الهجرة النبوية مشروع حضاري غيّر مسار التاريخ
د. علي بن سعيد الريامي
رئيس قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية
لم تكن حادثة الهجرة النبوية رحلة نجاة من اضطهاد المشركين فحسب، ولم تكن انتقالًا جغرافيًا من مكة إلى المدينة، بل كانت واحدة من أعظم لحظات التحول في التاريخ الإنساني؛ لحظة انتقل فيها الإسلام، من الدعوة المحاصرة إلى بناء الدولة المنظمة، ومن الاستضعاف إلى الدفاع عن الحقوق وتأسيس الأمة الموحّدة.
في ظاهر الحدث، خرج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) من مكة المكرمة، وقد كانت أحب بقاع الأرض إلى قلبه الشريف "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ -إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَ-ّ، وَلَوْلاَ أَنِّيِ أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ".
كانت الهجرة انتقالًا محسوبًا نحو مرحلة جديدة، فقد لمعت الفكرة قبل التنفيذ بسنوات، حين كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يبحث عن فضاءات آمنة تحمي أتباعه المؤمنين وتحفظ الرسالة؛ لهذا كانت الهجرة إلى الحبشة إشارة مبكرة إلى التفكير خارج حدود مكة، وكان الخروج إلى الطائف محاولة للبحث عن أفق جديد آمن، ثم جاءت بيعتا العقبة لتؤسسا القاعدة السياسية والاجتماعية التي ستحتضن الدولة الناشئة في يثرب.
ولأن المشاريع الكبرى لا تقوم على العاطفة وحدها، فقد جاءت الهجرة لتعلمنا درسًا خالدًا في التخطيط الإستراتيجي، وإدارة المخاطر، من حيث الحرص الشديد على سرية الإعداد والتجهيز، وتوزيع الأدوار بدقة، واختيار المسار بعناية، وقد ظهر ذلك جلياً عندما نام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في فراش النبي تمويهًا على المتربصين، والطلب من عبد الله بن أبي بكر نقل أخبار قريش، وعامر بن فهيرة لإخفاء آثار المشي برعي الغنم، واختيار اتجاه مخالف للطريق المعتاد نحو المدينة، كرسالة واضحة بأن الإيمان لا يلغي الأخذ بالأسباب، وأن التوكل لا ينفصل عن التخطيط واليقظة والاستعداد للسيناريوهات وتوقع مختلف الاحتمالات.
لكن يبقى أعظم ما في الهجرة صناعة الإنسان الجديد، فما إن وصل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة حتى شرع في تأسيس مجتمع لا يقوم على العصبية ولا الثأر ولا التفاخر بالنسب، بل على الإيمان والعدل والمساواة والتكافل وحفظ الحقوق، وكان بناء المسجد أول إعلان عن مركزية القيم في الدولة الجديدة؛ فهو ليس مكانًا للصلاة فقط، بل مؤسسة جامعة للتعليم، والتشاور، وإدارة شؤون المجتمع، وبناء الوعي المشترك.
ثم جاءت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتقدم واحدًا من أرقى المشاهد الإنسانية في التاريخ، لقد ترك المهاجرون أموالهم وبيوتهم وذكرياتهم في مكة، وجاؤوا إلى المدينة لا يحملون إلا إيمانهم وثقتهم بوعد الله، وفي المقابل، فتح الأنصار لهم القلوب قبل البيوت، وتقاسموا معهم المال والمأوى والفرص. كانت المؤاخاة أكثر من إجراء اجتماعي؛ كانت علاجًا إنسانيًا لجراح الفقد، ومن هنا يتضح الأثر الإنساني العميق للهجرة، حين أعادت تعريف العلاقة بين الناس على أساس الكرامة لا النسب، والحق لا القوة، والمسؤولية لا المصلحة الضيقة.
وفي المدينة، لم يكن المجتمع الجديد مغلقًا على أتباعه وحدهم، بل جاءت صحيفة المدينة لتنظم العلاقة بين المسلمين واليهود وسائر المكونات، وتقرر مبدأ العيش المشترك، والمواطنة، وتحمل المسؤولية، وحماية الحقوق، وصون الأمن العام، وبذلك قدمت الهجرة نموذجًا مبكرًا لمجتمع تعددي تحكمه وثيقة جامعة لمختلف المكونات السكانية.
إن الهجرة النبوية لم تغيّر موقع الدعوة على الخريطة فقط، بل غيّرت معنى الإنسان في المجتمع، فقد علمتنا أن القوة الحقيقية تبدأ من بناء الثقة، وأن الدولة العادلة لا تولد من استخدام القوة وحدها، بل من الإيمان، والوعي، وبناء المؤسسات، والتكافل، وحماية الكرامة؛ ولذلك لم يكن اختيار عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) للهجرة بداية للتاريخ الإسلامي اختيارًا عابرًا، بل اعترافًا جامعاً بأن تلك اللحظة كانت ميلاد أمة، وبداية مشروع حضاري.
About the Author