سيرة المنفى والعودة: قراءة في رواية ولدت هناك ولدت هنا
- بقلم: رحمة بنت ناصر الحارثي.
نسج مريد البرغوثي في كتابه ولدت هناك ولدت هنا عصارة رحلته مع ابنه إلى وطنه بعدما غرّبه الاحتلال، وشرّده من وطنه، بلغة رصينة، وأسلوب سردي، وفلسفة عميقة تخفي في طياتها رمزية لا مُنتهاه. نستشف بين أسطرها كلمات فرد في معاناة شعب بأكمله، تنساب كلماته كما ينساب النهر في وادٍ هادئ، بحواراته العاميّة ووصفه البديع يفتح أمام القارئ زاوية بعيدة يرى منها المشاهد ويعيش تفاصيلها..
يسرد البرغوثي تفاصيل مروره بالحواجز، رجال الشرطة الإسرائيليين، طوابير الانتظار رحلتهم من القاهرة إلى عمّان ومن ثم إلى الجسر مرة أخرى حيث الجنود الإسرائيليين المسلحين الذين يشكلون كابوسًا لكل عابري الجسر من الفلسطينيين. ولكن ما خلف المسرودات يصيغ لنا الكاتب معاناة الشعب الفلسطيني مع خطوط السير الطويلة المجهول نهايتها التي تنتهي بانتهاء كابوس الاحتلال، فإمّا أن يُسمح لك بالدخول لفلسطين من خلال الحواجز التي تفصل بين الأردن وفلسطين. أو قد تعود لأدراجك وحسرة نفيك من وطنك تُلازمك.
لم يقتصر الاحتلال على وضع الحواجز بين الدول، بل طغى واستكبر، فجعل حدًا فاصل بين المدن الفلسطينية، لا تمر بينها إلا بتصريح، فمما رواه الكاتب عندما أرادوا المخاطرة لدخول إلى القدس بدون تصريح فاخترعوا حيلة وهي مراقبة الوضع على الحاجز، إذا كان مزدحم هذا يعني أنهم يدققون على التصاريح وبذلك، اضطروا للرجوع، وفي اليوم التالي رجعوا مرة أخرى، ولكن هذه المرة بسيارة لوحتها إسرائيلية صفراء ولحسن حظهم استطاعوا عبور الحاجز دون أن يطلب أحد منهم الهوية. ومن المفارقات العجيبة عندما أرادوا الخروج من القدس لا حواجز تعيقهم؛ فالخروج من القدس مسموح أما الدخول لها عسير وإلا فما معنى الاحتلال.
يستشف القارئ بين سطور الكتاب، وتخللات الأحداث، رمزيات لا متناهية، فما إن اشمئز من صورة الجندي الإسرائيلي وهو يصفه عند ممرات الحدود، تجد الكاتب يستطرد بذكره أن المشكلة ليست التعايش مع اليهود فهو تعايش معهم منذ مئات السنين في فلسطين والدول العربية، ولكن ما لم يستطيعوا التعايش معه هو التعايش مع دباباتهم فهل من إنسان يستطيع العيش مع دبابة في غرفة نومه. وما إن تأففت من صمت مُريد في الحافلة جاب يعلل بأنه تعوّد على ذلك من جهة ومن جهة أخرى علّمه الاحتلال ذلك؛ لأنه قد يتلفظ بمعلومة أو يبدي إعجابه بالمقاومين أو أحد المطلوبين عند إسرائيل ويكون محدثك أحد العملاء، وهذا يحدث كثيراً فتجد مجلس عزاء لشهيد وابن عمته هو العميل. أو بعدما اطمئنُ لبسمة شخص مسلّح أسمع قول الكاتب يتردد في أذني: من الصعب الثقة بابتسامة شخص مسلّح هنا. وما إن اتأهب لسماع كلمات الأدباء الفلسطينيين حول تضامنهم إثر ما شاهدوه من واقع مخيمات اللاجئين، أجد مريد يعلّق على كلمة اللاجئ، قائل إنه يجب توضيح من لاجئ عند من؟، فاللاجئين نزحوا إلى هنا بعدما دمرت بيوتهم وممتلكاتهم أي أنهم لجأوا إلى مدن داخل وطنهم لم يتم احتلالها في النكبة كالضفة الغربية وغزة واعْتَبَرَ ذلك أول خطوة لمحو اسم فلسطين من الخريطة ومن التاريخ والذاكرة، فإن كان غرب البلاد اسمها إسرائيل وشرقها الضفة الغربية فأين تقع فلسطين، وهكذا قبل أن تضيع أرضًا تضيع لغةً.
وبينما أجوب القرى الفلسطينية مع مُريد وأسمعه يقول لابنه تميم: ولدت هنا بعدما كان يلفظ: ولدت هناك؛ حيث المكان البعيد الذي نُفي له، أجدني أسمع تندرات الخلايلة، التي تسلّح بها الشعب في ظل الصراع غيرالمتكافئ مع الاحتلال المسلح بأحدث أسلحة العصر فيكره الفلسطيني الأعزل أن يكون مثير للشفقة فيتسلح بالضحك والسخرية حتى من الذات.
هذا هو أسلوب مريد في الراوية، لا يكتفي أن يسرد لك عن دخوله للقدس أو الأصح تسلله للدخول أو أن يحكي لك قصة استلام ابنه للهوية أو يفشي لك قصة اسمه، بل يسمعك حتى أفكاره الداخلية ويصيغ لك بلغة سهلة تراجيديا شعب بأكمله.
هذه الرواية ستأسرك ببساطتها ورمزياتها، وحينما أقول بساطتها، فإني لا أعني الانتقاص أو الازدراء، بل التقدير، عن أسلوب مفهوم قادر على التحليق بك إلى تلك البقعة الطاهرة-فلسطين- فالرواية تتكلم عن الاحتلال والحرب والنضال والتشاؤم تارة والتفاؤل في أكثر الأحيان عبر رموز توصل المعنى بشكل لطيف وحذِق. فلا ملل ولا فتور سيتسلل إليك أثناء القراءة.
About the Author