسياق الممارسة، وشرح النصوص والمصطلحات. ومن المهم أيضًا بيان ما إذا كان الأداء قد سُجّل أثناء مناسبة اجتماعية أم أُعيد خصيصًا لأغراض البحث؛ فلكل حالة ظروف تؤثر في تفسير المادة. ويتيح الجمع بين الصوت والصورة والشهادة والبيانات الوصفية بناء مصدر يمكن الرجوع إليه وتحليله من زوايا متعددة.
وترتبط موثوقية هذا العمل بطبيعة العلاقة مع أصحاب التراث. فالممارسون شركاء في تفسير المعرفة، ولهم توقعات وحقوق ينبغي أن تكون واضحة منذ بداية التوثيق. ويشمل ذلك الاتفاق على أغراض التسجيل وطرق استخدامه وحدود إتاحته، واحترام ما يفضل المشاركون عدم نشره، ومنحهم فرصة مراجعة المعلومات المتعلقة بهم. كما أن إشراك خبرات متنوعة يحد من اختزال مجتمع كامل في رواية شخص واحد أو في الأداء الأكثر ظهورًا أمام الجمهور. وبهذا تصبح عملية التوثيق علاقة معرفية مسؤولة، لا مجرد جمع لمواد منفصلة عن أصحابها.
أما الأرشفة الرقمية، فتكتسب قيمتها من قدرتها على إبقاء المواد مفهومة وقابلة للاسترجاع بمرور الزمن. ويتطلب ذلك حفظ النسخ الأصلية، وتنظيم المعلومات المرتبطة بها، وتوثيق شروط استخدامها، ووضع ترتيبات للصيانة والحفظ المستمر. فانتشار مقطع عبر وسائل التواصل لا يضمن بقاءه، كما أن انفصاله عن اسم مؤديه أو سياقه قد يضعف قيمته البحثية. والأرشيف النافع هو الذي يتيح الوصول إلى المادة ومعرفة مصدرها وحدود تفسيرها، ويخدم احتياجات المجتمع والباحثين معًا.
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول العناية بالتوثيق إلى مطالبة المجتمعات بتكرار الماضي على نحو ثابت. فالتراث الذي تتناقله الأجيال قابل لإعادة التشكيل تبعًا لتغير الظروف، وقد يكتسب سياقات جديدة دون أن تنقطع صلته بأصحابه. لذلك تستحق التحولات الدراسة قبل الحكم عليها، كما ينبغي حفظ الاختلافات المحلية وعدم إخضاعها لنموذج موحد يُقدَّم باعتباره الصيغة الوحيدة الصحيحة. وتنسجم هذه النظرة مع فهم التراث غير المادي بوصفه ممارسة تعيد المجتمعات إبداعها في علاقتها ببيئتها وتاريخها.
وتفتح هذه المعرفة مجالات للاستفادة في التعليم والبحث والعمل الثقافي. ففي جامعة السلطان قابوس، يمكن أن تشكل الفنون البدوية مادة لمشروعات تجمع دراسة الموسيقى باللغة والتاريخ وعلم الاجتماع، ويشارك فيها الممارسون بوصفهم معلمين وأصحاب خبرة. ويستطيع الطلبة، من خلال مقارنة التسجيلات ومناقشة شروح المؤدين، تعلم كيفية الربط بين الخصائص الفنية ودلالاتها الاجتماعية. كما يمكن تطوير مواد تعليمية ومعارض صوتية وأعمال وثائقية تتيح للجمهور فهم الموروث في سياقه، بدل الاكتفاء بالتعرف إلى أسمائه. أما إعادة توظيفه في الإبداع المعاصر، فينبغي أن تقترن بوضوح النسبة إلى مصادره، والتمييز بين الأداء الموثق والمعالجة الفنية الجديدة، وإشراك أصحابه فيما يترتب على استخدامه من منافع.
إن القيمة الأعمق للتراث البدوي الشفهي تكمن فيما يتيحه من فهم للتجربة الإنسانية: كيف تشكلت المعرفة داخل الحياة، وكيف اكتسبت العادات معانيها، وكيف حمل الناس تاريخهم في القول والأداء. ومن هنا، فإن الاحتفاء به مسؤولية تتصل بجودة ما نوثقه، وبالفرص التي نتيحها لتعلمه، وبالمكانة التي نمنحها لأصحابه في تفسيره وتقديمه. ويبلغ هذا الجهد غايته حين يصبح الموروث مصدرًا يقرأ من خلاله المجتمع تاريخه بوعي، ويستفيد منه في بناء معرفة جديدة، ويمنح الأجيال المقبلة حق المشاركة في استمراره.