- د. جهاد بن جميل حمد،أستاذ علم الاجتماع المشارك، قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي.
أعرض في هذه المقالة الظاهرة السوسيولوجية-السريرية المتمثلة في "الحزن غير المعلن" (Disenfranchised Grief) لدى المهاجر، مستندا إلى مقاربة سوسيو/كلينيكية تدمج بين التحليل السوسيولوجي البنيوي والملاحظة النفسية العميقة من خلال تجربتي في كندا بمركز اونتاريوا للصحة النفسية ( Mental Health Centre ( ، وهذا وفق فرضية أن الهجرة المتكررة أو الممتدة لا تنتج فقط أزمة تكيف اجتماعي، بل تولد اضطرابا وجوديا صامتا (Ontological Disorientation) يتمثل في التململ المزمن، والشعور بالاغتراب عن الذات، وعدم القدرة على الانتماء الكامل إلى أي مكان، ومن خلال تحليل آليات الضغط الاجتماعي المعياري وخطاب "الشكر والصمود" (Discourse of Gratitude and Resilience)، توصلت إلى أن تسمية هذه الخسارات الصامتة تشكل التدخل السريري الأول والأهم. واستخلصت الى قاعدة مفادها، ان التكيف الحقيقي مع الهجرة لا يقوم على "التجاوز" بقدر ما يقوم على خلق مساحة آمنة للحداد على الذات المتروكة خلفاً.
هجرة الجسد وبقاء الروح معلقة
في خطاب الهجرة السائد، غالبا ما يُنظر إلى المهاجر بصفته "فاعلا اقتصاديا" أو "طالب لجوء(asylum seeker). “ او "باحثا عن فرص أفضل". لكن ما يغيب عن هذه التصنيفات هو البعد الأنطولوجي (الوجودي) للهجرة، تلك التجربة الداخلية الصامتة التي يعيشها الفرد عندما يجبر - أو يختار - أن يترك جزءا من ذاته خلفه. من هنا، تهدف هذه المقالة إلى تقديم مقاربة سوسيو-كلينيكية تكشف عن "الحزن الصامت" بصفته اضطرابا نفسيا اجتماعيا مخفيا، يستحق أن يذكر و يسمى ويعالج، وليس فقط أن يوصف أو يترك جانبا، واحيانا يهمش بالكامل.
أولا - الحزن غير المعلن - عندما لا يسمح لك المجتمع أن تحزن
وهنا يصف التحليل السوسيولوجي ظاهرة "الحزن غير المعلن" (Doka, 1989) بأنها تلك الخسارة التي لا يعترف بها المجتمع بشكل كاف، فلا تقام لها شعائر الحداد، ولا تمنح مساحة نفسية اجتماعية للتعافي. وتباعا نجد انه في سياق الهجرة، يتمثل هذا الحزن في فقدان الاتي
- اللغة الأم بوصفها نظاما رمزيا عاطفيا، وليس مجرد أداة تواصل.
- الروتين اليومي والمكاني، الذي يشكل عمود الهوية اليومية.
- الشبكات الاجتماعية غير الرسمية (كالجيران، الأقارب، زبائن المقهى المعتادين... وغيرهم).
- النسخة السابقة من الذات، أي "الشخص الذي كنت عليه قبل المغادرة".
لا تصنف هذه الخسارات ضمن الحوادث الصادمة (Traumatic Events) في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) بشكل مباشر، الا أن تراكمها يؤدي إلى حالة مزمنة من "التململ" (restlessness) العاطفي، والشعور بالانفصال عن الذات (depersonalization)، حتى بين المهاجرين الذين استطاعوا في تحقيق نجاحات مهنية واجتماعية ظاهرية وإنجازات ذات تأثير بالمجتمع.
ثانيًا - الضغط الاجتماعي المعياري - طغيان خطاب "الشكر والصمود"
تكشف المقاربة السوسيو-كلينيكية عن وجود إكراه بنيوي يمارسه المهاجر على نفسه، نابعا من استبطان خطاب اجتماعي سائد - أن يكون المهاجر "شاكرا للفرصة الجديدة، شجاعا في مواجهة التحديات، ومتقدما باستمرار" (Ahmed, 2014). هذا الخطاب، وإن بدأ إيجابيا ظاهريا، الا انه يؤدي وظيفة قمعية نفسية - فهو يمنع الفرد من تخصيص مساحة شرعية للمراجعة والانتقاد والحداد.
