دراسة أكاديمية ترصد تغطية الصحافة لرؤية عُمان 2040
نوقشت بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، بقسم الإعلام، رسالة ماجستير للباحثة فاطمة بنت علي بن عيسى الإسماعيلي، بعنوان: "تغطية الصحف العُمانية لرؤية (عُمان 2040): دراسة تحليلية مقارنة على عينة من الصحف الورقية والإلكترونية خلال عام 2025".
وهدفت الدراسة إلى الكشف عن خصائص التغطية الصحفية لرؤية (عُمان 2040) في الصحف العُمانية الورقية والإلكترونية الناطقة باللغة العربية، والمقارنة بين الأساليب التحريرية التي اعتمدها كل نوع في تناول موضوعات الرؤية خلال عام 2025.
وتكونت لجنة المناقشة من: د. عبد الرزاق مقدمي رئيسًا، د. عبد الوهاب بوخنوفة مشرفًا، د. حسني نصر ممتحنًا داخليًّا، أ. د. نصر الدين العياضي ممتحنًا خارجيًّا.
وشملت عينة الدراسة صحيفتَي: (عُمان)، و(الرؤية) الورقيتين، وصحيفتَي: (أثير)، و(شؤون وطنية) الإلكترونيتين، بإجمالي 704 مواد صحفية خضعت للتحليل، واستندت الدراسة إلى نظرية (ترتيب الأولويات)، واعتمدت على المنهج الكمِّي وأداة تحليل المضمون، باعتبار أن الرؤية تمثِّل الإطار الإاستراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة في سلطنة عُمان، بما يشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ومن الأهمية بمكان دراسة تناول الصحف العُمانية لموضوعاتها.
أظهرت النتائج أن التغطية الصحفية اتّسمت بطابع إخباري رسمي وإيجابي في كلا الوسيطين؛ إذ هيمن الخبر الصحفي على القوالب التحريرية، وتصدَّر إطار (الإنجاز) الأطر الإعلامية المستخدمة، في مقابل تراجُع واضح لإطار (التحديات) والمعالجة التحليلية، واعتمدت التغطية اعتمادًا كبيرًا على المصادر الرسمية، مع تبايُنٍ في آليات نقل المعلومات بين الصحف الورقية التي اتكأت على محرريها الداخليين، والإلكترونية التي اعتمدت بصورة أكبر على وكالة الأنباء العُمانية. وعلى صعيد المضامين، تصدَّرت أولوية (التنويع الاقتصادي) الأولوياتِ المحددةَ، واحتلَّت فئة (الجمهور العام) المرتبة الأولى في الفئات المستهدفة، في حين جاءت فئتا: (الشباب)، و(روَّاد الأعمال) في مراتب متأخرة. وتناول أكثر من نصف المواد الرؤيةَ تناولًا مباشرًا وعميقًا، مع ميل الصحف الورقية إلى تضمين نسبة أعلى من المواد ذات الذِّكر العابر أو الجزئي. كما كشفت الدراسة عن أن الإعلام لا يزال يؤدِّي دور الناقل أكثر من الشريك التحليلي في تحقيق الرؤى الوطنية، وتُظهر النتائج وجود تشابه واضح بين الصحف الورقية والإلكترونية في مجموعة من السمات العامة؛ هي: أولًا: يغلب على التغطية في كلا النمطين الطابع الإيجابي الداعم؛ إذ بلغت نسبة الاتجاه الإيجابي في الصحف الورقية (84.7%)، وفي الصحف الإلكترونية (74.5%)؛ وهو ما يعكس اتجاهًا عامًا لتقديم رؤية (عُمان 2040) بوصفها مشروعًا وطنيًّا محل توافُق ودعم إعلامي.
ثانيًا: يتصدَّر إطار (الإنجاز) في كلا النمطين (32.4% ورقي، و31.4% إلكتروني)؛ ما يشير إلى تركيز التغطية على إبراز ما تحقَّق من منجزات أو خطوات مرتبطة بالرؤية.
ثالثًا: تتقارب الصحف الورقية والإلكترونية في استهداف الجمهور العام بوصفه الفئة الأكثر حضورًا (33.2% ورقي، و35.2% إلكتروني)؛ بما يعكس توجُّهًا نحو نشر الرؤية على نطاق واسع لدى الجمهور غير المتخصص.ورغم هذا التشابه، تكشف النتائج عن اختلافات في بنية التغطية وعمقها وطرائق إنتاجها ونقلها؛ فعلى مستوى نوع المعالجة، تصدَّرت المعالجة الخبرية في كلا النمطين، إذ بلغت (58.1%) في الصحف الورقية و(50.0%) في الصحف الإلكترونية، في حين ارتفعت المعالجة التحليلية/التفسيرية نسبيًّا في الصحف الإلكترونية إلى (30.4%) مقابل (24.1%) في الصحف الورقية؛ وهو ما يشير إلى ميل نسبي أكبر لدى الصحف الإلكترونية نحو تقديم المعالجة التفسيرية، مع بقاء المعالجة الخبرية هي النمط الغالب في كلا الوسيطين.
