الرواية: وسيلة سردية لتوثيق اللحظة الراهنة
نوڤيلا: "ما رأت زينة وما لم ترَ"، لرشيد الضعيف:
- بقلم: د. سناء بنت طاهر الجمالي
- قسم اللغة العربية وآدابها،كلية الآداب والعلوم الاجتماعية
رواية "ما رأت زينة ومالم ترَ"، هي رواية قصيرة، للكاتب اللبناني رشيد الضعيف، الصادرة عن دار الساقي في عام (2024)؛ ورشيد الضعيف كاتب وروائي لبناني، ولد في زغرتا، شمال لبنان، عام 1945. ويعمل أستاذًا للأدب العربي في الجامعة اللبنانية. صدر له تسع عشرة رواية وثلاث مجموعات شعرية. وتحولت رواية "المستبد" (1983) إلى فيلم في عام (2004) بعنوان "زنار النار" من إخراج المخرج اللبناني بهيج حجيج. كما تحولت روايته "فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم" (1986) إلى فيلم فرنسي بالعنوان نفسه، من إخراج المخرج السويسري سايمن أدلستاين وأطلق الفيلم في جينيف عام 2000، وقد ترجمت روايته "عزيزي السيد كواباتا" (1995) إلى ثماني لغات أوروبية، وحصلت الترجمة الإنجليزية لرواية "ناحية البراءة" (1997) على جائزة مجلة "فورورد الفضية" -المرتبة الثانية- لأفضل عمل روائي مترجم إلى الإنجليزية؛ ووصلت روايتاه "تبليط البحر" (2011)، و"الوجه الآخر للطل" (2022) إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية –"البوكر"- في عامي 2012 و2024.
وتعدُّ رواية "ما رأت زينة ومالم ترَ" من رواياته المهمة من حيث مضمونها لكن الأقل أهمّية فنيًّا، مقارنة ببقية أعماله الروائية الأخرى، وعلى الرغم من ذلك لا يمكن غضّ النظر عنها. والرواية تصوِّر حدث انفجار مرفأ بيروت في شهر (أغسطس/ آب) من عام (2020) وتحديدًا في تاريخ (4/8/2020)، الذي وقع في تمام الساعة (8:6) مساءً، وقد نجم عن اشتعال مادة "نترات الأمونيوم" المخزّنة في العنبر رقم (12) بالمرفأ دون أيِّ مراعاة لمعايير الأمان الخاصة بحفظ هذه المادة. وقد أسفرت هذه الحادثة المأساوية عن مقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة آلاف آخرين، وأدّت لانهيار المرفأ، وتصدع كثير من البنايات وتدمير بعضها وتطاير زجاجها. وتزامن هذا الحادث مع الأزمة الاقتصادية المصرفية التي بدأت في لبنان في شهر (أكتوبر/ تشرين الأول) من عام (2019)، وأدّت إلى انهيار الليرة اللبنانية؛ كلّ ذلك حدث في مدة أزمة وباء "كورونا" التي ظهرت في أواخر عام (2019)، إذ تمّ التعرّف عليها وباء في شهر (يناير/ كانون الثاني) من عام (2020)، والإعلان عن هذا الوباء رسميًّا بتصنيفه جائحة من منظمة الصحة العالمية في شهر (آذار/ مارس) من عام (2020).
وتصوّر الرواية هذه المدة الزمنية من تاريخ لبنان المعاصر من خلال تجسيد يوم كامل في حياة امرأة لبنانية خمسينية تدعى "زينة" تخدم في بيت أسرة لبنانية مكوّنة من زوجين مسنين، هاجر ابنهما الوحيد إلى الولايات المتحدة الأميركية. تحتوي الرواية على خمسة وثلاثين فصلًا، أغلبها فصول قصيرة معنونة بعناوين مرتبطة بحركة الشخصية الرئيسة في الرواية وهي "زينة" ومن في محيطها، موضِّحة تطوّر خط الحدث الرئيس فيها وهو انفجار المرفأ من خلال تلك الحركة، لتتغيّر تلك العناوين في النصف الأخير من الرواية وفي نهايتها، مشيرة إلى وقوع انفجار المرفأ والأحداث التي ارتبطت به وأثره على الناس نفسيًّا بعد عام من وقوعه؛ يصوَّر ذلك من خلال التركيز على الزمن وحركته المخترقة للفضاء الجغرافي اللبناني بتحقّق حدث الانفجار، والمتقدّمة -الحركة الزمنية- بشكل مستقيم للولوج إلى المستقبل المترتّب والمتشكّل وَفْق الوقائع كلّها التي حدثت في لبنان منذ تلك المدة؛ فالزمن في هذا النص الروائي يبدو عاملًا مغيِّرًا ومحوّلا للأماكن الموجودة جميعها ضمن الجغرافيا اللبنانية، مجسِّدًا للقارئ مفهوم كونه قوة قاهرة، في وجه ما يبدو من ضعف إنساني مقابله، فلا يقوى الإنسان على مواجهة تحديّات الزمن وما يحمله من أحداث قاصمة لحياته مبيّنًا هشاشتها، مثل: الأزمة المصرفية الاقتصادية، والجائحة، وأخيرًا انفجار المرفأ وما خلّفه من خسائر في الأرواح ودمار لمدينة بيروت.
يروى ذلك كله في رواية "ما رأت زينة وما لم ترَ" بصوت السارد العليم غير المشارك في الرواية، من خلال تصويره لحركة "زينة" في اليوم الذي وقع فيه الانفجار منذ بدايته إلى لحظة اندلاع الحريق في قلب بيروت ليشمل منطقة المرفأ كلّها والمناطق الحيوية من حولها جميعًا. وتنتهي الرواية مع ما تظهره من ضعف إنساني بمواجهة القَدَر، إظهارها -أيضًا- لتحدي الإنسان اللبناني ومقاومته للظرف الاقتصادي والسياسي الصعب الذي يمرّ به بلده؛ وتتمثّل مقاومته في إظهاره اللامبالاة لتلك الأحداث المفجعة واستمراره في الحياة، كما يطالعنا ذلك قرّاء من آخر فصلين في نص الرواية.
تقدّم لنا رواية "ما رأت زينة ومالم ترَ"، توثيقًا لحدث انفجار مرفأ بيروت في (4/8/2020)، وهو من الأحداث المهمة في تاريخ لبنان الراهن، مشيرة إلى وضع البلاد آنذاك والأسباب التي أدّت لحدوث الانفجار بأسلوب ضمني غير مباشر؛ فالرواية توثِّق وتعكس المرحلة الراهنة كلّها فنيًّا بأسلوب لا يخلو من إبداع متّسم بالبساطة التي تخلو من التعقيد والتركيب والتداخل متجاهلةً التطرّق المباشر للعوامل التي أدّت لهذا الانفجار والصراعات والتناقضات والتباينات السياسية الداخلية والخارجية، من خلال تصوير حياة امرأة لبنانية بسيطة من عامة الناس في اليوم الذي وقع فيه هذا الحدث المرعب. وأتصوّر أنَّ الكاتب كان يهدف من ذلك إظهار براءة الحياة ومسيرتها السلسة في بيروت مقابل ما يحاك لهذه المدينة وللبلد كلّه من مؤامرات تهدف لاغتيال تلك الحياة البريئة المنفتحة الموجودة فيها.
About the Author