ما بعد الوصفة الطبية: الالتزام بالأدوية في رحلة نحو رعاية آمنة مدى الحياة
- د. هدى بنت سالم النعماني، عميدة كلية التمريض
يأتي اليوم العالمي لسلامة المرضى في 17 سبتمبر من كل عام ليطرح سؤالًا مهمًا: ماذا تعني الرعاية الآمنة لشخص يعيش مع مرض مزمن؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في عام 2026، مع اختيار منظمة الصحة العالمية موضوع: "الرعاية الآمنة للأمراض غير السارية"، تحت شعار "رعاية آمنة مدى الحياة".
فالمصابون بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وغيرها من الأمراض غير السارية قد يحتاجون إلى العلاج لسنوات طويلة، وربما مدى الحياة، والأهم أن جزءًا كبيرًا من هذه الرعاية يحدث خارج المستشفيات والعيادات؛ فالمريض يدير أدويته في المنزل والعمل وأثناء السفر، وفي خضم مسؤوليات حياته اليومية. ومن هنا، لا ينبغي أن تقتصر سلامة المرضى على ما يحدث داخل المؤسسات الصحية، بل يجب أن تمتد إلى حياة المريض اليومية، حيث يصبح الالتزام بالأدوية جزءًا مهمًا من الرعاية الآمنة.
وصف الدواء الصحيح بالجرعة المناسبة أمر أساسي، لكنه ليس سوى بداية رحلة العلاج. فالدواء لن يحقق فائدته المرجوة إذا تكررت الجرعات الفائتة، أو استُخدم بطريقة غير صحيحة، أو أُوقف دون توجيه من المختص. وقد يحدث ذلك دون قصد بسبب النسيان، أو عدم وضوح التعليمات، أو تعقيد الخطة العلاجية. وفي أحيان أخرى، قد يقرر المريض تغيير العلاج أو إيقافه بسبب الآثار الجانبية، أو القلق من استخدامه على المدى الطويل، أو عدم اقتناعه بالحاجة إلى الاستمرار فيه.
والواقع أن الالتزام بالأدوية أكثر تعقيدًا من مجرد تصنيف المريض بأنه "ملتزم" أو "غير ملتزم"، فقد أظهرت الأبحاث عالميا، وكذلك الدراسات التي أُجريت في سلطنة عُمان بين المصابين بأمراض مزمنة مختلفة، أن سلوك تناول الدواء يتشكل من تفاعل عوامل متعددة، تشمل فهم المريض ومعتقداته تجاه العلاج، والآثار الجانبية، وعبء العلاج، والثقافة الصحية، والتواصل مع الممارسين الصحيين، إلى جانب الظروف الأسرية واستمرارية الرعاية. كما أن هذا السلوك قد يتغير بمرور الوقت تبعًا للحالة الصحية، وتجربة المريض مع العلاج، وما يطرأ على حياته من ظروف ومتغيرات. ومن هنا، فإن فهم أسباب عدم الالتزام والعوامل المؤثرة فيه يظل أكثر أهمية من مجرد وصفه أو تصنيفه.
لذلك، فإن سؤال المريض: "هل تتناول دواءك؟" مهم، لكنه لا يكفي. الأهم أن نفهم ما الذي يجعل تناول الدواء صعبًا، وما المخاوف التي تشغل المريض، وما الدعم الذي يحتاج إليه ليستمر في علاجه بأمان. وهنا ننتقل من النظر إلى الالتزام باعتباره مسؤولية فردية للمريض إلى فهمه ضمن علاقة علاجية تقوم على التواصل والشراكة.
وهذا الفهم ينسجم مع توجه منظمة الصحة العالمية لعام 2026 نحو إشراك المصابين بالأمراض غير السارية كشركاء في الرعاية الآمنة. فالمريض يحتاج إلى أن يفهم لماذا يستخدم الدواء، وكيف يتناوله بصورة صحيحة، وماذا يفعل إذا واجه مشكلة. وفي المقابل، تقع على الممارس الصحي مسؤولية الاستماع، والتواصل بوضوح، والتعرف مبكرًا على العوائق التي قد تؤثر في استمرار العلاج.
ويمكن للتقنيات الرقمية ووسائل التذكير والتطبيقات الصحية الموثوقة أن تدعم هذا التوجه، لكنها لا تحل محل التواصل الإنساني. فالتطبيق يستطيع تذكير المريض بموعد الجرعة، لكنه لا يستطيع وحده معالجة خوفه من الآثار الجانبية، أو تردده بشأن العلاج، أو صعوبة التعامل مع أدوية متعددة.
ومع استمرار سلطنة عُمان في مواجهة عبء الأمراض غير السارية، فإن الالتزام بالأدوية يستحق حضورًا أكبر ضمن منظومة سلامة المرضى. فهو ليس مسؤولية المريض وحده، وإنما مسؤولية مشتركة تجمع المريض وأسرته والممرض والطبيب والصيدلي والمؤسسة الصحية وصانع القرار.
ويذكرنا اليوم العالمي لسلامة المرضى 2026 بأن الرعاية الآمنة لا تنتهي عند وصف الدواء الصحيح، بل تستمر أينما استُخدم هذا الدواء. ومن هنا، فإن تحقيق "رعاية آمنة مدى الحياة" يتطلب أن ندرك أن دعم المرضى لاستخدام أدويتهم بصورة آمنة ومنتظمة يمثل جزءًا أساسيًّا من هذا الالتزام.
About the Author