بقلم: مريم بنت أحمد المرشوديّة.
في عام ١٩٩٨ تخرّج طالب يدعى غاري فاينرتشوك من جامعته بتقديرات سيئة لا تتجاوز d، ولكن بعزيمة جبارة وجهد متواصل لم يجعل من هذا الإخفاق الأكاديمي يشكل عائقا أمامه يمنعه من أن يترأس شركة vayner media ، ويشغل منصب رئيس مجلس الإدارة لشركة Vaynerchuk، ويكون الرئيس التنفيذي لشركة veefriends ، وشريك ومؤسس في vayner sports ، وثروته تقدر بـــــــــ ٣٤٠ مليون دولار، وهي في تضخم مستمر، ودائمًا ما يكرر عبارته المثيرة للجدل في محاضراته الحاشدة:" في تاريخ مسيرتي المهنيّة، لم يسألني شخص قط عن معدلي التراكمي"، ولكن بعيدا عن ما يُثار في وسائل التواصل الاجتماعي ووعظ رواد الأعمال، يتبادر لذهننا سؤال إذا كان المعدل التراكمي في عصرنا الحالي قد فقد بريقه، فلماذا لاتزال كبار الشركات والقطاعات النخبويّة تجعله شرطا أساسيا للتوظيف؟ هل ما زالت أهمية المعدل التراكمي والتقديرات العالية قائمة، أم أنها استبدلت بمعيار المهارات الذي يروج له غاري فاينرتشوك؟
في دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة جالوب في إطار النقاش بين أهمية المهارات والمعدل التراكمي خلصت إلى نتائج مفادها أن ٩٦% من رؤساء الجامعات والمسؤولين الأكاديميين واثقون بشكل جدا كبير من قدرة مؤسساتهم على تأهيل الطلاب لسوق العمل، بينما يوافق بشدة ١١٪ فقط من رواد الأعمال أن الخريجين يملكون المهارات التي تحتاجها مؤسساتهم في مفارقة واضحة تبرز حجم الفجوة بين المهارات التي تبحث عنها الشركات، والمعدل العالي الذي يعول عليه الأكاديميين وأصحاب الجامعات.
وقد أشار لازو بوك وهو نائب الرئيس الأول لعمليات الموارد البشرية في جوجل إلى أن جوجل قررت أنها لن تعتد بالمعدلات التراكمية كمعيار للتوظيف، وأشار إلى أن نسبة الأشخاص الذين يعملون في جوجل ولم يحصلوا على تعليم جامعي قد زادت بمرور الوقت لتصل إلى ١٤٪ في بعض الفرق، وأوضح أن جوجل تنظر لخمس مهارات قبل التوظيف، وهي: القدرة المعرفية، والقيادة، التواضع، والملكية، وأقل صفة ينظر لها هي الخبرة، ونبه بوك الشباب فقال:" احذر شهادتك ليست بديلة عن قدتك على القيام بأي وظيفة، العالم يهتم فقط بما يمكنك فعله بما تعرفه، ويكافئك عليه، ولا يهتم بكيفية تعلمك له"، وقد فسّر بوك ميله إلى المهارات عوضًا عن المعدل التراكمي بأن الطالب الحاصل على معدل عالي يفتقد لما يعرف بالتواضع الفكري، من خلال أنه اعتاد أن يكون المصيب في فترة دراسته الجامعية ولا يخطئ، وهو ما قد يحرمه من مهارة مهمة جدا في سوق العمل وهي المرونة في مواجهة الفشل، فإذا حدث أي فشل في سوق العمل قد ينهار مهنيا ويميل إلى إلقاء اللوم على الظروف أو الزملاء، ولا يقدر على أن يتعلم من الفشل؛ لأنه لم يواجه هذا الأمر في الجامعة.
