X638311283768843821

 

Banner-02

 

واقع التنويع الاقتصادي العُماني: مكاسب وتحديات

02 May, 2026 |

 

  • بقلم: أحمد بن عبدلله الوهيبي

 

أن الحديث عن التنويع الاقتصادي اليوم في سلطنة عُمان لم يعد مجرد شعاراً تنموياً، بل أصبح مسار واقعي تتشكل ملامحه تدريجيًا على أرض عُمان. ففي ظل التحولات والتقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة عالميًا، وجدت السلطنة نفسها أمام ضرورة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي وذلك لضمان قدرًا أكبر من الاستقرار، وليؤسس مستقبل أكثر توازنًا واستدامة. فمن هذا المنطلق، جاءت رؤية عُمان 2040 كإطار استراتيجي يحدث تحولًا جذريًا نحو اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار وتعزيز دور القطاع الخاص. فلم يعد النفط هو المكون الوحيد للحركة الاقتصادية، بل أصبح أحد مكوناتها ضمن منظومة أوسع وأكثر تنوعًا. وقد أكد جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – في خطاباته السامية أن تنويع مصادر الدخل لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية لضمان استدامة بنية الاقتصاد العُماني (السعيدي، 2023).  ولكن إلى أي مدى نجحت سلطنة عُمان فعليًا في تقليص اعتمادها على النفط؟ ما هي القطاعات التي تعول عليها لتحقيق هذا التنويع؟

 

لقد حققت سلطنة عمان تقدمًا حقيقيًا في تقليل اعتمادها على النفط تجلى ذلك في ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي خلال الخطة التنموية الخمسية العاشرة (2021–2025)، إذ بلغت نحو 73.3% حتى الربع الثالث من عام 2025. ويُعد هذا المؤشر انعكاسًا واضحًا لفعالية سياسة التنويع الاقتصادي التي تبنته السلطنة، ومدى التقدم في تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040". فقد أفاد الدكتور سالم آل الشيخ، المتحدث الرسمي بوزارة الاقتصاد: أن الصادرات غير النفطية شهدت نموًا ملحوظًا، فقد بلغت نحو 6.7 مليار ريال عُماني في عام 2025 مقارنةً بالسنوات السابقة، مؤكداً ان السلطنة تواصل تعزيز التنويع الاقتصادي كركيزة أساسية لتحقيق الاستدامة المالية والاقتصادية (جريدة عمان، 2024). فقد اتخذت السلطنة خطوات مهمة لدعم هذا التنويع ومن أبرزها توجيه جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه لله - في عام 2024 بتأسيس "صندوق عُمان المستقبل" برأس مال يبلغ 2 مليار ريال عُماني يتم استثمارها على مدى خمس سنوات، وذلك بهدف تعزيز الاستثمار وتنويع مصادر الدخل، ودعم المشاريع، وتقليل الاعتماد على النفط. 

 

فعلى مستوى القطاعات المستهدفة في التنويع الاقتصادي في رؤية عمان 2040، برزت الصناعات التحويلية كمكون أساسي في بنية الاقتصاد العُماني الجديد، حيث ارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي إلى 10.09% في عام 2024. كما عززت السلطنة قطاع الخدمات اللوجستية والنقل البحري، فقد استفادت من الموقع الاستراتيجي لموانئها مثل صحار والدقم وصلالة، والذي وضعها في منقطة ربط بين الأسواق الأوروبية والأسواق الآسيوية. وبالإضافة إلى ذلك، اتجهت السلطنة نحو الاستثمار في قطاع الطاقة، ولا سيما الهيدروجين الأخضر هو "النفط الجديد"، بهدف ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي وعالمي رائد في إنتاجه وتصديره، مع استهداف إنتاج أكثر من مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، وجذب استثمارات تقدر قيمتها نحو 140 مليار دولار بحلول عام 2050. فقد أشارت جريدة الرؤية (2023) إلى أن سلطنة عُمان، ممثلةً في وزارة الطاقة والمعادن، تمضي قُدماً في هذا المجال، حيث وقّعت بالفعل اتفاقيات لمشاريع أولية تتجاوز قيمتها 49 مليار دولار. كما شهدت قطاعات التعدين والسياحة والزراعة والثروة السمكية نمواً ملحوظ حيث سجلت ارتفاع في الناتج المحلي بنسبة 10.2% في عام 2025. فكل هذه القطاعات سجلت إيرادات حول 3.573 مليار ريال عُماني في ميزانية السلطنة لعام 2025 بارتفاع قدره 1.5% مقارنة بعام 2024، يعكس هذا استمرار نمو القطاعات الغير نفطية وتعزيز دورها في التنويع الاقتصادي (جريدة عمان، 2024).