تتجلى المفارقة، في أن المجتمعات المضيفة تتوقع من المهاجر أن يكون "متكيفا" ومنتجا" و"ممتنا"، بينما المجتمعات الأصلية قد تتهمه بـ"الخيانة" أو "الهروب". في هذه الفجوة المزدوجة، يجد المهاجر نفسه عالقا بين خطابين لا يسمحان له بالحداد، خطاب "عليك أن تكون قويا" في بلد الوصول، وخطاب "لماذا تركتنا؟" في بلد المغادرة. وفي المحصلة، يتحول الحزن الطبيعي إلى أعراض جسدية ونفسية كامنة، منها؛ أرق مزمن، توتر عضلي غير مفسر، شعور غامض بالفراغ، وصعوبة في الإحساس بالمتعة (Anhedonia).
ثالثا - الاضطراب الوجودي - حين لا تنتمي كليًا إلى أي مكان
وهنا لنذهب إلى ما هو أعمق من مفهوم "الحنين إلى الوطن" (Nostalgia) الذي وصفه علماء الاجتماع الكلاسيكيون (Hertz, 1991). فالمهاجر الذي ينتقل عدة مرات (من مدينة إلى مدينة، من بلد إلى آخر، ومن مكان لآخر) يطور حالة نوعية هي "عدم الانتماء الكامل إلى أي مكان" (Belonging nowhere fully). هذه الحالة ليست مجرد شعور عابر، بل اضطراب وجودي يتميز بـ؛
- صعوبة تفريغ الأمتعة (بالمعنى الحرفي والمجازي) عند الانتقال إلى منزل جديد، وكأن الجذور ستنقطع مجددا.
- تراكم "أصداء" عاطفية من أماكن متعددة، دون أن يحظى أي منها بالثبات الكافي ليصبح "بيتا".
- شعور دائم بأن المرء يعيش "خارج ذاته قليلا" (slightly outside yourself)، كما لو كان يشاهد حياته من نافذة قطار مسرع.
ومن منظور سريري، تشبه هذه الحالة أعراض اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (Complex Post Traumatic Disorder- C-PTSD) من حيث العجز عن استعادة الشعور بالأمان الوجودي، لكنها تختلف في كونها لا تنشأ عن حدث صادم واحد، بل عن تراكم الخسارات الصغيرة غير المعلنة. وهنا تكمن خطورتها المخفية - إنها تتسلل بهدوء، وتُعزى خطأ إلى "ضعف الشخصية" أو "عدم القدرة على التكيف".
رابعا - إعادة التسمية - التدخل السريري الأول
الإسهام الأساسي لهذه المقاربة السوسيو-كلينيكية هو إعادة التسمية (Re-labelling) كأداة علاجية أولية. فالتململ، وعدم تفريغ الأمتعة، والشعور الدائم بالاغتراب، والفراغ العاطفي - كلها ليست سمات شخصية أو فشلا في التكيف، بل أعراض شرعية لحزن سريري لم يُعترف به.
من هنا، ندعو العاملين في الصحة النفسية والخدمة الاجتماعية إلى
- تجاوز النماذج التقليدية لتقييم الهجرة التي تركز فقط على التكيف الوظيفي (العمل، السكن، اللغة)، والانتباه إلى البعد الوجودي.
- طرح أسئلة مختلفة في الجلسات الإكلينيكية - ليس فقط "كيف تتكيف مع البلد الجديد؟"، بل "ما الذي تركته خلفك؟ وما الذي لم تحزن عليه بعد؟"، ما الضغوطات التي بداخلك وتخفيها، ولا تستطيع الحديث عنها.
- تخصيص مساحة سريرية صريحة للحداد، قد تشمل طقوسا رمزية (كتابة رسالة وداع للمدينة السابقة، إقامة "طقوس نهاية" للأماكن الضائعة).
- تفكيك خطاب "الشكر والصمود" النمطي، والاعتراف بأن التكيف الصحي يتضمن حزنا بقدر ما يتضمن حراكا.
الخلاصة - بين الحداد والمضي قدما
ليست الهجرة مجرد انتقال في الجغرافيا، بل هي موت لنسخة من الذات وولادة لنسخة أخرى في بيئة غير جاهزة دائما لاستقبالها. إن إنكار حق المهاجر في الحداد لا يجعله "أقوى" - كما يوحي الخطاب السائد - بل يجعله أكثر عرضة للاضطرابات المخفية - التململ المزمن، الاغتراب عن الذات، والشعور الدائم بأنه يعيش في نافذة قطار لا يتوقف أبدا.
العلاج الحقيقي، إذن، لا يكون بتشجيع "التجاوز السريع" أو "الإيجابية الإجبارية"، بل بخلق مساحة آمنة للاعتراف - نعم، لقد خسرت جزءا من نفسك، ونعم، يحق لك أن تحزن عليه. بهذا الاعتراف وحده، يبدأ المهاجر في رحلة الشفاء - ليس بالوصول إلى وجهة نهائية، بل بتعلم العيش مع الخسارة بوصفها جزءا من هويته الجديدة، لا عيبا فيها.