كما أن الرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك صرّح بأن نصف الموظفين الذين عينتهم أبل في الولايات المتحدة خلال عام 2018 كانوا من الأشخاص الذين لم يحصلوا على شهادات جامعية لمدة أربع سنوات، ويرى بأن هناك فجوة واسعة بين ما تقدمه الجامعات وبين ما تحتاجه الشركات في سوق العمل، ويرى أيضا أن من أهم المهارات التي يفتقر لها الطلاب المتخرجين من الجامعات هي مهارة البرمجة، فيقول:" عندما نظرنا إلى عدم التوافق بين المهارات التي تخرج من الكليات، والمهارات التي نعتقد أننا نحتاجها في المستقبل، والتي تعتقد العديد من الشركات الأخرى أنها تحتاجها، حددنا البرمجة كمهارة أساسية للغاية"، فكان من توجهاته الواضحة للغاية اعتقاده بأنه يجب أن يكون تعليم البرمجة شرطا أساسيا لكل طالب في الولايات المتحدة قبل تخرجه من المدرسة الثانوية، في نتيجة واضحة خلص لها كوك بأهمية المهارات مقارنة بالشهادة الجامعية، فيقول:" لم نعتقد أن الشهادة الجامعية هي الشيء الذي يجب أن تتفوق فيه، لقد حاولنا دائما توسيع آفاقنا"، وقد انتقلت شركتا جوجل وأبل ومعها شركات أخرى مثل آي بي إم وبنك أوف أمريكا وهيلتون من النموذج التقليدي للتوظيف الذي يعتمد على المعدل التراكمي إلى نموذج أكثر حداثة يتقصى المهارات الملموسة.
وقد أكَّد ستيفن كوفي هذه الفكرة في كتابه المعنون بالعادات السبع للناس الأكثر فعالية، من خلال قاعدة فلسفية عميقة، فنجده يقول: "إن ما نحن عليه يتحدث ببيان أقوى بكثير مما نقوله أو نفعله"، فيشير كوفي إلى أن المعدل العالي قد يقول إننا متفوقون، لكن في المقابل المهارة العملية هي التي تعمل على إثبات ما نحن عليه حقا في ميدان العمل.
وقد عبّر الكاتب الصحفي توماس فريدمان الحاصل على جائزة بوليترز عن رأيه في التحول لسياسات التوظيف في عصرنا الحالي، حينما كتب مقالة بعنوان كيف تحصل على عمل في جوجل في صحيفة نيويورك تايمز، فقال:" العالم لا يهتم بما تعرفه، بل بما يمكنك فعله بما تعرفه"، ففي عصر بات الحصول فيه على المعلومات أسهل ما يكون والذكاء الاصطناعي سهَّل هذا الأمر بشكل كبير، لم يعد التفوق ينسب لمن يحصل على أعلى قدر من الدرجات، بل لمن يملك القدرة على تحويل تلك المعلومات المحفوظة لمهارات تطبق في أرض الواقع، فهذا هو الإنجاز الحقيقي، حيث أن هذا سيسهم في حل مشكلات واقعيّة قد تواجه الشركة التي يعمل بها، كما أنه أكد أن المعدل التراكمي ليس معيار نهائي؛ لأن أساليب التقييم تختلف بين الجامعات، فهناك جامعات تكافئ حفظ المعلومات فقط؛ لذا يحصل فيها الطالب على معدل تراكمي عالي، على عكس الجامعات التي تعتمد على المهارات وحل المشكلات المعقدة، لذلك فقدت المعدلات بريقها في سوق العمل.
وفي تحليل أعمق طرح المفكر الإداري سيث غوردين فكرة مثيرة للجدل حول ما يُعرف بفخ الامتثال، فهو يرى أن المعدلات المرتفعة دليل على قدرة الطالب الفائقة على امتثال التعليمات واتباع المناهج الدراسيّة، إلا أن سوق العمل في الوقت الحالي قد غيّر توجهه، فلم يعد يبحث عن موظفين مطيعين، بل عن مبتكرين مبدعين يفكرون خارج الصندوق، ويمتلكون القدرة على كسر القواعد التقليديّة وتقديم حلول غير مسبوقة،
وفي مقابل الآراء السابقة التي مالت للمهارات وأهملت أهمية المعدل التراكمي، تبرز عالمة النفس أنغيلا داكوورث وهي لا تعبر عن المعدلات التراكميّة كغاية، بل لا تغفل أهميتها، حيث عبرت أن المعدل التراكمي العالي الذي حصل عليه الطالب يمثل مقياس للالتزام قبل أن يكون مقياس ذكاء، فهو دليل على قدرة الطالب على إنهاء ما بدأه، وقدرته على الالتزام بمهام روتينية مملة للحصول على نتيجة نهائية ممتازة، وهو مؤشر للتنبؤ بالنجاح في الحياة العمليّة، ذلك أن المعدل يقيس قدرة الطالب على الاستمرار والمواظبة، و هي مهارات مهمة في سوق العمل.
