قراءة في كتاب: "كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف؟" لفسوافا شمبورسكا
- د. سناء الجمالي
- قسم اللغة العربية وآدابها
- كلية الآداب والعلوم الاجتماعية
فسوافا شمبورسكا Wislawa Szymborska(1923-2012)، شاعرة وكاتبة مقالات ومحرّرة ومترجمة بولندية، حازت على جائزة نوبل في عام (1996) بعد حيازتها على عدة جوائز: الجائزة الأدبية لمدينة كراكوف عام (1954)، وجائزة وزير الثقافة والفنون عام (1963)، وجائزة "جوته" في فرانكفورت عام (1991)؛ ومن أهم أعمالها الشعرية: "لهذا نحيا" (1952) وهو أول ديوان شعري لها يمتاز بروح من السخرية والمفارقة والحكمة والبساطة والعمق في آنٍ، و"أشخاص على الجسر" (1986)، عكست الشاعرة في هذه المجموعة الشعرية رؤيتها العميقة لمفهوم الإنسانية، و"النهاية والبداية" (1993)، وهي مجموعة شعرية تعدّ من أشهر مجموعاتها، فالشاعرة في هذه المجموعة تتأمَّل آثار الحروب وإعادة إعمار البلدان التي طالتها تلك الحروب، وقد ترجمها هاتف الجنابي إلى اللغة العربية عن اللغة البولندية مع قصائد أخرى عام (1998) وصدرت عن دار المدى للثقافة والنشر/ دمشق/ أبو ظبي، و"لحظة" (2002)، و"نقطتان" (2005)؛ وهما مجموعتان شعريتان تعكسان النضج الذي أمست عليه الشاعرة فنيًّا في الشِّعر وفي فلسفتها الوجودية. وللشاعرة كتاب نثري بعنوان: "قراءة غير ملزمة"، وصدر لأول مرة في بولندا في عام (1973)، وهو عبارة عن مقالات كتبتها شمبورسكا في عمودها الصحفي الأسبوعي على مدار سنوات طويلة جدًا، تتحدّث فيها عن كتب غير تقليدية، احتفت بتلك الكتب لاحتوائها على تفاصيل الحياة اليومية العادية، وقد ترجمت هذا الكتاب الأكاديمية/ الأديبة إيمان مرسال إلى اللغة العربية ونُشر عن دار الخان للنشر والتوزيع/ القاهرة، في عام (2025). وقد ترجم هناء عبد الفتّاح كتاب عن الشاعرة إلى اللغة العربية بعنوان: فسوافا شيمبورسكا: شاعرة نوبل (1996)، تأليف دوروتا سامولينسكا متولي، المجلس الأعلى للثقافة/ القاهرة (1996)، وهو مجموعة مختارة من أشعارها مع دراسة عن حياتها ومكانتها الشعرية في الحياة الأدبية البولندية والعالمية. كما صدر لها كتاب "كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف؟" ترجمه إلى اللغة العربية أحمد الشافعي ونُشر عن دار أثر للنشر والتوزيع/ الدمام- القاهرة، في عام (2025)، وقد صدر هذا الكتاب لأول مرة في بولندا في عام (2000)، كما عُرف بعنوان: "بريد القراء الأدبي" أيضًا.
