الطاولة البيضاوية: سيرة المكان وذاكرة التجربة
- د. علي بن سعيد الريامي أستاذ مشارك/ قسم التاريخ
ليس من السهل أن يغادر المرء مكانًا ألفه ست سنوات، لا سيما حين لا يكون ذلك المكان مجرد مكتب، بل شاهدًا حيًّا على أيام متلاحقة من العمل، وحوارات لا تُحصى، وقرارات وُلدت على عجل أو نضجت على مهل، ومواقف أصابت التقدير أو أخطأته.
أتحدث عن مكتبي في قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس؛ المكتب الذي انتقلت إليه في الأول من سبتمبر 2020م، يوم بدأت مهمتي رئيسًا للقسم. وها أنا اليوم أجمع كتبي، وألملم أوراقي وكبسولات قهوتي، وقد راودني شعور بأنني لا أرتب أشياء جامدة فحسب، بل أطوي فصلًا كاملًا من حياتي المهنية.
كانت عودتي إلى القسم امتدادًا لمرحلة أخرى لا تقل أثرًا؛ فقد أمضيت قبلها ثلاث سنوات ممثلًا أكاديميًّا للجامعة في كلية الدفاع الوطني، في تجربة فتحت لي نافذة على بيئات التفكير الاستراتيجي وصنع القرار. لكن، بعد ثلاث سنوات، عدت لا إلى مكان غريب، بل إلى البيت الأكاديمي الذي بدأت فيه مسيرتي المهنية؛ لأتسلم رئاسة القسم.
تمتد المناصب الإشرافية في الجامعة ثلاث سنوات قابلة للتجديد لثلاث أخرى، وقد اكتملت لي الدورتان، والحمد لله على تمامهما. وأحسب أن تلك السنوات الست مدة كافية لكي يقدم الإنسان ما يستطيع، ثم يفسح المجال لغيره؛ فالمؤسسات الحية تحتاج إلى تجدد الدماء، ويأتي كل جيل حاملًا شيئًا من أثر من سبقه، ليضيف إليه بصمته الخاصة.
وحين أتأمل تعاقب الأجيال في القسم، أجد نفسي ضمن الجيل الثاني من الأكاديميين العُمانيين، وقد مرّ به أساتذة عُمانيون وغير عُمانيين تركوا أثرًا عميقًا فينا، ولست هنا بصدد التأريخ لمسيرة القسم أو إحصاء أسماء من مروا عليه، لكنني لا أستطيع عبور هذه الذاكرة دون الوفاء لأولئك الذين تتلمذنا على أيديهم، ثم أصبحنا زملاء لهم. غادر بعضهم المكان، لكنهم لم يغادروا الوجدان؛ فقد جمعوا إلى العلم طيبة القلب، ونبل المواقف، والتواضع، وهي خصال تظل في ذاكرة التلميذ ربما أكثر من الدروس العلمية نفسها.
بدأت رئاستي للقسم في قلب مرحلة انتقالية كبرى شهدتها الجامعة؛ تغييرات هيكلية، وتقاعد أعداد من الموظفين، وجائحة كوفيد-19، وأزمة اقتصادية كانت قد ألقت بظلالها على مختلف القطاعات. وفي خضم تلك التحولات، خرجت كذلك منسقة القسم إلى التقاعد المبكر، فوجدت نفسي رئيسًا للقسم ومنسقًا له في الوقت نفسه. كانت سنة أو تزيد من العمل المرهق، لكنها علمتني أن الإدارة ليست مكتبًا ولا لقبًا، بل استعداد يومي لملء الفراغ حين يظهر، والقيام بما ينبغي حتى لا تتوقف عجلة العمل.
ومع تحسن الأوضاع، بدأ القسم يستعيد شيئًا مما فقده من الكفاءات؛ حين انضم إليه اثنان من مخرجات القسم كانا قد حصلا على الدكتوراه، ليتم تعيينهما أستاذين مساعدين في التاريخ الحديث. والتحقت بالقسم منسقة جديدة، ثم مُنح القسم درجتين وظيفيتين بدرجة مدرس، وقد حظي بفرصة التعيين فيهما كوادر وطنية مؤهلة من مخرجات القسم أيضًا، وهما يستكملان اليوم دراسة الدكتوراه في المملكة المتحدة، في تخصصات يحتاج إليها القسم. ومع عودة إحدى المبتعثات من الدكتوراه، بدأت العجلة تستعيد دورانها.
