يشكّل الدعم الطلابي أحد أهم الركائز التي تسهم في صناعة تجربة جامعية متوازنة، قادرة على احتواء تحديات الطلبة ومساندتهم أكاديميًا ونفسيًا واجتماعيًا. ولأن الطالب يحتاج خلال رحلته الجامعية إلى من يرشده ويمنحه الثقة والدافع للاستمرار، برزت العديد من المبادرات التي وضعت الطالب في قلب الاهتمام، سعيًا لبناء بيئة جامعية أكثر دعمًا واحتواءً.
وتُعد الفاضلة مها بنت محمد الزدجالي واحدة من الأسماء التي كرّست خبرتها لخدمة الطلبة الجامعيين، من خلال مسيرة تمتد لأكثر من أحد عشر عامًا في مجالات الإرشاد الأكاديمي، والتبادل الطلابي، ودعم الطلبة المتعثرين أكاديميًا وذوي الإعاقة، إلى جانب مشاركتها في مشاريع تُعنى بالتدويل وتعزيز بيئة جامعية شاملة ومحفزة على الاندماج والتعلّم. وفي هذا الحوار، تتحدث مها الزدجالي عن أبرز المبادرات التي عملت عليها، وتجاربها في دعم الطلبة، والأثر الذي يمكن أن يصنعه الإرشاد والمتابعة في حياة الطالب الجامعي.
الخطوة الأولى
انطلاقًا من مبادراتكم المتنوعة لدعم الطلبة، كيف تنظرون إلى أهمية الإرشاد الطلابي في تعزيز تجربة الطالب الجامعية منذ اليوم الأول؟
الإرشاد الطلابي هو الخطوة الأولى لبداية حياة جامعية مريحة ومتوازنة للطالب؛ لأن الطالب عندما يدخل الجامعة يكون مقبلًا على مرحلة جديدة فيها مسؤوليات وتحديات مختلفة، فوجود شخص يوجهه ويدعمه يصنع فرقًا كبيرًا في تجربته. والإرشاد لا يقتصر فقط على الجانب الدراسي، بل يساعد الطالب نفسيًا واجتماعيًا أيضًا.
والأهم بالنسبة لي أن يشعر الطالب بأنه ليس وحده في هذه المرحلة، وأن هناك من يسمعه ويوجهه وقت الحاجة. فأحيانًا مجرد وجود الدعم والمتابعة يمنح الطالب راحة وثقة أكبر في نفسه وفي قدرته على التأقلم مع الحياة الجامعية. لذلك أرى أن الإرشاد الطلابي يلعب دورًا كبيرًا في بناء تجربة جامعية إيجابية ومتوازنة منذ البداية.
فيما يتعلق بمبادرة دعم الطلبة المستجدين، ما أبرز التحديات التي يواجهها الطلبة في بداية مشوارهم الجامعي، وكيف تساعدهم المبادرة على تجاوزها؟
أغلب الطلبة المستجدين يواجهون تحديات مثل التأقلم مع البيئة الجامعية، وفهم الأنظمة الأكاديمية، وتنظيم الوقت، بالإضافة إلى التوتر والخوف من المرحلة الجديدة. وبعضهم أيضًا يواجه صعوبة في تكوين الصداقات أو الشعور بالاندماج.
ومن هنا جاءت المبادرة حتى تكون خطوة داعمة لهم منذ البداية، من خلال الجلسات التعريفية والإرشادية والمتابعة المستمرة، بحيث يشعر الطالب بأنه ليس وحده، وأن هناك دعمًا يساعده على تجاوز هذه المرحلة بثقة وراحة أكبر متى ما احتاج إلى المساندة.
الطلبة الواقعين تحت الملاحظة الأكاديمية
كيف تسهم الجلسات الإرشادية والتوعوية المقدمة ضمن مبادرة الطلبة المستجدين في تعزيز اندماج الطلبة أكاديميًا واجتماعيًا داخل جامعة السلطان قابوس؟
تساعد الجلسات الإرشادية الطلبة على فهم الحياة الجامعية بشكل أبسط وأوضح، سواء من ناحية الأنظمة الأكاديمية أو الخدمات والفرص الموجودة داخل الجامعة. كما تركز على مهارات مهمة مثل التواصل، وإدارة الوقت، والتعامل مع الضغوط الدراسية.
