- بقلم الدكتور جهاد بن جميل حمد ، أستاذ علم الإجتماع المشارك ،قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي.
نحو تأصيل سوسيولوجي للنقاش
قبل الخوض في تقييم أي سياسة أكاديمية أو توجه بحثي، يقتضي المنهج العلمي، في إطار سوسيولوجيا المعرفة، تفكيك البنى الاجتماعية الكامنة وراء الخطوط النقدية نفسها. فبعض المقاربات النقدية المعاصرة، وإن كانت مشروعة في دوافعها، تميل إلى توظيف لغة تعميمية تفتقر إلى الدقة الإجرائية والموضوعية، من قبيل وصف قرارات أكاديمية بـ"الخطيرة" أو نسب نوايا "التحايل" إلى الزملاء الباحثين. وهذا الأسلوب لا يصمد أمام التحليل السوسيولوجي الرصين؛ حيث يمكن تفسيره، في ضوء نظرية "البنى الاجتماعية للخطاب العلمي" (Bourdieu, 1988)، كمظهر من مظاهر "الإحباط المعرفي المؤسسي" (Institutional Cognitive Frustration) الناتج عن فجوة بنيوية بين التوقعات الذاتية للباحث ومعايير التقييم الأكاديمي العالمية والمحلية. ومن منظور سوسيولوجيا الانحراف الأكاديمي (Sociology of Academic Deviance)، فإن هذا النمط الخطابي لا يعالج الإشكالات الجوهرية، بل يحد من قوة التماسك الداخلي للمجتمع العلمي، ويعزز حالات العزلة المعرفية، ويعيد إنتاج منطق "صدام المشروعية" دون تقديم بدائل إجرائية.
أولاً- المنصات العالمية كمعايير موضوعية لا كأدوات اغتراب
تؤكد العديد من الأدبيات المعاصرة في كل من سوسيولوجيا المعرفة، واقتصاديات العلوم، ودراسات سياسات الابتكار، على أن معايير التقييم العالمية (مثل قواعد بيانات الاستشهاد المجردة ومؤشرات الأثر) لم تنشأ في فراغ ثقافي أو كأدوات هيمنة مسبقة، بل تبلورت كاستجابة منهجية للحاجة إلى مقارنة الإنتاج البحثي عبر أنظمة أكاديمية وثقافية مختلفة، في سياق عولمة المعرفة. وعليه، فإن رفض هذه المعايير بحجَّة "الانتماء الثقافي" أو "الخصوصية المحلية" فقط، يمثل، وفقا لنماذج نقدية متطورة مثل "نظرية التبعية المعرفية" (Mamdani, 2001) و"منطق العزلة الاستشهادية" (Citation Isolation Logic)، ممارسة غير منتجة علميا وأكاديميا، لأنها تضع النظم البحثية المحلية في دائرة مغلقة من الاستشهاد الذاتي المحدود، مما يؤدي إلى تراجع التنافسية المعرفية وتآكل معايير الجودة. وبالتالي، فإن السؤال الجوهري ليس ثنائيا: "هل نتعامل مع العالمي أم نرفضه؟" بل سؤال إجرائي إبستمولوجي، "كيف يمكن إنتاج معرفة محلية رصينة، ذات متانة منهجية وأصالة موضوعية، بحيث تُحدث تأثيرا مدعوما بالدليل والنسبة المعيارية داخل تلك المنصات العالمية ذاتها؟
ويؤكد التحليل السوسيولوجي المقارن أن المزج المدروس بين المرجعيات العالمية (كمعايير للجودة والتنافسية) والإسهامات المحلية (كغرض للارتباط المجتمعي والأصالة) هو الاتجاه الذي تتبناه الجامعات والأنظمة البحثية الرائدة في دول التعليم العالي المتوسطة والقوية، مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية والهند. ففي هذه النماذج، يُنظر إلى الانفتاح الخاضع للمعايير الدولية كعامل تمكين للقوة الناعمة العلمية، وليس كتهديد للهوية الأكاديمية. وبهذا المعنى، فإن الأصالة الأكاديمية لا تتحقق في عزلة عن العالمي، بل في قدرة الباحث على الترجمة النقدية البناءة بين الخاص والعام، وبين المحلي والمعياري الدولي، وفق ضوابط منهجية وأخلاقية راسخة.