ولم يكن ذلك ليتحقق لولا دعم عمادة الكلية وإدارة الجامعة وتعاون الزملاء؛ فقد أنجزنا الكثير، وتأجلت طموحات أخرى، وربما أخفقنا في بعض ما تمنينا، وتلك طبيعة العمل في بيئة سائلة لا تتوقف عن متابعة المستجدات ومواكبتها.
لعل من أبرز المحطات التي أرى أهمية الإشارة إليها مسيرة الاعتماد الأكاديمي لبرامج القسم، التي بدأت فعليًّا قبل رئاستي؛ فقد حصل القسم عام 2019م على اعتماد مشروط من المؤسسة الألمانية للاعتماد الأكاديمي (AQAS)، وكان علينا استكمال المتطلبات والاستجابة للملاحظات، حتى تُوِّج العمل بالحصول على الاعتماد الكامل. ولم يكن ذلك إنجاز شخص بعينه، بل ثمرة جهد جماعي تراكم عبر أكثر من مرحلة ورئاسة.
وفي نوفمبر 2025م، وجدنا أنفسنا أمام محطة جديدة، حين زار القسم فريق من المؤسسة الألمانية نفسها لتقييم برنامجي البكالوريوس والماجستير وتجديد اعتمادهما. وقد سبقت الزيارة أشهر من العمل المتواصل مع وحدة ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي بالكلية، إلى جانب جهات متعددة داخل الجامعة وخارجها.
تطلب الأمر إعداد الوثائق والأدلة، ومراجعة التقارير والبيانات، وتنظيم اللقاءات مع الطلبة والأساتذة وأعضاء المجلس الاستشاري بالقسم. وكانت مرحلة مضنية، لكنها كشفت مرة أخرى قيمة العمل الجماعي. وانتهى التقييم بمنح البرنامجين اعتمادًا مشروطًا باستكمال بعض الإيضاحات والوثائق، وهي متطلبات يعمل القسم حاليًّا على استيفائها. وبكل تأكيد، أدرك شخصيًّا أن الجودة ليست شهادة تُعلَّق، بل عملية متجددة من المراجعة والتطوير والتحسين.
وفي موازاة ذلك، دخلنا دورة تحديث برنامج البكالوريوس، لم يكن المطلوب تبديل أسماء مقررات، بل إعادة التفكير في بنية البرنامج في ضوء التحولات في تدريس التاريخ، والتقنيات الحديثة، والدراسات البينية، والمهارات التي يتطلبها سوق العمل. أُنجزت الخطة المحدثة بتوفيق من الله وتعاون الزملاء، وبقي استكمال خطط المقررات الدراسية وإجراءات اعتمادها؛ وهي أمانة تنتقل إلى من يأتي بعدي.
كما سعينا إلى بناء شراكات أكثر فاعلية مع المؤسسات ذات الصلة بالتخصص، خاصة بعد انضمام ممثلين عن عدة جهات إلى المجلس الاستشاري للقسم، بالتوازي مع الانفتاح على باحثين من جامعات عربية وآسيوية وغربية، واستضافة محاضرين، وحلقات نقاش، وعمل، حضوريًّا وعن بُعد. وهكذا اتسعت شبكة العلاقات المهنية للقسم، وتحولت إلى مورد معرفي للطلبة والأساتذة معًا.
ومن التجارب الأقرب إلى نفسي ملتقى طلبة الدراسات العليا، الذي أطلقنا عليه اسم "جسور: تواصل الأجيال والثقافات"، نظمنا ثلاث نسخ متتالية، وكنا نتعامل مع كل نسخة بوصفها فرصة للتعلم والتطوير. جمع الملتقى طلبة الماجستير والدكتوراه، وخريجي البرنامج، والطلبة الدوليين، وحرصنا على دعوة أساتذتنا السابقين؛ ليظل التواصل قائمًا بين أجيال القسم.