وتُعد هذه المبادرة مهمة جدًا؛ لأن نظام الجامعة يختلف بشكل كبير عن النظام المدرسي، وكثير من الطلبة يدخلون الجامعة دون أن تكون لديهم صورة واضحة عن طبيعة الحياة الجامعية ومتطلباتها. لذلك فإن فهم الأنظمة منذ البداية يساعدهم على تجنب كثير من التحديات والأخطاء التي قد يواجهونها لاحقًا، ويجعلهم أكثر استعدادًا وثقة في التعامل مع تجربتهم الجامعية.
بالنسبة لمبادرة دعم الطلبة الواقعين تحت الملاحظة الأكاديمية والمعرضين لها، كيف يتم التعامل مع حالات التعثر الأكاديمي بطريقة تراعي الجانب النفسي والتحفيزي للطالب؟
أؤمن بأن التعثر الأكاديمي لا يعني نهاية الطريق، لذلك نتعامل مع الطالب بطريقة داعمة بعيدة عن اللوم أو الضغط. نحاول أولًا فهم الأسباب الحقيقية وراء التعثر، سواء كانت أكاديمية أو نفسية أو حتى ظروفًا شخصية، وبعدها نعمل مع الطالب على وضع خطة بسيطة وواضحة تساعده على التحسن خطوة بخطوة.
ونركز كثيرًا على التحفيز وتعزيز ثقة الطالب بنفسه، ونحرص دائمًا على تذكيره بأن كثيرًا من الطلبة مرّوا بتحديات مشابهة وتمكنوا من تجاوزها وتحقيق نتائج جميلة، وهذا ما يمنحه الأمل والدافع للاستمرار. وفي بعض الحالات يتم توجيه الطالب إلى مركز الإرشاد الطلابي للحصول على دعم نفسي إذا احتاج إلى ذلك؛ لأننا نؤمن بأن الجانب النفسي له دور كبير جدًا في التحسن الأكاديمي والشعور بالاستقرار.
ما أثر جلسات المتابعة الفردية والتحفيز المستمر في رفع مستوى الدافعية والثقة بالنفس لدى الطلبة الذين يواجهون تحديات أكاديمية؟
كان لجلسات المتابعة الفردية صدى كبير مقارنة ببعض المبادرات الأخرى، وهي الأقرب إلى قلبي شخصيًا؛ لأنها تمنح الطالب مساحة آمنة وشعورًا بأنه مسموع ومفهوم، وأن هناك من يتابع تقدمه ويهتم بتحدياته بشكل مباشر. وهذا الأمر يساعده على التحدث براحة والبدء في رؤية الحلول بطريقة أوضح بدلًا من الشعور بالضغط أو الإحباط.
ومع التحفيز المستمر، يبدأ الطالب في استعادة ثقته بنفسه والشعور بأنه قادر على التحسن وتجاوز الصعوبات، وحتى الإنجازات الصغيرة يكون لها أثر كبير في رفع دافعيته وتشجيعه على الاستمرار. وأحيانًا أحرص على مشاركة قصص ونماذج لطلبة مرّوا بتحديات مشابهة وتمكنوا من تجاوزها وحققوا نتائج جميلة؛ لأن هذا يمنحهم أملًا ودافعًا أكبر، ويجعلهم يؤمنون بأن التحسن ممكن مع الاستمرار والمحاولة.
وأجمل ما في الأمر بالنسبة لي هو رؤية التغيير الذي يحدث في شخصية الطالب وثقته بنفسه مع الوقت، وهذا بحد ذاته يمنحني دافعًا أكبر للاستمرار في دعم الطلبة والعمل على مثل هذه المبادرات.