لكن، وعلى الرغم من هذا النمو، فإن مسار التنويع الاقتصادي لا يخلو من التحديات. فلا يزال النفط يشكل دعامة أساسية للاقتصاد العُماني، فقد بلغت إسهام الأنشطة النفطية في الناتج المحلي الإجمالي نحو 7.2 مليار ريال عُماني (جريدة الرؤية، 2025). كما أن الإيرادات الحكومية ما تزال تتأثر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية خصوصاً في فترة الأزمات والتوترات الدولية، أيضاً أن المشاريع الكبرى في مجال الطاقة المتجددة، مثل الهيدروجين الأخضر، لا تزال في مراحلها الأولى، وتحتاج إلى وقت طويل قبل أن تُحقق عوائد اقتصادية ملموسة ومستدامة. وهذا يدل على أن التحول في التنويع الاقتصادي لا يزال تدريجياً وليس جذرياً بالكامل.

في الختام، قطعت السلطنة شوطًا كبيراً مهماً في التنويع الاقتصادي، فقد تحولت من دولة تتعمد بشكل كبير على النفط إلى دولة اقتصادها أكثر توازنًا تنمو فيه القطاعات غير النفطية، وفقد أتضح ذلك التحول في ارتفاع مساهمة هذه القطاعات ونمو صادراتها، إلى جانب إطلاق مبادرات حكومية داعمة له. إلا أن هذا المسار، رغم تقدمه، لا يزال في طور الترسخ، ويحتاج إلى استمرارية.  أما مستقبلًا، فإن نجاح السلطنة لا يتوقف فقط على تقليل الاعتماد على النفط، بل على قدرتها على بناء اقتصاد معرفي مبتكر يقوده الإنسان العُماني ويعتمد على الكفاءة والإنتاجية لتتحول كلياً إلى نموذج تنموي مستدام يُحتذى به في المنطقة والعالم، بحيث لا يكون النفط محور الاقتصاد، بل أحد روافده ضمن منظومة متكاملة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واستقرار.

 

 

المراجع:

  1. السعيدي، ح. م. (2023، 28 نوفمبر). مضامين الخطاب السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق. مجلة إشراق العمانية. تم الاسترجاع من https://eshraq-om.com/?p=1153
  2. جريدة عمان. (2024، 12 مايو). سلطنة عمان تحرز تقدما في تحقيق أولويات التنويع الاقتصادي. تم الاسترجاع من https://www.omandaily.om/الاقتصادية/na/سلطنة-عمان-تحرز-تقدما-في-تحقيق-أولويات-التنويع-الاقتصادي
  3. جريدة الرؤية. (2023، 13 يونيو). عُمان تضع قدماً راسخة في اقتصاديات الطاقة النظيفة مع التحول لمركز عالمي رائد لإنتاج الهيدروجين الأخضر. تم الاسترجاع من https://alroya.om/post/324673
  4. جريدة الرؤية. (2025، 12 يناير). تقرير دولي: عُمان تمضي بخطى واثقة نحو التحول الاقتصادي الشامل وفق "رؤية 2040". تم الاسترجاع من https://alroya.om/post/364947

About the Author