ثانياً: الإنتاج الدوري العربي بين معايير الجودة الأكاديمية ورهانات السوق المعرفية المحلية
لا يرقى الجدل حول ضرورة تعزيز النشر العلمي باللغة العربية إلى مستوى الإشكال الراهن، بقدر ما تبين المعطيات السوسيولوجية الميدانية وجود فجوات بنيوية تطاول جزءا من المنظومة الدورية العربية (مع الإقرار بوجود استثناءات نوعية). وتتمظهر هذه الفجوات في ثلاث مستويات مترابطة:
- ضعف أداء إجراءات التحكيم العلمي، ولا سيما ما يتعلق بالتحكيم المزدوج السري، حيث تظهر مؤشرات على تراخ زمني وإجرائي يُضعف قيمة التقويم الأكاديمي.
- غياب شفافية التمويل واشتباك المصالح، ما يفتح الباب أمام تساؤلات ابستمولوجية حول استقلالية المعرفة المنتجة ومدى خضوعها لمنطق الرعاية الموجهة.
- تحوّل النشر أحياناً إلى أداة ترقية إجرائية منقوصة المراجعة المعرفية، حيث تُفقد المقالات العلمية قيمتها الإضافية للمعرفة لصالح وظيفتها البراغماتية في المسار المهني الأكاديمي.
هذه الظواهر لم تخرج من فراغ، بل هي موثقة في أدبيات تقويم النشر العلمي على المستوى الإقليمي، ومن بينها المسوحات الميدانية التي اهتمت بأخلاقيات البحث في المنطقة العربية، مثل تقارير اللجان الوطنية لأخلاقيات البحث والدراسات المقارنة المنشورة في هذا السياق (على سبيل المثال، أعمال الهيئة الوطنية السعودية للبحث العلمي، واللجنة الدائمة لأخلاقيات البحث في جامعة الدول العربية، وغيرها من المبادرات الأكاديمية الجادة).
أما معايير التقييم العالمية، فليست سببا في نشأة هذه الإشكالات، بل هي مجرد أداة كاشفة (أو مرآة سوسيولوجية) تعكس واقع جودة المجلة وفق معايير كونية قابلة للنقاش والتكيف. وعليه، فإن الدفاع الحقيقي عن البحث العربي الأصيل لا يمر عبر التحصين الجدلي بالخصوصية، بل عبر إصلاح هيكلي داخلي يُخضع المجلات العربية لمتطلبات الشفافية والرصانة العلمية. ذلك لأن الحماية الفعلية للبحث باللغة العربية تقتضي إنتاج فضاء معرفي مفتوح وموثوق، لا الالتجاء إلى مغالطة تجنب المراجعة النقدية باسم الدفاع عن الذات الثقافية.
ثالثاً – نموذج التكامل المعرفي بين الأصالة والمعايير العالمية، الجامعات الخليجية نموذجاً
في إطار سوسيولوجيا التعليم العالي، لا يمكن حصر الخيارات المؤسسية في ازدواجية زائفة بين "أصالة محلية مطلقة" و"انفتاح كوني شامل"، بل يتجلى النموذج الأمثل في بنية تكاملية ترتكز على ثلاثة محاور استراتيجية:
1. التكوين المزدوج للباحث – بحيث يُشكَّل انطلاقا من عمق ثقافي محلي، مع إتقان آليات المنهجيات العالمية وأدوات النشر المعرفي. وهذا يتوافق مع ما يسميه بيير بورديو "الاستيعاب العملي للرأسمال الثقافي المزدوج" (Bourdieu, 1984).
2. المعايير التنظيمية كحوافز تطويرية – إذ ينبغي ألا تُقرأ شروط النشر (كتصنيفات Scopus وWeb of Science) كآليات إلغاء للمجلات المحلية، بل كمعايير دافعة للإصلاح المؤسسي. والمهلة الانتقالية التي تمنحها الجامعات للمجلات العربية الضعيفة تمثل، في التحليل السوسيولوجي، "إطاراً مؤسسياً تصحيحيّاً" وليس إقصاءً بنيوياً.
