youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



Banner-02639152067601731256

 

عندما تُعيد المؤسسات تشكيل المجتمع

21 Sep, 2026 |

قراءة سوسيولوجية في البنية والثقافة وتوترات الإصلاح المؤسسي في سلطنة عُمان

بقلم/الدكتور جهاد بن جميل حمد
أستاذ علم الاجتماع المشارك، جامعة السلطان قابوس

 

لماذا علم الاجتماع التنظيمي؟ يعتبر علم الاجتماع التنظيمي (Organizational Sociology) من الفروع السوسيولوجية التي نمت بوتيرة متسارعة خلال العقود الأخيرة، انطلاقاً من ملاحظة مؤسِّسة مفادها أن النشاط البشري الحديث يتجسد بشكل متزايد عبر منظمات رسمية، بدلاً من أفراد أو جماعات فضفاضة (Gouldner, 1954; Selznick, 1948). ويتركّز الاهتمام الجوهري لهذا الحقل في تحليل البنى الرسمية وغير الرسمية داخل المنظمات، وعلاقات القوة، وأنماط التواصل، والمعايير الثقافية، والتشكيل المتبادل بين المنظمات وبيئاتها الاجتماعية الأوسع (Blau, 1955; March & Simon, 1958).

وفي السياق العُماني، تكتسب هذه العدسة السوسيولوجية أهمية استثنائية. فسلطنة عُمان تشهد تحولا منهجيا تقوده الدولة، حيث لم تعتبر رؤية 2040 مجرد مخطط للتنويع الاقتصادي، بل مشروعاً عميقاً لإعادة البناء المؤسسي يقتضي جهازا إداريا "رشيقا وواضحا"، ونموذج حوكمة يتحول من السيطرة الهرمية التقليدية نحو الكفاءة والشفافية والمساءلة (Luhmann, 1964). وقد أثمرت الإصلاحات حتى الآن عن دمج ما يقارب 30 وحدة حكومية، بهدف تقليل الطبقات البيروقراطية وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار. غير أن هذا التحول يثير سؤالا سوسيولوجيا جوهريا، هل يمكن إعادة بناء المؤسسات دون إعادة بناء الأنماط الثقافية والاجتماعية التي تُنتجها وتُعاد إنتاجها من خلالها؟

أولا، الأسس الثقافية للسلوك التنظيمي العُماني

لفهم سبب اتخاذ المنظمات العُمانية لشكلها الحالي، لا بد من فحص تربتها الثقافية والاجتماعية. فالسلوك التنظيمي في عُمان يتأثر بعمق بالتصورات الهرمية والقيم التقليدية، إذ تتركز سلطة اتخاذ القرار بشكل ملحوظ في القمة، ويميل التواصل نحو الرسمية والتوجيه من الأعلى إلى الأسفل (Merton, 1957). وفي الوقت نفسه، وباعتبارها مجتمعاً جماعياً، تعطي المنظمات العُمانية الأولوية للولاء والانسجام، مع أسبقية أهداف الجماعة على الإنجاز الفردي (Al-Lamky, 2007).

ويعتبر هذا الطابع المزدوج — الهرمية والانسجام — إسقاطاً للبنية الاجتماعية العُمانية على المستوى التنظيمي، وليس مجرد "تخلف إداري". فقد شكلت التقاليد القبلية والأخلاق الدينية والممارسات التشاورية المتكوّنة تاريخيا تصورا مميزا للسلطة، إذ تستمد شرعية القائد ليس من المنصب فحسب، بل من القدرة على الحفاظ على تماسك الجماعة (Bourdieu, 1986). وقد وجدت دراسات حديثة أن النمط التشاوري لا يزال النهج السائد، مع عدم وجود فرق جوهري بين المديرين العُمانيين وغير العُمانيين (Al-Lamky, 2007).

غير أن هذا الأساس الثقافي يواجه توترات في التحول المعاصر. فعندما تطالب رؤية 2040 بمزيد من الكفاءة والابتكار وسرعة اتخاذ القرار، قد تصبح بنية القرار المركزية وأنماط التواصل من الأعلى إلى الأسفل قيودا (Selznick, 1948). وكيفية بناء أشكال تنظيمية أكثر مرونة مع احترام الاستمرارية الثقافية هي مسألة سوسيولوجية جوهرية تواجه المؤسسات العُمانية.

 

ثانيا، الشبكات غير الرسمية بين الإدماج والاستبعاد

يتمثل أحد الأفكار الكلاسيكية في علم الاجتماع التنظيمي في التمييز بين البنى الرسمية وغير الرسمية. فالبنية الرسمية هي التسلسل الهرمي والمسؤوليات والإجراءات المبينة في الهيكل التنظيمي؛ أما البنية غير الرسمية فتتألف من شبكات العلاقات وقنوات المعلومات وممارسات القوة التي تعمل خارج القواعد الرسمية (Blau, 1955). وكثيراً ما يكون لهذه الأخيرة تأثير حاسم في كيفية عمل المنظمات فعلياً.