وتضمن برنامج الملتقيات حلقات نقاشية حول قضايا معرفية ومنهجية، واختُتمت نسخه الثلاث، على التوالي، برحلات إلى معالم تاريخية وحضارية؛ من متحف عُمان عبر الزمان ومدينة نزوى التاريخية، إلى المتحف الوطني وقلعة الميراني، وفي الملتقى الثالث إلى قلعة نخل ومعالمها الطبيعية. هناك، بعيدًا عن الرسميات، كانت تتشكل معرفة من نوع آخر، وتنمو علاقات إنسانية لا تقل قيمة عن الحلقات النقاشية والأوراق العلمية.
كنت مؤمنًا بأن الأستاذ، في مختلف المراحل التعليمية، يحترق كالشمعة ليضيء لطلبته الطريق، لكنه لا يستطيع أداء رسالته منفردًا؛ فالبيئة التعليمية ثمرة تعاون الأكاديميين والإداريين والفنيين والعاملين جميعًا، والطلبة هم الغاية الأسمى.
ولا يعني التعاون أن نتطابق في الرأي؛ فالاختلاف طبيعي، لكنه ينبغي أن يبقى في حدود الموقف، فإذا انتهى الموقف انتهى ما صاحبه. وربما احتجنا أحيانًا إلى شيء من الصبر الاستراتيجي، وإلى منطقة وسطى تبقي قنوات التواصل مفتوحة؛ فالعمر أقصر من أن نهدره في اختلافات الرأي والرؤى، والمؤسسات أكبر من خلاف عابر.
والآن، وأنا أستعد لمغادرة المكتب، أتفحص الأشياء التي قد تبدو لدى البعض صغيرة، لكنها تمثل بالنسبة لي تفاصيل ذاكرة المكان. أهمها ثلاثة أشياء التصقت بذاكرتي: الطاولة البيضاوية الشكل، ورفوف الكتب، ولوحة الإعلانات.
نادرًا ما جلست خلف مكتب رئيس القسم؛ إذ لم أشعر أن في الجلوس وراءه ميزة، بينما كنت أجد نفسي أكثر عند الطاولة البيضاوية التي تتوسط المكتب، حيث نعقد الاجتماعات الصغيرة، وأستقبل الطلبة والزملاء والزائرين. باختصار، كانت تضعني ومن يجلس معي في مستوى واحد، بلا حاجز رمزي بين رئيس ومرؤوس، أو أستاذ وطالب؛ لذلك ألفتها، وأحسب أنها ألفتني بدورها.
رفوف الكتب كانت تكبر بعد كل معرض كتاب، أو الدخول لمتجر كتب، أو دار نشر، أو عودة من مؤتمر، وتنقص كلما استعار طالب كتابًا ثم غاب عنوانه عن ذاكرتي. لم أكن أسجل أسماء المستعيرين، فضاعت كتب لم تسعفني ذاكرتي المثقوبة في استردادها.
وحين جمعت ما بقي منها في ستة صناديق كرتونية، أدركت مقدار ما ابتُليت به؛ وكأن شراء الكتب وجمعها أضحى هواية، كمن يهوى اقتناء التحف، أو طوابع البريد، أو النقود، مع أن تلك الصناديق لا تمثل إلا جزءًا صغيرًا من مكتبتي التي بدأت بذرتها تنمو معي في المرحلة الابتدائية، مذ كنت صغيرًا، حين اشتريت معجم "المنجد في اللغة والأعلام"، فعدت به فرحًا إلى البيت كمن عاد بكنز ثمين.
أما لوحة الإعلانات وما علق فيها، فكانت أكثر الأشياء قدرة على استدعاء الوجوه والأصوات. صحبتها من مكتبي السابق، وتحولت بمرور السنوات إلى أرشيف شخصي مصغر، ومن بين أهم ما عُلّق فيها: حوار قديم مع الدكتور عبد الله بن ناصر الحارثي -رحمه الله- ومقابلة مع الدكتور عصام بن علي الرواس، نُشرت باللغة الإنجليزية في 7 مارس 2004م بمانشيت عريض ترجمته: "على الولايات المتحدة أن تتوقف عن فرض الديمقراطية". ولم تكن جرأة الطرح تلك غريبة على الدكتور عصام؛ فهو باحث وقارئ عميق للأحداث، يجيد وصل ما مضى من التاريخ بما يجري على مسرح السياسة المعاصرة. وكانت خلاصة الفكرة أن الديمقراطية لا تُفرض بالقوة على شعوب المنطقة، مع نقد ازدواجية المعايير التي تمارسها الولايات المتحدة والغرب حين يتعلق الأمر بالعالم العربي والعالم الثالث.