وتؤكد دراسة شاملة أجراها الباحثان فرانك شميدت وجون هنتر بناءً على تحليل بيانات التوظيف على مدار 85عاما على أهمية المعدل التراكمي كمعيار للتوظيف، والدراسة تدعم ما سماه الباحثان بالقدرة الذهنية العامة وهي التي تنعكس على المعدل التراكمي في البيئة الأكاديمية بشكل مباشر، واعتبراها المنبئ الأقوى للأداء الوظيفي والنجاح في برامج التدريب، والحجج التي استند لها الباحثان هي أن أصحاب المعدلات العالية يتفوقون؛ لأنهم يكتسبون الجانب المعرفي المتعلق بالوظيفة بشكل أسرع وبكميات أكبر، كما رأى الباحثان بأن المعدل التراكمي يتنبأ بالنجاح في مراكز العمل مستقبلا؛ لأن صاحب المعدل العالي ليس مجرد شخص يعرف المعلومات حاليًا فقط، بل له قدرة استيعابية عالية تمكنه من إتقان أي مهارات ستطرح عليه في سوق العمل، وأصحاب المعدلات العالية يمتلكون معالج ذهني أسرع يتيح لهم إتقان المهارات ومهام العمل بضعف سرعة زملائهم، وهو ما يرفع إنتاجيتهم لنسبة تصل إلى 48% في الوظائف المعقدة، وأثبتت الدراسة حقيقة صادمة بأن الخبرة العملية تتنبأ بالأداء لأول خمس سنين فقط ثم بعد ذلك يتساوى الجميع في الخبرة، وهنا يبرز أصحاب المعدل العالي حيث يستطيعون الاستمرار في الابتكار والتطوير ، وهو ما يجعل اختيار النخبة الأكاديمية بمثابة استثمار اقتصادي طويل الأمد يحمي الشركة من تكاليف إعادة التدريب المستمرة.
وعلى عكس شركتيّ جوجل وأبل هناك شركات تجعل من المعدل الأكاديمي المتميز شرطا مهما للقبول في الوظيفة، فبحسب شروط التوظيف المعلنة لشركة ماكينزي العالمية في قسم ما نطلبه في المتقدمين، يبرز معيار التميز الأكاديمي كشرط أساسي، فيرى الخبراء في هذه المؤسسة بأن المعدل التراكمي هو البيانات الوحيدة الموثوقة، ويجعلونه معيارا لمقارنة قدرات الطلاب من مؤسسات تعليميّة مختلفة.
وفي دراسة معمقة نشرتها الباحثة لورين ريفيرا عن سيكولوجية التوظيف في الشركات الكبيرة، تسعى من خلالها لتفسير سبب اعتماد الشركات النخبويّة على المعدل التراكمي بالرغم من الانتقادات، وضحت بأن التمسك بالمعدل ليس تمسكا بالماضي، وإنما هو بحث عن مؤشرات سلوكية يصعب اكتشافها في وقت المقابلات القصيرة، فالمعدل المرتفع ينظر له كشهادة واضحة على قدرة الشخص على الالتزام والانضباط الذاتي والقدرة على تحمل الضغوط لسنوات طويلة، كما أن المعدل التراكمي يحمي المؤسسات من فخ الذاتية والتحيز الشخصي في التوظيف.
وأما الاقتصادي مايكل سبينس الحائز على جائزة نوبل أشار إلى نظرية الإشارات لتفسير تفضيل المعدل التراكمي على المهارات، ففي سوق العمل دائما ما يعاني المسؤول عن التوظيف من نقص في المعلومات حول كفاءة المتقدمين ويحتاج لدليل ملموس، قبل أن يغامر بتوظيف أي شخص، والمهارات قد تكون مجرد كلام يدعيه المتقدم، لذا يبحث صاحب العمل عن إشارة واضحة، وهنا يبرز المعدل التراكمي كإشارة واضحة لا تقبل التزييف، فبينما يمكن اكتساب المهارات التقنية في أشهر، يظل المعدل مثبتا لامتلاك صاحبه لنفس طويل وجديّة أدت لنتائج ممتازة متمثلة في المعدل المرتفع، مما يجعل المعدل إشارة موثوقة لا يمكن تزييفها كما ما قد يحدث مع المهارات العابرة، فنجده يقول: " المعدل المرتفع هو الدليل الذي لا يمكن تزييفه على أن الفرد يمتلك مستوى عالي من القدرة والالتزام".
