youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



Banner-02639152067601731256

 

الجمال: حقيقة في الأشياء أم فينا

06 Sep, 2026 |

 

بقلم: شمّاء بنت خالد البلوشي

 

ليس الناس سواءً في نظرتهم إلى الحياة؛ فمنهم من يمرّ على الوجود فلا يرى إلا ظاهره، ومنهم من ينفذ ببصيرته إلى أسراره، فيرى في كل شيء موطنًا للجمال. أولئك الذين أشرق الجمال في نفوسهم، ففاض على أبصارهم، وانعكس على أيامهم، والذين لم ينتظروا أن يُهدى الجمال إليهم، بل سعوا إليه، واستخرجوه من دقائق الأشياء وبواطنها، ثم بثوه فيما حولهم، حتى صار حضورهم نفسه صورةً من صوره..

غير أن للجمال منبعًا أولًا، وإليه تنتهي جميع منابعه، وهو النفس. فما كان الجمال في الخارج إلا انعكاسًا لما استقرّ في الداخل، ومن خلت نفسه من الجمال، لم تقع عينه عليه، مهما أحاطت به مظاهره.

وأؤمنُ أنَّ الإنسان لا يرى الأشياء على حقيقتها بقدر ما يراها من خلال حقيقة نفسه؛ فما يتراءى لعينيه ليس إلا انعكاسًا لما استقرَّ في أعماقه..فمَن ألفَ أن يستوقفه الجمال في أدقِّ التفاصيل وأبسط المشاهد، فإنما يحمل في داخله روحًا تفيض بهاءً ونقاءً، وأمَّا مَن لا تقع عيناه إلا على مواطن النقص، ولا يستقرُّ بصره إلا عند مظاهر القبح، حتى يغدو إدراكه أسيرًا لها، فإنما يُفصح نظره عمَّا تضيق به نفسه وتختلج به سريرته، فالعين لا تُبصر الأشياء فحسب، بل تكشف — من حيث لا تشعر — عن العالم الذي يسكن صاحبها..

ولعلَّ هذا المعنى هو ما تجلَّى في قول خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس في روايته روزينها: زورقي الصغير:"إنَّ الجمال لا يكمن في الأشياء، بل في دواخل الناظرين إليه"

 وقد أدرك إيليا أبو ماضي هذه الحقيقة، فأوجزها في شطر، فقال:

“كن جميلاً تَرَ الوجودَ جميلًا”

ثم مضى ينسج قصيدته على المعنى ذاته، مؤكدًا أن الإنسان لا يرى من الوجود إلا ما تُبصره نفسه.

“ أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ

كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلا

إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ

تَتَوَقّى قَبلَ الرَحيلِ الرَحيلا

وَتَرى الشَوكَ في الوُرودِ وَتَعمى

أَن تَرى فَوقَها النَدى إِكليلا

هُوَ عِبءٌ عَلى الحَياةِ ثَقيلٌ

مَن يَظُنُّ الحَياةَ عِبءً ثَقيلا

وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ

لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلا

:ويختم قصيدته بقوله

أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ

كُن جَميلاً تَرَ الوُجودَ جَميلا”

فالجمال لا يهبط على النفس البشرية من خارجها، وإنما يفيض منها؛ فما القلب إلا المرآة التي ينعكس عليها الوجود، فإن كانت صافية أرت صاحبها من الحسن ما خُفي على غيره، وإن اعتراها الكدر لم تقع إلا على مواطن النقص، ولو أحاط بها الجمال كل جانب.

ولأجل ذلك قال المتنبي:

“إِذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَت ظُنونُهُ

وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ” 

ولذلك لا يُؤتى سرّ الجمال كل ناظر، وإنما يُؤتاه قلب اغتسل من كَدر الهوى، وصفت مرآته من غشاوة الأغراض، واستحال من فرط نقائه بصيرة تُبصر بالروح قبل البصر..

 أمّا أولئك الذين عميت قلوبهم وحجبت عن إدراك الجمال، فلن تقع أعينهم عليه وإن كان ماثلًا أمامهم، فالعين لا تُبصر الجمال ابتداءً، وإنما يبصره القلب، فإذا عمي القلب، غابت عن العين حقائق الحُسن وإن امتلأ بها الكون، ولذلك يقول الله تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

والعشاق على وجه الخصوص، لأنهم ينظرون للجمال، رُوي أن عزّة دخلت على الحجاج فقال لها يا عزّةُ! والله ما أنتِ كما قال فيكِ كُثَيّر، فقالت: أيها الأمير إنه لم يَرَني بالعين التي رأيتَني بها

أي كان يراني بعين ليست موجودة عندك، بعين مُحِب، لذلك يرى فيها الجمال، العشاق إذا أحبّوا، فإنهم يحبون أي شيء يتعلق بمحبوبته تلك، جميع شؤونها وتفاصيلها الصغيرة 

ولذلك قال مجنون ليلى:

"أحبُّ من الأسماء ما وافق اسمها

أو أشبهه أو كان منه مدانيا"

وقال:

أمر على الديار ديار ليلى"

أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا"

 وهنا تتجلّى حقيقة الحب؛ فالمحب لا يرى الجمال في المحبوب وحده، بل في كل ما اتصل به، فيستحيل الاسم جميلًا لأنه اسمها، والدار عزيزة لأنها دارها، وكأن المحبة قد أسبغت على الأشياء من جمالها ما لم يكن فيها من قبل..

ولذلك الأعشى يقول:

"وأحبّها وتحبُّني وتحبّ ناقتُها بعيري"

وهنا بالغ الأعشى في تصوير أثر المحبة، حتى ليخيل إليه أن الجمال والمودة قد سريا إلى كل ما يتصل بالمحبوبة، حتى غدت ناقتها تبادل بعيره الودّ! 

ولعلّ من هنا جاء قولهم: إن الحب أعمى

غير أن بعض الأدباء كان يرى في هذا القول مجازفة، فالحب في نظره لا يعمي البصر، بل يهب القلب بصيرة لا يملكها سواه. فالمحب يرى في محبوبه من المحاسن ما يغيب عن أعين الآخرين، لأنه ينظر إليه بعين الرضا، لا بعين السخط، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله:

"وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ

"وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا

فعين السخط لا تقع إلا على مواطن الضعف والنقص، وتتعلق بالهفوات، حتى تغفل عن وابل من الجمال من أجل شائبة يسيرة. أما عين الرضا فإنها لا تنكر الزلل، ولكنها تتجاوز عنه وتلتمس له عذرًا، وتُبقي الجمال في منزلته. فكما أن عين السخط قد ترى الصواب والحسن مقلوبًا، فإن عين الرضا تُحسن تأويل الزلّة،وتغلب حسناتها على هفواتها.

ولعلّ سرّ الجمال كله أن نحسن الالتفات؛ فالأشياء الصغيرة التي نعبرها دون انتباه قد تكون أكثر ما يترك في النفس أثرًا..فتلمّسوا جمال التفاصيل من حولكم، واستودعوا قلوبكم دفء اللحظات وعذوبة العيش؛ فإن في الحياة مشاهد لا تحتاج إلى عظمة كي تُدهشنا، بل تحتاج فقط إلى قلبٍ حاضر يعرف كيف يرى، فبعض الأشياء لا تمر بنا لتُنسى، وإنما تأتي لتدعونا إلى الوقوف عندها قليلًا، لندرك أن الجمال كان قريبًا منّا، لكننا نحتاج إلى عين تُبصره!

About the Author