يتضمن كتاب "كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف؟" ردود فسوافا شمبورسكا -عندما كانت تعمل محرِّرة في مجلة "الحياة الأدبية" البولندية عام) 1953/1983(- في باب "بريد القراء" على بعض الكُتّاب ممّن كانوا يتلمّسون طريقهم في عالم الأدب والكتابة الأدبية نثرًا وشعرًا، مبدية لهم بصراحة تتّسم بالسخرية رأيها في مستوى النصوص الأدبية التي بعثوها للمجلة، لمعرفة رأيها في تلك النصوص ومن ثمَّ نشرها. فقد تبدو ردود شمبورسكا على الأدباء المبتدئين قاسية، لكنّها من وجهة نظر نقدية ضرورية، كما يوضّح ذلك مترجم الكتاب الأستاذ أحمد شافعي، لأنَّ مثل تلك الردود الخالية من المجاملة هي التي تقوّم إنتاج الأديب المبتدئ إنْ كانت توجد لديه بذرة الأدب فتُصقل موهبته، أو تجعله يدرك أنّه بعيد كلّ البعد عن شطآن الأدب، ممّا يشجّعه على البحث عن مجال آخر قد ينجح فيه أكثر؛ فالشاعرة تعرف أنَّ الأدب مسؤولية تُلقى على عاتق الأدباء، فهم يمثّلون ضمير أمتهم وتاريخها؛ لذا لا يمكن عدّ كلّ من يلمّ ببعض أُسس الكتابة الأدبية أنَّه أديب، وهذا يعني عدم المجاملة في مثل هذا الأمر الخطير، وفيما يختص بذلك نجد المترجم يعبّر في مقدمته للكتاب عن أهمية الدور الذي كانت تؤديه الشاعرة، متمثِّلًا إيّاها، بالآتي: "هل تسمح لكاتب هذه القصيدة أو القصة أنْ يُلقي حَجَره؟ هل هو حَجَر أصيل حقًّا؟ أم أنّه سيشوش على الأدب الحقيقي، ويعطّل سريانه إلى شرايين الوجود الإنساني"؛ فشمبورسكا كما يقول المترجم: "كانت تعلم أنَّ القسوة على شخص ضلَّ طريقه إلى الشِّعر هي حنان على الشِّعر، وعلى الأدب، وعلى اللغة وعلى القرّاء، وهي أيضًا حنان على هذا الشخص نفسه. فقد كانت تمنحه فرصة التراجع قبل أنْ يعيش بقيّة عمره وهو يدّعي في كلّ يوم أنّه ما ليس إياه".
يوضّح كتاب "كيف تبدأ الكتابة ومتى تتوقف؟" ممّا تذكره المؤلفة موجِّهة حديثها للقرّاء الذين كتبوا إليها: أنَّ الأدب الحقيقي يُستمدّ من بيئة الأديب المعيشة ومن حياته اليومية العادية، والأديب يجب أنْ يتقن اللغة التي يمارس بها كتاباته -وهي غالبًا اللغة الأم/ الأصليّة- نحوًا وإملاءً وتعبيرًا، وأنْ يلمّ بقواعد الجنس الأدبي الذي يمارس الكتابة من خلاله والذي يريد احترافه، مبدية ضرورة أنْ يكون لدى الشخص الذي يرغب أنْ يكون أديبًا دفتر يوميات يحمله معه أينما سار ليدوّن عليه الملاحظات التي يصادفها في حياته ليحوّلها إلى أفكار صالحة للكتابة عنها، ولكن يجب أنْ يكون للأديب المبتدئ مقدرة على صياغة تلك الأفكار بأسلوب فني بليغ دون تكلّف يجذب القارئ للقراءة. كما توضّح الشاعرة في كتابها هذا، أنَّ من حقّ المبتدئ في مسيرته الأدبية تقليد من سبقوه فنيًّا في البداية، لكن مع مضي الوقت يفترض أنْ يؤهّله ذلك التقليد لاكتشاف أسلوبه الأدبي/ الفني الخاص به الذي يعكس شخصيته وفكره ويميِّزه عن الأدباء الآخرين ممّن سبقوه والمعاصرين له، وهي -كذلك- تبيّن أهمية ابتعاد الأدباء المبتدئين عن الإسهاب والمبالغة في التعبير والتصوير واستخدام المجاز والالتزام بالبساطة والابتعاد