وفي المشهد التنظيمي العُماني، تكتسب أهمية الشبكات غير الرسمية وضوحاً خاصاً. غير أن هذه الشبكات ليست محايدة من حيث النوع الاجتماعي. فقد كشفت أبحاث نوعية حديثة عن ظاهرة تستحق تأملاً جدياً، لا يزال تقدم النساء إلى أدوار الإدارة والقيادة مقيداً بسبب استبعادهن من الشبكات غير الرسمية (Acker, 2006; Benschop & Doorewaard, 1998). وقد حددت دراسات حول التطور المهني للمرأة العُمانية وجود "بنية مزدوجة" داخل المجال التنظيمي — التسلسل الهرمي الرسمي، والسلطة التي تُمارَس فعلياً عبر الشبكات غير الرسمية (Al-Lamky, 2007). ورغم أن هذه الفضاءات غير الرسمية تبدو محايدة، إلا أنها مبنية حول معايير وسلوكيات ذكورية تستبعد النساء بشكل منهجي من دوائر اتخاذ القرار الأساسية (Ely, Ibarra, & Kolb, 2011).

وقد وصف المشاركون في المقابلات مقاومة مجتمعية غير معلنة، فعندما يتطلب العمل تفاعلا غير رسميا خارج ساعات العمل الرسمية، يُفترض غالبا أن النساء "غير قادرات على التكيف"، لأن مثل هذه التفاعلات تتعارض مع التوقعات المجتمعية لأدوار المرأة (Al-Lamky, 2007). وتمتد دلالة هذا الاكتشاف إلى ما هو أبعد من قضية النوع الاجتماعي ذاتها. فهو يُبيّن أنه في سعيها نحو "الكفاءة" و"التحديث"، يجب على المؤسسات العُمانية أن تواجه مقولة أساسية من علم الاجتماع التنظيمي، وهي أن التغيير المؤسسي الرسمي الذي لا يمس جمود البنى غير الرسمية سيكون أثره محدودا (Merton, 1957). فالإدماج ليس مجرد بيان في نصوص السياسات، بل هو فتح وإعادة بناء لشبكات العلاقات في الممارسة التنظيمية اليومية.

 

ثالثا، فحص سوسيولوجي لأجندة الإصلاح — الاعتماد على المسار

تتخذ الإصلاحات المؤسسية التي تقودها رؤية 2040 أوجهاً متعددة عند النظر إليها من خلال عدسة علم الاجتماع التنظيمي. فمن ناحية، أنتجت الإصلاحات بالفعل تغييرات ملحوظة على المستوى البنيوي، حيث خضعت الهياكل الإدارية لنحو 30 جهة حكومية لعمليات دمج وإعادة هيكلة (Gouldner, 1954). وفي الوقت نفسه، يجري إنشاء منصات مؤسسية للابتكار التنظيمي وإدارة التغيير (March & Simon, 1958).

ومن ناحية أخرى، ينبّهنا منظور علم الاجتماع التنظيمي إلى الانتباه إلى قوة "الاعتماد على المسار" (Path Dependency). فقد لاحظت دراسات مستندة إلى إطار الاقتصاد المؤسسي الجديد أن التشريعات وتنفيذ السياسات في عُمان يتبعان مسارا هرميا من الأعلى إلى الأسفل، في حين لا تزال بعض الجوانب العتيقة من العادات البيروقراطية التقليدية تؤثر سلباً في تكوين السياسات الرسمية وإدارتها (Selznick, 1948). كما لاحظت هذه الدراسات وجود "متلازمة الاستحقاق" (Entitlement Syndrome) — إذ يعتقد بعض المشاركين أن واجب الحكومة هو رعايتهم "من المهد إلى اللحد" — وهو موقف معتمد على المسار قد يثبط المساعي الريادية المنتجة (Bourdieu, 1986).

وقد أظهرت أطروحة دكتوراه حديثة حول تأثير "الاعتماد على المسار" على المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان أن "السيطرة المركزية القوية من المؤسسة (الحكومة) عززت التأثيرات المنتشرة للاعتماد على المسار والتشبيك والبحث عن الريع التي تعيق تقدم النظام البيئي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة". كما أشارت النتائج إلى أن "بيئة تقييدية أنشأتها المؤسسة دون قصد سادت النظام البيئي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مما أدى إلى ظهور سياسات غير رسمية حلت جزئياً محل السياسات الرسمية".

وهذا ليس نفيا للإصلاح، بل هو صدق سوسيولوجي بشأن تعقيده. فالتغيير التنظيمي ليس أبدا مجرد "استبدال البنى القديمة بأخرى جديدة"، بل هو تفاوض مستمر بين الجمود المؤسسي المتكوّن تاريخيا والإرادة الإصلاحية الموجهة نحو المستقبل (Luhmann, 1964). وما تشهده المؤسسات العُمانية حالياً هو بالتحديد عملية تفاوضية.

