كتبت: د. خلود بنت راشد العبري
دفعة 41| جامعة السلطان قابوس
وصولكم إلى جامعة السلطان قابوس ليس مجرد انتقال إلى مرحلة دراسية جديدة؛ بل هو ثمرة جهد ونجاح استحققتموه، وبداية لرحلة ستضيف الكثير إلى معارفكم وشخصياتكم ومستقبلكم. فالجامعة ليست قاعات ومحاضرات واختبارات فحسب؛ بل مساحة لاكتشاف الذات، وبناء العلاقات، وتنمية المهارات، وتحمل المسؤولية، وصناعة تجارب وذكريات سترافقكم طويلًا.
مع خطواتكم الأولى، ستجدون أنفسكم في بيئة مختلفة عمّا اعتدتم عليه. ستلتقون بطلبة من مختلف المحافظات، يحمل كل منهم أفكارًا وتجارب وقصصًا متنوعة. وربما تكون هذه المرحلة هي الأولى التي يمسك فيها بعضكم ببوصلة يومه بنفسه؛ فينظّم وقته، ويتابع دراسته، ويختار أصدقاءه، ويدير مصروفاته، ويتخذ قراراته، وربما يعيش بعيدًا عن أسرته.
ومع هذه المساحة الجديدة من الحرية تأتي مسؤولية أكاديمية أكبر؛ فالنجاح الجامعي لا يبدأ قبل الاختبارات بأيام، بل يُبنى تدريجيًا؛ بمحاضرة تحضرها، ومهمة تنجزها في وقتها، وسؤال تطرحه عندما تحتاج إلى الفهم، ووقت تديره بوعي. لا تؤجلوا التزاماتكم، وتذكروا أن النجاح الجامعي ليس سباقًا قصيرًا، بل رحلة تحتاج إلى خطواتٍ ثابتة ونَفَسٍ طويل.
ومن الطبيعي ألا يحدث التكيّف منذ اليوم الأول. قد تبدؤون بحماس كبير، ثم تجدون أنفسكم أمام جدول مزدحم، ومتطلبات أكاديمية مختلفة، وعلاقات اجتماعية جديدة. وقد تشعرون بالقلق أو الحنين إلى المنزل، أو الخوف من عدم تحقيق توقعاتكم أو توقعات الأسرة. وربما تسألون أنفسكم: هل اخترت التخصص المناسب؟ هل سأنجح؟ هل سأجد أصدقاء يشبهونني؟ هذه التساؤلات لا تعني أنكم تسيرون في الاتجاه الخطأ؛ فكل بداية تحتاج إلى وقت حتى نجد إيقاع خطواتنا فيها.
وهنا تأتي أهمية الصحة النفسية؛ فالضغط النفسي بدرجة معتدلة قد يكون دافعًا للإنجاز، لكنه عندما يتراكم دون إدارة جيدة قد يتحول إلى حمل خفي في حقيبة الطالب؛ يؤثر في النوم والتركيز والدافعية والمزاج والعلاقات، وقد يمتد أثره إلى التحصيل الأكاديمي وجودة الحياة.
لذلك، لا تفصلوا صحتكم النفسية والجسدية والاجتماعية عن نجاحكم الأكاديمي؛ فالطالب لا يدخل قاعة المحاضرة بعقله وحده، بل يدخلها بكل ما يحمله داخله، وكلما تحقق التوازن بين هذه الجوانب، أصبح أكثر قدرة على التعلّم والتكيف ومواجهة التحدّيات.
اصنعوا منذ البدء عادات يومية تناسبكم؛ نظموا وقتكم، ولا تؤجلوا مسؤولياتكم الدراسية، واحرصوا على النوم والراحة والنشاط البدني، واتركوا مساحة للهوايات والأسرة والأصدقاء. اختاروا رفاق الرحلة بعناية، واحترموا اختلاف الآخرين، وحافظوا على قيمكم ومبادئكم. ولا تجعلوا المقارنة بالآخرين مقياسًا لنجاحكم؛ فلكل طالب طريقه وسرعته وقصته الخاصة.
وإذا تعثرتم يومًا، فتذكروا أن التعثر محطة وليس نهاية الطريق. درجة منخفضة أو مقرر صعب أو تجربة لم تسر كما خططتم لها، لا تختصر قدراتكم ولا تحدد مستقبلكم. أحيانًا تعلمنا المنعطفات أكثر مما تعلمنا الطرق المستقيمة.
وعندما تصبح الضغوط أكبر من قدرتكم على التعامل معها، لا تنتظروا حتى يتحول الهمس داخل النفس إلى ضجيج، طلب الدعم في الوقت المناسب يعكس وعيًا ومسؤولية تجاه الذات، وليس ضعفًا.
وفي مركز الإرشاد الطلابي، نحن هنا لنكون أحد داعميكم في هذه الرحلة؛ نستمع إليكم، ونساندكم، ونساعدكم في التعامل مع التحديات النفسية والاجتماعية والأكاديمية. المهم أن تعرفوا أن هناك دائمًا بابًا يمكنكم طرقه عندما تحتاجون إلى الدعم.
أمامكم سنوات مليئة بالفرص؛ تعلموا، شاركوا، اكتشفوا مواهبكم، كوّنوا صداقات، جرّبوا، أَخْطِئُوا، تعلموا وانْمُوا. لا تجعلوا هدفكم مجرد الوصول إلى يوم التخرج، بل أن تصلوا إليه وأنتم أكثر معرفة بأنفسكم، وأكثر ثقة بقدراتكم، وأكثر استعدادًا للمستقبل.
أهلًا بكم في جامعة السلطان قابوس... احملوا طموحكم، واجعلوا العلم بوصلتكم والتوازن رفيقكم؛ فهنا تبدأ الرحلة، أما تفاصيلها الجميلة فأنتم من سيكتبها.