ومقالة بعنوان "فلسفة التاريخ" للأستاذ الدكتور محمد صابر عرب -رحمه الله-، وهو من الموضوعات القريبة إلى نفسي واهتماماتي، إلى جانب مقالتي القديمة "التاريخ الاجتماعي: رحلة البحث في ذاكرة المجتمع" المنشورة عام 2009م.
كما توجد صورة فوتوغرافية قديمة تجمع عددًا من أساتذة القسم المؤسسين، وتلك الصورة تهمس لي بشكل يومي لتقول: إن تاريخ القسم لا يسكن الملفات وحدها، بل يسكن الوجوه والعلاقات واللحظات العابرة.
وكان آخر ما علقته في لوحة الإعلانات مطوية ملتقى مشاريع التخرج البينية الأول قسم الموسيقى، حيث شاركت طالبتان أشرفت عليهما بمعية رئيسة قسم الموسيقى عن التاريخ والتدوين الموسيقي للفنون البحرية العُمانية في ولاية صور. كان المشروع ترجمة لقناعة راسخة لدي بأن التاريخ، في جوهره، هو حركة الإنسان في المجتمع، لا مجرد سجل للبطولات والمعارك والمؤامرات، وأن الدراسات التاريخية لا بد أن تنفتح على الحقول المعرفية الأخرى.
ويستقر على سطح إحدى الخزانات المكتبية أصيص صغير نمت فيه نبتة البوتس المتسلقة. كنت قد حملته معي، منذ قرابة خمس سنوات، بمناسبة يوم الشجرة العُماني، من تنظيم مجموعة الجغرافيا. تورق النبتة عندما تُروى، وتذبل عندما تُهمل؛ حالها كحال الإنسان، يعطي كل ما لديه حين يجد الحب والرعاية والاهتمام، ويذوي كلما فقدها.
وحين أنظر اليوم إلى الطاولة البيضاوية، وصناديق الكتب، ولوحة الإعلانات، وشجرة البوتس المتسلقة، أدرك أن السنوات الست لم تكن سلسلة من الاجتماعات والتعاميم والملفات، وإن كانت تلك كلها جزءًا من العمل اليومي؛ بل كانت، قبل ذلك، تجربة إنسانية كاملة: تعبًا وأملًا، نجاحًا وتعثرًا، اختلافًا وتوافقًا، وصداقات مهنية نمت في زحام العمل.
لم أحقق كل ما أردت، ولا أزعم أن الطريق كان خاليًا من التحديات أو حتى ارتكاب الأخطاء، لكنني حاولت، بصدق وطمأنينة، أن يتحرك القسم إلى الأمام بجهد جماعي شارك فيه كل من آمن برسالته. وما هذه إلا شذرات من حراك طويل، أحببت مشاركتها مع القراء، وخاصة زملائي في القسم، لا بوصفها بيانًا للإنجاز، بل وفاءً للمكان ولمن عبروا به معي، واعترافًا بأن المناصب تنتهي، أما أثر الناس فباقٍ.
أغادر المكتب بشيء من الحنين، وبكثير من الامتنان، وأحمل معي أمنية بسيطة تأجلت طويلًا: حياة أكثر هدوءًا، ووقتًا يتسع للقراءة؛ لأعود إلى التوحيدي من خلال كتابه الشيق "الإمتاع والمؤانسة"، وإلى القراءة في أدب الرحلات من خلال ثلاثة كتب للشاعر والكاتب الراحل محمد الحارثي اشتريتها مؤخرًا: "عين وجناح" و"محيط كتمندو"، و"فلفل أزرق"، وسيرة روائية "الأعمى الذي أبصر الخيل" لغسان الروشدي. ولعلني، بعد كل هذا الضجيج أستلهم إبصار ما لم أبصره، وأعود لأكون أكثر قربًا من نفسي.
About the Author