youtyop639152077094630560

watsapp639152076853189029

instagram639152076329364279

instagram639152076329364279

watsapp639152076670798966

watsapp639152076853189029

youtyop639152077094630560



Banner-02639152067601731256

 

أشجارُ القرمِ في عُمان: إرثٌ بيئيٌّ لمستقبلٍ مستدام

26 Jul, 2026 |

 

 

  • د. أحلام الهنائي

 

يُمثِّلُ السادسُ والعشرونَ من يوليو من كلِّ عامٍ مناسبةً دوليةً للاحتفاء باليوم العالمي لصون النظم الإيكولوجية لأشجار القرم. وانطلاقًا من القيمة البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي تُمثِّلها غاباتُ القرم، فقد اعتمدت منظمةُ الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) هذا اليومَ لتسليط الضوء على أهمية هذه النظم البيئية الساحلية ودورها الحيوي في دعم التنوع البيولوجي، وتعزيز الأمن الغذائي، والتخفيف من آثار التغير المناخي، ولتجديد الالتزام الدولي بحماية هذه النظم البيئية الساحلية وإدارتها بصورةٍ مستدامةٍ.

تُشكِّلُ أشجارُ القرم في سلطنةِ عُمان مكوِّنًا رئيسيًا من مكونات النظم البيئية الساحلية، حيث تنتشر في 33 موقعًا على امتداد السواحل العُمانية، من بينها محميةُ القرم الطبيعية في محافظة مسقط، وبرُّ الحكمان في محافظة الوسطى، وخورُ عوقد، وخورُ المغسيل في محافظة ظفار. ويُعدُّ القرمُ الرمادي (Avicennia marina) النوعَ الوحيدَ من أشجار القرم الذي يستوطن الشواطئ العُمانية، حيث يتميز بقدرته على التكيف مع الظروف المناخية الجافة، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، وملوحة المياه، وندرة المياه العذبة.

يتجاوزُ دورُ أشجار القرم كونَها غطاءً نباتيًا ساحليًا، لتكون أحدَ أهم النظم البيئية الساحلية المنتجة، حيث تُقدِّم العديدَ من الخدمات البيئية؛ إذ تُسهم في تقليل تأثير الأمواج والعواصف، وتحسين جودة المياه من خلال احتجاز الرواسب، وكذلك تثبيت الرواسب والحد من تآكل السواحل. كما توفر موائلَ طبيعيةً ومناطقَ حضانةٍ وتكاثرٍ لعددٍ من الأسماك والقشريات والرخويات والطيور، مما يُسهم في تعزيز الإنتاجية البيولوجية، والحفاظ على التنوع الأحيائي، ودعم استدامة المصائد السمكية، وتعزيز مقومات الاقتصاد الأزرق.

في السنوات الأخيرة، ازدادت أهميةُ أشجار القرم في ظل التحديات المناخية العالمية، حيث برزت باعتبارها أحدَ أهم الحلول القائمة على الطبيعة لمواجهة تغير المناخ. حيث تمتلك أشجارُ القرم القدرةَ على تخزين كمياتٍ كبيرةٍ من الكربون فيما يُعرف بـ "الكربون الأزرق"، إذ لا يقتصر تخزينُ الكربون على الكتلة الحيوية للنباتات، بل يمتد إلى الرواسب الساحلية التي تمثل مخزونًا طويلَ الأمد للكربون العضوي، مما يجعل غاباتِ القرم من أكثر النظم كفاءةً في عزل الكربون مقارنةً بالعديد من الغابات البرية، الأمرُ الذي يجعلها عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيات خفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.

وانطلاقًا من الأهمية البيئية والاستراتيجية لغابات القرم، تبنَّت سلطنةُ عُمان نهجًا متكاملًا لإدارة وصون هذه النظم البيئية الساحلية، من خلال توسيع نطاق برامج الحماية وإعادة التأهيل، وإنشاء المحميات الطبيعية، وتنفيذ مبادرات استزراع أشجار القرم، إلى جانب تطوير الأطر التشريعية والمؤسسية الداعمة للإدارة المستدامة للموائل الساحلية. ويتسق هذا التوجه مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 الرامية إلى تعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وبناء القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. كما يُمثِّل انضمامُ السلطنة إلى تحالف القرم من أجل المناخ (Mangrove Alliance for Climate - MAC) امتدادًا لالتزام السلطنة بالمبادرات الدولية الرامية إلى الحفاظ على النظم البيئية للقرم، وتعزيز دورها في حلول التخفيف من آثار تغير المناخ، ولا سيما من خلال صون مخزونات الكربون الأزرق ودعم استدامة النظم الساحلية.

وفي هذا النطاق، يُعدُّ البحثُ العلمي ركيزةً أساسيةً لفهم ديناميكيات النظم البيئية لغابات القرم، وتطوير استراتيجياتٍ مستدامةٍ لإدارتها في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة، حيث يضطلع مركزُ الدراسات البيئية والبحوث بجامعة السلطان قابوس بدورٍ محوري في تعزيز المعرفة العلمية حول غابات القرم العُمانية، من خلال تنفيذ مشاريع بحثية تهدف إلى تقييم حالتها البيئية ودعم جهود صونها واستدامتها. ومن بين هذه الجهود مشروعُ "أشجار القرم في محمية القرم الطبيعية: تقييم الخصائص الفيزيائية والكيميائية للرواسب". كما ينفذ المركز مشروعًا بحثيًا متقدمًا حول الديناميكيات المكانية والزمانية لتدفقات غازات الاحتباس الحراري، وعزلِ مخزوناتِ الكربون في غابات القرم بسلطنة عُمان، باستخدام منهجيةٍ متكاملةٍ تجمع بين القياسات الميدانية، والاستشعار عن بُعد، والنمذجة المكانية. ويهدف المشروع إلى تطوير قاعدة بيانات وطنية للكربون الأزرق، وإنتاج خرائط مكانية عالية الدقة لمخزون الكربون، ودعم منظومة القياس والإبلاغ والتحقق (MRV)، بما يُسهم في تعزيز جاهزية السلطنة للاستفادة من المبادرات الدولية المرتبطة بأسواق الكربون والتمويل المناخي.

وعلى الرغم من الأهمية البيئية والاستراتيجية لغابات القرم، تشير التقارير الدولية إلى أن هذه النظم البيئية الحيوية تواجه معدلاتٍ متسارعةً من التدهور نتيجة الضغوط البشرية، بما في ذلك التوسع العمراني الساحلي، والتلوث، وتغير أنماط استخدام الأراضي، فضلًا عن التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ. وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجياتٍ متكاملةٍ قائمةٍ على الأدلة العلمية، تجمع بين برامج الرصد البيئي طويلة الأمد، ومشاريع استعادة النظم المتدهورة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل الاستشعار عن بُعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والذكاء الاصطناعي، لرصد ديناميكيات هذه النظم وتقييم دورها في عزل الكربون ودعم الخدمات البيئية.

ويُمثِّل اليومُ العالمي لصون النظام الإيكولوجي لأشجار القرم مناسبةً مهمةً لتعزيز الوعي بأهمية هذه النظم، ودعم الشراكات بين المؤسسات الحكومية والأكاديمية والقطاع الخاص، لترسيخ مفهوم الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، وتوظيف المعرفة العلمية لتعزيز حماية غابات القرم، وتعظيم إسهامها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ودعم الالتزامات المناخية، وبناء مستقبلٍ أكثر مرونةً واستدامةً للمجتمعات الساحلية.

About the Author