الإبلاغ المبكر ينقذ الأطفال فما الذي يؤخره؟
- دراسة تكشف أسباب تأخر الإبلاغ عن إساءة معاملة الأطفال
- إعداد: د/ زينب بنت ناصر العزري- أستاذ مساعد بقسم صحة الطفل بكلية التمريض
قد يعتقد البعض أن إساءة معاملة الأطفال تكتشف فور حدوثها، إلا أن الواقع مختلف تمامًا. فكثير من الأطفال يعيشون مع الإساءة لأشهر أو حتى سنوات قبل أن تصل قصصهم إلى الجهات المختصّة. وخلال هذه الفترة قد تتكرر الإساءة وتتفاقم آثارها النفسيّة والجسديّة، مما يجعل الإبلاغ المبكر أحد أهم وسائل حماية الطفل.
وفي دراسة حديثة أجرتها جامعة السلطان قابوس، تم تحليل (1070) حالة مؤكدة من حالات إساءة معاملة الأطفال المسجلة، بهدف التعرُّف على العوامل التي تؤدي إلى تأخّر الإبلاغ، والوصول إلى توصيات تسهم في تعزيز نظام حماية الطفل في سلطنة عُمان.
ليست كل أنواع الإساءة تُعامل بالطريقة نفسها
أظهرت نتائج الدراسة أن الأطفال الذين تعرضوا للإساءة الجسدية كانوا أكثر عرضةً لتأخّر الإبلاغ مقارنةً بغيرهم، كما ارتبط الإهمال أيضًا بارتفاع احتمالية التأخُّر. وتشير هذه النتيجة إلى أن بعض أشكال الإساءة، مثل الضرب أو الإهمال، قد لا تُدرك مجتمعيًا بالخطورة نفسها التي تُدرك بها الإساءة الجنسية، مما يؤدي إلى التقليل من شأنها وتأخير طلب المساعدة.
المراهقون أكثر صمتًا
بينت الدراسة أن المراهقين كانوا أكثر عرضة للتأخر في الإبلاغ مقارنة بالأطفال الأصغر سنًا. وقد يرتبط ذلك بالخوف من اللوم، أو الشعور بالخجل، أو القلق من العواقب الأسرية والاجتماعية. كما أظهرت النتائج أن الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين كانوا أكثر عرضةً لتأخّر الإبلاغ، مما يؤكد الحاجة إلى توفير دعم نفسي واجتماعي أكبر لهذه الفئة.
عندما يكون المعتدي من داخل الأسرة
من أبرز نتائج الدراسة أن حالات الإساءة التي يكون مرتكبها أحد الوالدين أو أحد أفراد الأسرة كانت أكثر ارتباطًا بتأخر الإبلاغ. ففي كثير من الأحيان، يتردد الأطفال أو حتى بقية أفراد الأسرة في الإبلاغ خوفًا من تفكك الأسرة أو الوصمة الاجتماعية أو الحفاظ على سمعة العائلة. وتبرز هنا أهمية تعزيز ثقافة مجتمعية تؤكد أن حماية الطفل يجب أن تكون دائمًا أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
الإساءة لا تقتصر على الأسر الأقل دخلًا
ومن النتائج اللافتة في الدراسة أن الأطفال من الأسر ذات الدخل المرتفع كانوا أكثر عرضة لتأخر الإبلاغ مقارنة بالأسر متوسطة ومنخفضة الدخل. وقد لا يعني ذلك أن الإساءة أكثر انتشارًا في هذه الأسر، وإنما قد يعكس وجود عوائق تحول دون الإبلاغ، مثل الخوف من فقدان السمعة الاجتماعية، أو النفوذ الاجتماعي للأسرة، أو تردد بعض المهنيين في الإبلاغ عن الأسر ذات المكانة الاجتماعية المرتفعة. وتؤكد هذه النتيجة أهمية أن تستند قرارات الاشتباه والإبلاغ إلى مؤشرات الإساءة فقط، بعيدًا عن المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي للأسرة، لضمان حماية جميع الأطفال دون استثناء.
دور المعلمين والعاملين الصحيين
أظهرت الدراسة أن الحالات التي اكتشفها أو أبلغ عنها المعلمون أو العاملون الصحيون أو الاختصاصيون الاجتماعيون كانت أقل عرضة للتأخُّر مقارنة بالحالات التي أبلغ عنها الطفل أو أحد أفراد أسرته. وهذا يؤكد الدور الحيوي للمهنيين في الاكتشاف المبكر، ويبرز أهمية تدريبهم المستمر على التعرف إلى مؤشرات الإساءة والتعامل معها وفق الأنظمة المعتمدة.
ماذا نحتاج اليوم؟
تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تعزّز حماية الأطفال، من أبرزها:
• توسيع حملات التوعية لتشمل جميع أشكال إساءة معاملة الأطفال، وليس الاعتداء الجنسي فقط.
• تعزيز برامج التوعية داخل المدارس، مع توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ.
• تدريب المعلمين والعاملين الصحيين والأخصائيين الاجتماعيين على الاكتشاف المبكر والإبلاغ.
• توسيع برامج الفحص الصحي الدوري للأطفال لتشمل المراحل العمرية المختلفة.
• توفير حماية قانونية ومؤسسية للمبلغين، وزيادة الموارد المخصصة لخدمات حماية الطفل.
حماية الطفل مسؤولية الجميع
تكشف هذه الدراسة أن تأخر الإبلاغ لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عوامل اجتماعية وأسرية وثقافية ومؤسسية. لذلك فإن بناء نظام فعّال لحماية الطفل يتطلب تعاون الأسرة، والمدرسة، والقطاع الصحي، والمؤسسات الحكومية، ووسائل الإعلام، والمجتمع بأكمله.
إن الإبلاغ المبكر لا يحمي طفلًا واحدًا فقط، بل قد يمنع سنوات من المعاناة ويمنح الأطفال فرصة للنمو في بيئة آمنة وصحية. وكل خطوة نحو تعزيز الوعي، وتحسين التدريب، وتطوير أنظمة الحماية، هي استثمارٌ حقيقيُّ في مستقبل أطفالنا ومستقبل المجتمع بأسره.
About the Author