عن التكلّف والتعقيد؛ ليعكس الكاتب الأفكار التي يريد التعبير عنها دون مغالاة؛ وهي -أيضًا- تؤكّد أهمية اطّلاع من يرغب في سَلك طريق الأدب على الأعمال الأدبية المهمّة والمعروفة والإلمام بالأعمال الأخرى المعاصرة لزمنه وتطوير ثقافته وفهم ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه ويكتب عنه، مشيرةً إلى عدم نشر النص الأدبي بمجرد الانتهاء منه، فيجب على الكاتب أنْ ينقّحه عدّة مرات قبل أنْ ينشره. وفسوافا تنصح الأدباء المبتدئين بعدم التسرّع في اختيار الموضوع الذي سيكتبون عنه، وبدراسته والبحث فيه جيدًا، وبربطه بالحياة الواقعية/ التاريخية، مشدّدة على أهمية تطوير الأديب للعناصر الفنية المكوّنة للنص الأدبي بمنحها الحياة عن طريق تحديد ملامح فنية واضحة وخاصة بها في الآن ذاته، لأنَّ العناصر الفنية نابعة من الحياة، ممّا يمنح مختلف أجزاء العمل الأدبي التماسك ببعضها موجدة بنية أدبية متراصة. وهي -الشاعرة- لا تنسى أنْ تذكر أنَّ دراسة الأدب بمختلف مدارسه بالنسبة لمَن يرغبون بممارسته أو امتهانه مهمّة، ولكن الأهم في البداية وجود الموهبة لدى مَن يرغب في السير بهذا الطريق، على أنْ تصقل بعد ذلك بالقراءة والدراسة بشكل ممنهج. فإنْ تمكّن الأديب المبتدئ من الالتزام بكلّ هذه المبادئ، وتطوير نفسه والمحافظة على شغفه بالكتابة لدرجة وصوله للإبداع في إنتاجه الأدبي، يكون قد حقّق ذاته في الطريق الذي رسمه لنفسه، أمّا إذا لم يتمكّن من الالتزام بكلّ هذه المبادئ التي تمكّنه من التطوّر في الأدب، فالأفضل أنْ يبحث لنفسه عن مجال آخر يمكِنه الإبداع فيه أكثر، وكذلك إذا فقد شغفه بالكتابة، فعليه أيضًا أنْ يبتعد عن مجال الأدب. وفسوافا شمبورسكا، تتوجّه بنصائح أو توجيهات مماثلة للمترجمين في مجال الأدب، فهي توضّح أهمية إتقانهم للغة وإلمامهم بالمبادئ الفنية الخاصة بالأجناس الأدبية، وأنْ يفهموا ثقافة المجتمعات التي يترجمون منها أو إليها، وضرورة توخّي الدقّة أثناء عميلة الترجمة للنصوص الأدبية. وسأعرض بعض التعليقات الأدبية لشمبورسكا هنا، وهي كالآتي:
- بالنسبة لأهمية وجود الموهبة الفطرية لدى الأديب نجد فسوافا تجيب على أحد قرائها المبتدئين قائلة: "أنت تفهم الشعراء فهمًا خاطئًا. ما من شاعر منذ فجر الزمان اضطر إلى عدّ التفعيلات على أصابعه. الشاعر يولد مزوَّدًا بأُذن. هذه هي الخطوة الأولى التي لا غنى عنها".
- أمّا فيما يتعلّق بأهمية أنْ يكون الأديب المبتدئ متصلًا مع محيطه وذاته دون أنْ يبتعد عن مفهوم البساطة، نجدها تقول: "حذّر ريلكه الشعراء الشبان من المواضيع الضخمة الكاسحة، لأنّها الأصعب والأكثر تطلّبًا للنضج الفني. وأوصاهم بالبدء بالكتابة عمّا حولهم، وتقييم وجودهم اليومي، وما ضاع، وما عُثر عليه. أوصى بالكتابة عن الأشياء التي تراها، والصور المأخوذة عن أحلامك، وما تستدعيه الذاكرة من مواضيع. وهو يكتب قائلًا إنّه إذا بدت لك الحياة اليومية فقيرة، فلا تلقِ اللوم في هذا على الحياة، وألقه على نفسك، وقل لنفسك إنّك ليس فيك من الشاعر ما يكفي لإدراك ثراء الحياة".
