في زوايا الحرم الجامعي الواسع، حيث تختلط أصوات الطلبة الجدد بضجيج الحقائب والكتب، يخطو أحدهم بثقة لافتة نحو بداية جديدة. لم يكن الأمر مجرد أسبوع دراسي أول اعتيادي، بل كان تتويجًا لمسيرة طويلة من الإصرار تحدّى فيها الصعاب منذ نعومة أظفاره.
وُلِدَ بلا أطراف، لكنه لم يولد بلا إرادة، واليوم، يدخل أروقة كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس، حاملًا معه يدًا صناعية متطورة ترتبط بإشارات دماغه، لتصبح امتدادًا حقيقيًا لجسده وطموحه في آنٍ واحد
في هذا الحوار، نأخذكم في رحلة إلى عالم هذا الطالب المستجد، لنكتشف كيف تحوّل التحدي إلى قصة إلهام، وكيف تجتمع التقانة الحديثة مع الإصرار الإنساني لترسم ملامح مستقبل واعد.
أولًا: من حديث الأسرة
1. كيف كان شعوركم كأسرة عندما بدأتم رحلة البحث عن اليد الصناعية له، وما التحديات التي واجهتموها؟
"منذ الأيام الأولى بعد ولادته، بدأنا رحلة البحث عن العلاج يقودنا الإيمان واليقين التام بأن لكل مرض شفاء، ولكل إعاقة وسيلة تعينه وتعوّضه عمّا فقد. بدأنا العلاج داخل السلطنة، ثم توجّهنا إلى الخارج، لكن لم نجد علاجًا يمكّننا من زراعة أطراف علوية له. جاءت فكرة اليد الاصطناعية التجميلية الحاملة للقلم، فتوجهنا إلى الخارج وتم عملها، وبدأ يمارس الكتابة. كانت البداية صعبة، لكنه أتقنها مع الوقت، وهناك بدأ التفاؤل وانطلاقته نحو التعليم. التحدي الأكبر كان عدم وجود مراكز أطراف صناعية علوية في السلطنة، ما اضطرنا للسفر المتكرر للخارج."
2. ما أكثر موقف لمستم فيه إصرار وقوة إرادة ابنكم؟
"أردنا منذ البداية ألا يشعر عبد الملك بأنه مختلف عن أخوته وأقرانه، فتم دمجه في مختلف نواحي الحياة والأنشطة. ولله الحمد تجاوز فترة التساؤلات عن حالته، حتى وصل إلى مرحلة يمارس فيها حياته كشخص طبيعي تمامًا مثل إخوته. ولمسنا فيه شغف التعلم، والإصرار على التفوق، والمواظبة الدائمة على الدراسة."
3. ما النصيحة التي توجهونها لأسرة تمر بتجربة مشابهة؟
"الإيمان بالله واليقين التام بأن ما جعل الله من مرض إلا جعل له شفاء، وما أخذ شيئًا إلا عوّض عنه بخير منه. نصيحتي: عدم اليأس، والبحث عن أسباب العلاج ووسائل المساعدة، فوسائل البحث اليوم متاحة وميسّرة للجميع."
ثانيًا: من حديث الطالب
4. حدّثنا عن أسبوعك الأول في الجامعة، وما الذي لفت انتباهك في الحرم الجامعي؟
"شعرتُ بفرحة وسعادة غامرة لوصولي إلى هدفي، وانبهرتُ بهذا الصرح العلمي الراقي الذي يسير وفق نظام مرتّب ومدروس بعناية."
5. كيف كانت رحلة حصولك على اليد الصناعية؟
"رحلة طويلة منذ الطفولة، سعى فيها أهلي للبحث عن وسيلة تعينني على الإمساك بالقلم من أجل التعلم. بدأت بيد يدوية بجهود شخصية من أهلي، ثم تطورت إلى هذه اليد الإلكترونية بفضل مستشفى خولة، جزاهم الله خيرًا."
6. متى قررت ألا يحدد وضعك الصحي مستقبلك؟ وهل كانت هناك لحظة تحول؟
"منذ الطفولة قررت ألا أستسلم أبدًا، بدعم وتشجيع دائم من أهلي. وكانت لحظة التحول عند حصولي على أول جهاز يدوي استخدمته لمسك القلم؛ حينها أدركت أن طريق طلب العلم أصبح سهلًا."
7. كيف تعاملت مع فكرة "الاختلاف" في مرحلة المراهقة؟
"كنت دائمًا أردد: المختلف منّا هو من لا يستغل عقله فيما ينفعه. ما دمتَ تملك عقلًا يفكر للأمام، فأنت بصحة وعافية."
8. ما دور عائلتك في دعمك نفسيًا خلال هذه المسيرة؟
"هم سندي الأساسي وعزيمتي الدائمة، فلولاهم ما كنت وصلت إلى هنا."
9. رسالتك لكل من يقرأ هذا الحوار؟
"ما دمتُ أملك عقلًا يفكر، فأنا قادر على فعل كل شيء."