التجارب الدولية
في مبادرة التبادل الطلابي، كيف تسهم التجارب الدولية في بناء شخصية الطالب الجامعي وتطوير مهاراته القيادية والثقافية؟
التجارب الدولية تمنح الطالب فرصة للاطلاع على ثقافات وتجارب جديدة توسّع نظرته للحياة والدراسة. وخلال برنامج التبادل يتعلم الطالب كيف يعتمد على نفسه ويتأقلم مع بيئات مختلفة، وهذا بحد ذاته يطور شخصيته بشكل كبير ويزيد من ثقته بنفسه.
كما يضع البرنامج الطالب في مواقف وتحديات جديدة يحتاج إلى التعامل معها بنفسه، سواء في الدراسة أو الحياة اليومية أو التواصل مع الآخرين، وهذا يساعده بشكل كبير على تطوير مهارات حل المشكلات، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية.
إضافة إلى ذلك، تسهم هذه التجارب في تعزيز مهارات التواصل والعمل الجماعي والقيادة، وتجعل الطالب أكثر مرونة وانفتاحًا على الثقافات المختلفة، إلى جانب اكتساب خبرات عالمية تنعكس بصورة إيجابية على مستقبله الأكاديمي والمهني.
ومن الأمور الجميلة التي لاحظتها شخصيًا أنني لمست تغيرًا كبيرًا في شخصيات كثير من الطلبة بعد مشاركتهم في برامج التبادل الطلابي، سواء من ناحية الثقة بالنفس أو طريقة التفكير والاستقلالية. وبعضهم يتواصل معي بعد عودته ويشاركني كيف أثّرت فيه التجربة وغيرت كثيرًا من جوانب شخصيته وطموحاته، وهذا يعكس فعلًا الأثر الكبير الذي تتركه مثل هذه الفرص في حياة الطالب.
الطلبة المحولين من خارج الجامعة
أشرتم إلى أن الطلبة المحولين من خارج الجامعة يحتاجون إلى دعم مضاعف بسبب اختلاف البيئة الجامعية، ما أبرز الخطوات التي تتبعونها لمساعدتهم على التأقلم والاستقرار خلال الفصل الأول؟
الطلبة المحولون غالبًا ما يواجهون تحدي التأقلم مع نظام وبيئة جديدة، لذلك نحرص منذ البداية على تقديم دعم يساعدهم على الشعور بالاستقرار والراحة. ونقوم بتنظيم لقاءات تعريفية وجلسات إرشادية توضّح لهم الأنظمة الأكاديمية والخدمات الجامعية وطبيعة الدراسة في جامعة السلطان قابوس؛ لأن الانتقال من جامعة إلى أخرى قد يكون تجربة مليئة بالتغيير والتحديات.
ولأنني شخصيًا مررت بتجربة التحويل، فقد جعلني ذلك أفهم بصورة أكبر التحديات والمشاعر التي يمر بها الطالب المحول، سواء من ناحية التأقلم أو الشعور بالغربة في البداية. لذلك سعيت إلى تقديم الدعم الذي كنت أتمنى الحصول عليه في بدايتي، وأحاول التخفيف عليهم وجعل تجربتهم أسهل وأكثر راحة.
كيف يسهم الفريق الطلابي المساند للطلبة المحولين من خارج الجامعة في خلق بيئة داعمة تساعدهم على تكوين الصداقات والشعور بالانتماء وتجاوز التحديات الجامعية؟
يلعب الفريق الطلابي المساند دورًا جميلًا ومهمًا جدًا؛ لأنه يكون قريبًا من الطلبة المحولين ويفهم شعورهم وتحدياتهم بحكم التجربة. ووجود طلبة داعمين يساعدهم على الشعور براحة أكبر في السؤال والاستفسار، ويخفف عنهم رهبة البداية.
ومن الأمور التي أحرص عليها شخصيًا كثيرًا مساعدتهم في التعرف والتواصل مع طلبة يدرسون المقررات نفسها أو ينتمون إلى التخصص ذاته؛ لأن هذا يسهل عليهم كثيرًا من ناحية الدراسة والتأقلم، ويجعلهم يشعرون براحة أكبر عندما يكون لديهم أشخاص يشاركونهم التجربة نفسها والتحديات اليومية.