- وتقول في السياق نفسه أيضًا: "عار عليك أنّك لم تتعرّف على البنى الاجتماعية في الدنمارك الإقطاعية قبل أنْ تجلس لكتابة مأساتك".
- وبالنسبة لأهمية عدم وقوع الأديب المبتدئ في الإسهاب تقول: "اختصر. تكلّم عمّا تعرفه وتعدّه مهمًا".
- أمّا عن المعاناة التي يعانيها الشاعر أثناء كتابة الشِّعر فتقول: "فالشِّعر هكذا هو أرض الإلهام بعد عناء العمل اليومي، أرض تنسى فيها لوهلة متاعب الدنيا... فالشِّعر ليس استجمامًا، أو راحة من الحياة. إنّما هو الحياة".
- وتحدّثت عن طبيعة الشاعر الغنائي بقولها: "الشاعر الغنائي يكتب أساسًا عن نفسه. وسواء اشتبكت قصائده مع آخرين أم لم تشتبك فذلك يتوقّف على شخصية الشاعر ونطاق تجاربه".
- وتحدّثت عن مفهوم الحداثة الشِّعرية التي يجب أنْ تتوفر عليها القصيدة حتى لو تناولت موضوعات تناولها الشعراء السابقون بقولها ردًّا على أحد الكتّاب: "قصائد بسيطة، ناعمة، ممتعة، بلا شكاوى، لكنّها بشكل كامل قصائد مستعملة. ليست فيها عبارة واحدة، أو حتى صورة، نجفل أمام طزاجتها. والشِّعر حتى عند تناوله ثيمات بالية مثل تألق الربيع أو أحزان الخريف، لا بدّ أنْ يجعلها تبدو وكأنَّها تُكتب المرة الأولى، لا بدَّ من اكتشافات غنائية جديدة. وإلا ... ألم ينكتب هذا بما فيه الكفاية؟".
- الجرأة والقسوة في تقييم بعض الأعمال الأدبية سمة من سمات فسوافا شمبورسكا عندما تعبِّر عن رأيها فيها فتقول: "نحن لا نقدِّر هذا النوع من الكتابة، وليس أبسط أسباب ذلك أنّه يجعل اهتمامنا ينصبُّ على غرفة الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. في حين أنَّ الأدب الحقيقي يبدأ عندما يفوق اهتمامنا بالشخصيات الحية اهتمامنا بالجثث".
- وللمترجمين تقول: "لا يجب للمترجم أن يبقى مخلصًا للنص وحسب، إذ يجب عليه أو عليها أن يكشف أيضًا عن كامل جمال القصيدة وأن يحتفظ قدر المستطاع بروح العصر وأسلوبه".
وأخيرًا فإنَّ أهمية هذا الكتاب تكمن، في أنَّه يبيّن للأدباء المبتدئين الخطوات التي عليهم انتهاجها إنْ قرروا الاستمرار في هذا الطريق، وفي المقابل يشجِّع مَن يرغب في أنْ يكون أديبًا لكنّه يفتقد المقومات لتحقيق ذلك على مواجهة نفسه بهذه الحقيقة، فينصرف عن الأدب إلى ما سواه. ونحن اليوم بحاجة إلى شخصية مثل فسوافا شمبورسكا، توجّه محبّي امتهان الأدب بصدق وبقسوة إلى المسار الأنسب لهم وَفقَ قدراتهم دون مجاملة لأيّ غرض كان، وهو مغاير لما يحدث اليوم تمامًا في الحياة الأدبية بعالمنا، حيث تكثر المجاملات التي ينتج عنها أعمال أدبية لا تتسم بالجدّة والأصالة.
About the Author