وعلى مستوى مصادر نقل المعلومات، يظهر الفارق أكثر؛ إذ تعتمد الصحف الورقية بدرجة أكبر على محرري الصحيفة (51.3%) كناقل أساس للمعلومات، بينما تعتمد الإلكترونية اعتمادًا مرتفعًا على وكالة الأنباء العُمانية (65.7%)؛ ما يعني أن جزءًا كبيرًا من المحتوى الإلكتروني يتغذَّى من المصدر الرسمي المركزي أكثر ممَّا يتغذَّى من إنتاج تحريري داخلي، مقارنةً بالصحف الورقية، وعلى مستوى الفئات المؤثِّرة، تُظهر النتائج حضورًا ملحوظًا لكلٍّ من صُنَّاع القرار والمستثمرين ضمن الفئات المستهدفة في الصحف الورقية والإلكترونية، مع بقاء الجمهور العام الفئة الأكثر حضورًا في كلا النمطين؛ وهو ما يعكس اهتمام التغطية، إلى جانب مخاطبة الجمهور الواسع، بالفئات القيادية والاقتصادية المرتبطة بتنفيذ مستهدفات الرؤية.
أما فيما يتعلق بدرجة الارتباط الفعلي بالرؤية، فتُظهر الصحف الإلكترونية مستوًى أعلى من التناول المباشر/ العميق (58.8%) مقارنةً بالصحف الورقية (50.0%)، وتتقارب نسبة (الذِّكر العابر) بين النمطين، مع ارتفاع طفيف في الصحف الإلكترونية (26.5%) مقارنةً بالورقية (26.1%)، في حين ترتفع فئة (التناول الجزئي) في الصحف الورقية (23.6%) مقارنةً بالإلكترونية (14.7%) . وجاءت أبرز توصيات الدراسة دعوة المؤسسات الصحفية العمانية إلى رفع نسبة المواد التحليلية والتفسيرية والتحقيقية عند تناول رؤية (عمان 2040)، والحدِّ من الاقتصار على القالب الإخباري، التي تُقدِّم للقارئ فهمًا أعمق لأبعاد الرؤية وتداعياتها؛ أي: لا تكون الصحف مجرد ناقل للخبر فقط، بل شريك في التنمية يمارس النقد البنَّاء؛ لتعزيز قيمة المكاشفة والمصداقية؛ من خلال تبنِّي استطلاعات رأي أو تحقيقات صحفية أكثر عمقًا توضِّح للقارئ مراحل تحقيق الرؤية. ضرورة تجاوز المؤسَّساتِ الصحفية الاعتماد الأحادي على المصادر الرسمية والحكومية، والسعي إلى استقطاب آراء الخبراء والمختصِّين وممثِّلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، مع تعزيز التحرير الداخلي في الصحف الإلكترونية بدلًا من الاكتفاء بإعادة نشر مواد وكالة الأنباء، وبتبنِّي مقاربة أكثر توازنًا تجمع بين إبراز منجزات الرؤية من جهة، وطَرْح التحديات ومقترحات الحلول من جهة أخرى؛ بما يُعزِّز مصداقية الخطاب الإعلامي، ويُشجِّع على المشاركة المجتمعية الفاعلة. وتشجيع المؤسَّساتِ الصحفية لإعداد خطط تحريرية سنوية مخصَّصة لموضوعات الرؤية، تكفل توزيعًا متوازنًا على مدار العام، وتتجاوز الارتباط بالمناسبات والفعاليات، مع رَبْط التغطية بالتقارير الدورية لمؤشرات أداء الرؤية، وبتطوير كفاءات الصحفيين في مجال الإنفوجرافيك وصحافة البيانات، وتوظيف الوسائط المتعددة والمحتوى التفاعلي؛ لتحويل مؤشرات الرؤية وأرقامها إلى محتوًى بصري جذَّاب وسهل الاستيعاب.
وتشجيع المؤسَّساتِ الصحفية على تصميم محتوًى صحفي موجَّه لفئتَي: (الشباب، وروَّاد الأعمال)؛ يُبرز الفرص التي تُتيحها الرؤية، ويستعرض نماذج النجاح الملهِمة؛ نظرًا لضعف حضور هاتين الفئتين في التغطية المرصودة؛ أي: (أنسنة) الرؤية بالتركيز على قصص النجاح المجتمعية، وكيف تنعكس إيجابًا على تحقيق مؤشرات رؤية (عُمان 2040). و تفعيل (دليل استرشادي) للمؤسَّسات الإعلامية يحدِّد كيفية رَبْط المواد الصحفية بطريقة موضوعية وليست شكلية فحسب؛ ممَّا يدفع الصحفيين إلى استخدام مستهدفات الرؤية كإطار مرجعي وليس إضافة عابرة في السياق الإخباري وخلفية عامَّة فقط . وعلى الصعيد الأكاديمي توسيع نطاق الدراسات الأكاديمية المتعلِّقة بالإعلام ورؤية (عُمان 2040) في اتجاهين متكاملين؛ الأول: إثراء المكتبة العُمانية بدراسات تتناول أساليب التغطية الصحفية للرؤية من زوايا متعددة؛ كتحليل الخطاب النقدي، ودراسة التغطية عبر منصات التواصل الاجتماعي المحلية، والثاني: قياس أثر هذه التغطية على اتجاهات الجمهور العُماني، ومدى توافُق الخطاب الإعلامي مع تطلُّعاتهم وفهمهم الفعلي لأولويات الرؤية وآليات تنفيذها.
About the Author