3. توثيق الإنتاج المعرفي المحلي بمنهجيات عالمية – خاصة في مجالات التاريخ المحلي، واللسانيات الاجتماعية، والدراسات الثقافية، ما يجعل هذه الإنتاجات قابلة للمراجعة والقياس والتنافس عالميا، دون تفريغها من خصوصيتها السياقية. ويُعرف هذا في أدبيات الدراسات ما بعد الكولونيالية بـ"العالمية المتجذرة" (Grounded Globality) (Connell, 2007). حيث تشير دراسة أجرتها جامعة قطر (2021) حول سياسات البحث العلمي في دول الخليج إلى أن المؤسسات التي طبقت نموذج "التقييم المزدوج" (محلي في الأسئلة، وعالمي في المنهج) حققت ارتفاعاً في الاستشهادات الدولية بنسبة تجاوزت 40% خلال ثلاث سنوات.
رابعاً – التشخيص البنيوي لتراجع دوافع البحث العلمي الرفيع
خلافاً للتفسيرات السطحية القائلة بضعف الحافز الفردي، فإن التباطؤ المعرفي في البحث الأكاديمي الخليجي والعربي يعود إلى عوامل بنيوية عضوية، نوجزها في ثلاث ركائز سوسيولوجية:
1. التقوقع الموضوعي (Thematic Endogamy) - تركُّز الأسئلة البحثية على قضايا محلية ضيقة، غير قابلة للامتداد النظري أو المقارن عبر الثقافات، مما يعزِّز العزلة الأكاديمية ويمنع تراكم المعرفة في إطار كوني.
2. خلل تمويلي هيكلي - إذ تُوجَّه الأولويات المالية غالباً إلى استشارات محدودة الانتشار أو عقود خدمية، على حساب برامج بحثية تنافسية طويلة الأمد وعالية التأثير. ويُعد ذلك انعكاساً لـ"التبعية التمويلية" التي تناقشها سوسيولوجيا العلوم 1987 Latour).
3. غياب ثقافة النقد البناء الممنهج: وهو شرط أساسي للتراكم العلمي وفق نماذج تطور المعرفة (Thomas Kuhn, 1962). فغياب المجلات العلمية الرصينة التي تنشر مناقشات نقدية، أو لجان تحكيم تتسع للخلاف المعرفي، يُنتج بنية معرفية هشة لا تقوى على التجاوز والتصحيح. وهنا، فانه لا يكون بإلغاء المعايير الدولية، بل بتمكين الباحثين محلياً من قاعدة صلبة تسمح لهم بالتأثير إقليمياً وعالمياً. فجودة البحث الحقيقية تُقاس بقدرته المزدوجة: حل مشكلة محلية، وصياغة نموذج قابل للتعميم في سياقات أخرى.
نحو سيادة معرفية قائمة على الجسور لا الجدران
إن بناء السيادة المعرفية الحقيقية في المجتمعات العربية – كما في الجامعات الخليجية تحديداً – لا يتحقق بالانغلاق تحت شعارات الهوية، بل بالقدرة على إنتاج معرفة محلية أصيلة تخضع للمعايير العالمية فتثبت جدارتها في ميادينها. تحويل أداة تقييم دولية (كتصنيف المجلات) إلى "هدف نهائي" هو تشويه إبستمولوجي للنقاش؛ فالأصل هو تأهيل الإنتاج العربي ليكون حاضراً ومؤثراً بشكل طبيعي في تلك المنصات.
ما يُوصف نقداً بأنه "تقييم قاسٍ" هو في جوهره – من منظور سوسيولوجيا المعرفة – اختبار موضوعي لقدرة البحث المحلي على المنافسة في الفضاء العام للمعرفة؛ وهو اختبار لا مفر منه لأي نظام معرفي يسعى إلى البقاء والامتداد الحضاري.
ان جودة البحث لا تُقاس بعدد المجلات التي نُخفيها من التقييم، بل بقدرتنا على جعلها مؤثرة ، تتنافس بشفافية وعدالة. ومن أراد مجداً أكاديمياً مؤسسياً، فعليه أن يبني جسوراً معرفية، لا جدراناً عازلة.