الآن وقد استعرضنا حجج كلا الطرفين، فإني أقف موقف المحايد بين أهمية المعدل التراكمي والمهارات في التوظيف، إذ أن واقع سوق العمل في عصرنا الحالي يبرهن أن العلاقة بينهما تكامليّة، فالمعدل المرتفع يبين أن صاحبه له قابليّة مرتفعة للتعلم، والانضباط تحت الضغط، وهي صفات يصعب استنتاجها من اختبارات المهارات القصيرة، وفي المهارة هي لب التنفيذ الذي يجعل من الذكاء الأكاديمي لصاحبه قيمة مضافة للمؤسسة، وخير دليل على ذلك التكامل الذي يظهر بين المعدل التراكمي العالي والمهارات في التخصصات الطبيّة والتقنيّة، حيث أن الطالب الذي يملك المهارات دون المعرفة الدقيقة المتمثلة في المعدل التراكمي العالي يصعب عليه علاج المرضى في التخصصات الطبية أو حل المشكلات التقنيّة لطلاب التقنية، فالمعدل يضمن للمؤسسة الموثوقيّة والاستمرارية، والمهارة تضمن لها الابتكار والتطور، لذا نرى أن الرهان الرابح لا يكمن في أحدهما، بل في نقطة التقائهما، وما يبرهن على أهمية هذا التكامل المنشود بين المعدل التراكمي والمهارات هو الدراسة التي أجريت في كلية هارفرد للأعمال، حيث حلل الباحثون ملايين البيانات الوظيفية ليخلصوا لنتيجة بأن المهارات هي التي تضمن للفرد الوصول للوظيفة، بينما المعدل التراكمي يضمن للفرد القدرة على الاستمرار في العمل ونيل الترقيات الوظيفية، وبينت الدراسة بأن الشركات التي ألغت شرط المعدل لم تحقق الاستقرار المرجو، فالباحثين كشفوا عن وجود فجوة كبيرة في الموثوقيّة، لذا التكامل بين المعدل التراكمي والمهارات في السلك الوظيفي أولى من الميل لواحد منهما دون الآخر.
في الختام يتبين أن الانقسام حول المعيار الأمثل للتوظيف يمثل رؤيتين مختلفتين للنجاح، الأولى ترى بأن المهارات هي المعيار الأمثل والأوحد لاقتناص موظفين ذوي كفاءة عالية، دون النظر لسجلهم الأكاديمي والمعدل التراكمي المرتفع، كما هو في قصة غاري فاينرتشوك، أما القسم الآخر فهو قسم يقدس المعدل التراكمي ويغفل ما دونه من مهارات، وينظر له نظرة تتجاوز كونه رقما ماديا فهو يمثل برهانا سلوكيا يثبت انضباط الفرد، والحقيقة أن الكفاءة لا تكمن في المفاضلة بين هذين المسارين، بل في نقطة اجتماعهما، حين تمنح المهارات المرونة اللازمة والمعدل التراكمي يشير للموثوقية اللازمة للاستمرار.
المراجع والمصادر:
المعلومات عن غاري فاينرتشوك
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D9%8A_%D9%81%D8%A7%D9%8A%D9%86%D8%B1%D8%AA%D8%B4%D9%88%D9%83
https://soundcloud.com/garyvee/the-ultimate-college
دراسة مؤسسة غالوب
https://www.gallup.com/education/231740/ways-realign-higher-education-today-workforce.aspx
مقالة لازو بوك
https://www.nytimes.com/2014/02/23/opinion/sunday/friedman-how-to-get-a-job-at-google.html
تصريحات تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة أبل
https://www.businessinsider.com/apple-ceo-tim-cook-why-college-degree-isnt-necessary-2019-3
كتاب العادات السبع للناس أكثر فعالية
https://www.noor-book.com/كتاب-العادات-السبع-للناس-الأكثر-فعالية-pdf-1745320717
مقال توماس فريدمان في نيويورك تايمز بعنوان كيف تحصل على وظيفة في جوجل
https://www.nytimes.com/2014/02/23/opinion/sunday/friedman-how-to-get-a-job-at-google.html
مقال سيث غوردين بعنوان توقفوا عن سرقة الأحلام
https://seths.blog/wp-content/uploads/2019/05/stop-stealing-dreams6print.pdf
كتاب
Grit: The Power of Passion and Perseverance
دراسة شاملة أجراها الباحثان فرانك شميدت وجون هنتر
https://homepages.se.edu/cvonbergen/files/2013/11/The-Validity-and-Utility-of-Selection-Methods-in-Personnel-Psychology_Practical-and-Theoretical-Implications-of-85-Years-of-Research-Findings.pdf
دراسة لورين ريفيرا
https://www.researchgate.net/publication/273590506_Hiring_as_Cultural_Matching_The_Case_of_Elite_Professional_Service_Firms
مقالة مايكل سبينس
https://academic.oup.com/qje/article-abstract/87/3/355/1909092
دراسة كلية هارفرد للأعمال
https://www.hbs.edu/managing-the-future-of-work/Documents/research/Skills-Based%20Hiring.pdf