شاركت الدكتورة مسعدة بنت أحمد الجهوري، أستاذة مساعدة في التغيير التنظيمي وإدارة الموارد البشرية بجامعة السلطان قابوس، في جلسة حوارية ضمن سلسلة صيف الدقم 2026 في مقر الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، تناولت خلالها عددًا من القضايا المرتبطة بالقيادة في بيئات تتسم بالتغير والغموض، وكيف يمكن للقائد أن يستعد ويتعلم ويتخذ قرارات أفضل عندما لا تكون الصورة مكتملة.
وأوضحت الدكتورة الجهورية أن الاستعداد للقيادة لا يبدأ عند الحصول على منصب قيادي، بل قبل ذلك بوقت طويل. فالتعلم الذاتي والقدرة على قيادة النفس يمثلان أساساً لأي دور قيادي. وأشارت إلى أن تطوير القيادات مسؤولية مشتركة؛ فالمؤسسة توفر الفرص، والمدير يكتشف الكفاءات ويدعمها، بينما يتحمل الفرد مسؤولية تعلّمه وتطويره المستمر.
كما أكّدت أن اكتشاف الكفاءات لا يتم فقط من خلال التقييمات الرسمية، وإنما أيضاً من خلال قرب المدير من موظفيه وملاحظتهم أثناء العمل. فقد تظهر القدرات الحقيقية في مشروع، أو لجنة، أو مهمة جديدة، أو موقف يحتاج إلى تحمل المسؤولية واتخاذ القرار. ومن هنا تأتي أهمية منح الموظفين فرصاً تساعدهم على التعلّم وتكشُّف استعدادهم لأدوار أكبر.
وفي حديثها عن القيادة في حالات عدم اليقين، أوضحت أنه ليس مطلوباً من القائد أن يمتلك كل الإجابات. بل إن الاعتراف بعدم المعرفة أحياناً قد يكون أكثر مهنية من تقديم إجابات غير مؤكدة. وهنا يبرز مفهوم التواضع الفكري؛ أي أن يدرك القائد حدود معرفته، وأن يكون مستعداً لمراجعة رأيه كلما ظهرت معلومات جديدة.
كما أشارت إلى أن بعض القرارات في البيئات المتغيرة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نهائية، وقد يكون التريث أحياناً قراراً رشيداً إذا كان الانتظار سيوفر معلومات أفضل ويقلل من تكلفة القرار الخاطئ.
وركزت كذلك على أهمية إدارة توقعات الموظفين من خلال توضيح ما هو معلوم، وما لا يزال غير واضح، وما يمكن اتخاذ قرار بشأنه الآن وما يحتاج إلى مزيد من الوقت. أيضا تحدثت عن دور فرق ذكاء الأعمال في مساعدة القيادات على قراءة البيانات والاتجاهات ودعم القرار بمعلومات أفضل.
ومن النقاط التي أثارتها أهمية الاستشارة ومشاركة الآخرين في صنع القرار، فكل شخص ينظر إلى الواقع من زاوية غير مكتملة. لذلك يحتاج القائد إلى أن يسأل: من استشرنا؟ وهل سمعنا آراء مختلفة؟ وهل توجد مساحة حقيقية يستطيع فيها الآخرون مخالفة الرأي السائد؟
وهنا شددت على أهمية الأمان النفسي داخل المؤسسات، بحيث يستطيع الموظف طرح رأي مختلف أو نقد فكرة دون خوف، مع أهمية امتلاك الذكاء الاجتماعي والعاطفي الذي يساعده على اختيار الوقت والأسلوب المناسبين لإبداء الرأي.
كما دعت إلى بناء ثقافة تسمح بالتجريب والتعلم من الأخطاء، مع التمييز بين الإهمال والخطأ الناتج عن تجربة محسوبة. وأشارت إلى ممارسة مقترحة للتعلم المؤسسي، وهي مناقشة "أفضل خطأ ارتكبناه هذا الشهر"، أي الخطأ الذي قاد إلى تعلم أو معرفة جديدة يمكن أن تستفيد منها المؤسسة ضمن منظومة فاعلة لإدارة المعرفة.
وفي جانب اتخاذ القرار، حذرت الدكتورة الجهورية من أثر التحيزات والاختصارات الذهنية، خاصة في حالات الغموض. وأشارت إلى أهمية استخدام ممارسات مثل الفرق الحمراء ومحامي الشيطان لاختبار الأفكار والافتراضات وعدم الاكتفاء بالرأي السائد.
مع التأكيد على ضرورة التفريق بين الحقائق والافتراضات وما لا نعرفه بعد قبل اتخاذ القرار. فالمشكلة أحياناً ليست في نقص المعلومات فقط، بل في التعامل مع بعض الافتراضات وكأنها حقائق.
واختتمت الدكتورة مسعدة الجهورية بالتأكيد على أن الحدّ من التحيزات لا يتحقق فقط بالتدريب أو التوعية، بل يحتاج إلى تصميم أفضل لعملية اتخاذ القرار نفسها، من خلال أسئلة وإجراءات تساعد على فحص المشكلة والأدلة والافتراضات والآراء المختلفة، وتحد في الوقت نفسه من البيروقراطية غير الضرورية.
فالقيادة في زمن عدم اليقين لا تقوم على إظهار اليقين، بل على التعلّم والاستماع والمراجعة والتجريب، واتخاذ قرار أكثر وعيًا عندما لا تكون الصورة مكتملة.