 

رابعا، نحو نموذج مؤسسي عُماني هجين — بين الحداثة والتقليد

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المؤسسات العُمانية تقف أمام تحدٍّ مزدوج: من جهة، عليها أن تستجيب لمتطلبات رؤية 2040 التي تطالب بالكفاءة والشفافية والابتكار؛ ومن جهة أخرى، عليها أن تحافظ على الاستمرارية الثقافية التي تشكل هويتها ومشروعية سلطتها. وهذا ما يدفع نحو صياغة نموذج مؤسسي هجين يجمع بين عناصر الإدارة الحديثة والقيم والتقاليد المحلية.

وقد أظهرت دراسة حديثة حول الممارسات الإدارية الأصيلة في عُمان أن المنظمات العُمانية تتبنى نموذجا هجينا يجمع بين المعرفة الأصلية وأفضل الممارسات العالمية. وتشمل الممارسات الأصيلة التي لا تزال تشكل الثقافة التنظيمية العُمانية، "السَّلام" (الترحيب والضيافة) في الحفاظ على الهوية الثقافية، و"الواسطة" (التشبيك والتأثير) في التنمية الاقتصادية، و"المجلس" (المجالس التشاورية) في تشكيل الحوكمة، و"اللبان" في التنمية المستدامة. غير أن الدراسة نفسها تشير إلى "التحديات التي تواجهها المنظمات العُمانية في التنقل بين ضغوط العولمة مع الالتزام بأهداف رؤية 2040 المتمثلة في المواءمة بين الحداثة والتقاليد".

 

خاتمة، التنظيم كصورة مصغرة للمجتمع

يمكن تكثيف الطرح الجوهري لعلم الاجتماع التنظيمي في جملة واحدة، المنظمات هي صور مصغرة للمجتمع ووسائل للتغيير الاجتماعي (Selznick, 1948). وما تحمله المؤسسات العُمانية ليس مجرد وظيفة إدارية، بل تصورات هذا المجتمع العميقة للسلطة والعلاقة والنوع الاجتماعي والتغيير. وبينما تدفع رؤية 2040 المؤسسات نحو أن تصبح "أكثر كفاءة ومرونة وإنسانية"، فإن شروط النجاح لا تكمن فقط في إصلاحات الإدارة التقنية، بل في التفاعل الواعي والمتجاوب مع هذه الأبعاد السوسيولوجية العميقة (Merton, 1957).

إن فهم المنظمات العُمانية هو فهم لكيفية إيجاد المجتمع العُماني لطريقه الخاص بين الاستمرارية والتحول. وقد يكون هذا أصدق إسهام فكري يمكن لعلم الاجتماع التنظيمي تقديمه لهذا التحول.

 

المصادر والمراجع:

 

  1. Abrutyn, S., Uscola, C., & Feldstein, K. (2025). Institutional spheres and organizational sociology: Considering the ecological and cultural dynamics of the macro realm. Journal of Organizational Sociology. https://doi.org/10.1515/joso-2023-0015
  2. Acker, J. (2006). Inequality regimes: Gender, class, and race in organizations. Gender & Society, 20(4), 441–464. https://doi.org/10.1177/0891243206298499
  3. Al-Lamky, A. (2007). Feminizing leadership in Arab societies: The perspectives of Omani female leaders. Women in Management Review, 22(1), 49–67. https://doi.org/10.1108/09649420710726229
  4. Al-Said, K. (2023). A socio-political and economic study of the effects of "anti-policy" among small and medium-sized enterprises in the Sultanate of Oman [Doctoral thesis, King's College London]. https://kclpure.kcl.ac.uk/portal/en/studentTheses/a-socio-political-and-economic-study-of-the-effects-of-anti-polic/
  5. Benschop, Y., & Doorewaard, H. (1998). Covered by equality: The gender subtext of organizations. Organization Studies, 19(5), 787–80 https://doi.org/10.1177/017084069801900504
  6. Blau, P. M. (1955). The dynamics of bureaucracy: A study of interpersonal relations in two government agencies. University of Chicago Press.
  7. Bourdieu, P. (1986). The forms of capital. In J. G. Richardson (Ed.), Handbook of theory and research for the sociology of education (pp. 241–258). Greenwood Press.
  8. Dharmasiri, A. S., Marikkar, H., & Hemachandra, N. (2024). Exploring sustainable indigenous management practices in Oman: A strategic alignment with Oman Vision 2040 (SSRN Working Paper No. 5042659). https://dx.doi.org/10.2139/ssrn.5042659
  9. Ely, R. J., Ibarra, H., & Kolb, D. M. (2011). Taking gender into account: Theory and design for women's leadership development programs. Academy of Management Learning & Education, 10(3), 474–493. https://doi.org/10.5465/amle.2010.0046
  10. Gouldner, A. W. (1954). Patterns of industrial bureaucracy. Free Press.
  11. Luhmann, N. (1964). Funktionen und Folgen formaler Organisation. Duncker & Humblot.
  12. March, J. G., & Simon, H. A. (1958). Organizations. Wiley.
  13. Merton, R. K. (1957). Social theory and social structure (Rev. and enl. ed.). Free Press.
  14. Selznick, P. (1948). Foundations of the theory of organization. American Sociological Review, 13(1), 25–35. https://doi.org/10.2307/2086752

About the Author