بقلم : إسماعيل بن حمد الكندي
ترتبط الصحة النفسية لعقود مطولة بسياقات اجتماعية وثقافية معقدة تجعل أقل حوار عنها محدوداً و ممزوجاً بالحذر ، وتشير دراسة “ Help-seeking behaviour for mental health problems in Oman” (Al-Adawi et al.,2017) إلى أن سلوك طلب المساعدة النفسية في المجتمع العماني لا يزال منخفض نسبياً ، و الاضطراب النفسي لم يفهم بشكل صحيح ولم يعتبر بأنه حالة طبية تحتاج لتدخل متخصص ، وذلك ما ولّد سلوكا مجتمعيا عاما يستنفر من طلب المساعدة من الطب النفسي ونتيجة لذلك يقل الإقبال على العيادات النفسية في أكبر حالة وأقلها، مقابل اللجوء الدائم للأساليب التقليدية والدعم العائلي والديني كبديل للتعامل مع أي ضغط نفسي.
ولم تقتصر هذه الحالة الإجتماعية على تلك الحلول التقليدية فقط، حيث أن العلاج النفسي مرتبط بـ"العيب" وبسمعة الأسرة المقدسة، مما يجعل الإفصاح عنه حرجاً في المدينة الفاضلة!
ولا تحدد هذه النظرة فئة أو جيلا معينا من المجتمع، فقد أظهرت دراسة “Mental health stigma among Oman medical specialty board residents ” (Al-Kharusi et al.,2017) أن أثر الوصمة الاجتماعية قد يمتد حتى للعاملين في القطاع الصحي أنفسهم، وذلك مما يعكس وراثة الفكر والمواقف الاجتماعية، وطرح هذا السياق يمكننا من فهم موقف الأجيال الأقدم بوصفه نتيجة لبيئة اجتماعية كانت وقد لا تزال تعطي الأولوية للتحمل وكتم الضغط النفسي، ولكن ليس نتيجة جهل بل تراكم فكر عبر التاريخ ولد طريقة فهم وسلوك واحد تجاه الصحة النفسية .
من جانب آخر، هنالك الجيل الجديد الذي يهتم بشكل ملحوظ في فهم مصطلحات الصحة النفسية، ومدعوماً بعوامل تقنية لم تكن متاحة في الجيل السابق وإن كانت متاحة فهي لم تستخدم بالطريقة ذاتها في هذا السياق، فقد ساهم الإنتشار لمحركات البحث والمعلومات المجانية المدعمة بأنظمة الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وبجانب وسائل التواصل الإجتماعي مثل منصة "Tik Tok" "Instagram" في نشر مواضيع نفسية مثل الإكتئاب والاضطرابات الشخصية بشكل يومي
ولكن هذا الأمر لا يخلو من التعقيدات؛ فقد ظهر وبشكل ملحوظ بما يسمى "التشخيص الذاتي" وتشير أبحاث منشورة على “PubMed central” بعنوان “Mental health stigma and barriers care in Oman” الى أن سهولة الوصول للمعلومات دون الوعي العلمي الكافي تقود لظهور هذه الظاهرة التي يعتمد فيها الأفراد على عرض المعلومات وبشكل سريع ومختصر لتفسير حالات نفسية صغيرة وكبيرة ، وذلك مما يرتبط مع خوارزميات المنصات التي تقود من مصطلح لمصطلح آخر يقود لمعرفة سطحية قد تتحول لهوس المعرفة الذي يجعل من الفرد يفسر أي سلوك بربطه بالمصطلح النفسي الذي يفهمه بشكل غير دقيق .
وذلك ما وضحته أبحاث منشورة على "pubMed central" التي تربط بين التعرض المكثف لمحتوى الصحة النفسية عبر الإنترنت وبين زيادة احتمال تبني مفاهيم وسلوك نفسي دون تشخيص متخصص نفسي.
وبين هذا الهوس المتنامي، وما يصاحبه من فهم غير دقيق يتكون لدينا جيل شاب يعبر بشكل مفتوح ويسعى إلى الفهم، ولكنه يحتاج للموازنة بين المعرفة المفرطة والفهم الغير الدقيق للصحة النفسية والمعرفة من خلال الإرشاد الصحيح .
برأي البعض، أن طرح فكرة وجود "فجوة" بين الأجيال في المعرفة بالصحة النفسية قد تكون مبالغة ، وأن الجيل القديم يمكن أن يوصف في هذا السياق بالتحفظ وليس رفض الوعي بالعلاج النفسي وربطه بالعيب، وذلك تعبيراً لنضج وتجربة أعمق، ومما يدعم هذا الرأي هو أن المبالغة في طرح المواضيع المرتبطة بالصحة النفسية في الغالب تكون لا واقعية وتثير المشاعر التي من المفترض أن تكون مشاعر تمر بسرعة وبشكل طبيعي، وذلك ما يولد جيل جديد هش وغير قادر على التحمل بحكم انتشار المصطلحات النفسية بشكل واسع وسريع، وربط هذا الإنتشار كذلك بالموضة الثقافية أكثر من كونه وعي .
يكمن الدور الأهم في تضييق هذه الفجوة يقع على عاتق جانبين أحدهما الخطاب الإعلامي والآخر الخطاب الديني، ففي سياق مجتمعنا العماني يمكن للإعلام أن يتحول من مجرد ناقل للظاهرة إلى أداة تفسير وموازنة، فبدلاً من تقديم مواضيع الصحة النفسية كموضوع مجرّد وعلمي أو ترند مستهلك، يمكن تقديمه كطرح مهني يخلط بين البعد العلمي والتجربة الاجتماعية، ويمكن تحويله لمحتوى رقمي ينشر في منصات التواصل الإجتماعي سواء كمحتوى مقروء أو مسموع ومرئي.
في الجانب المقابل فإن الخطاب الديني له أثر كبير على الجيلين التي تنشأ بينهم الفجوة، وخاصة من خلال منابر المساجد، فحين يطرح موضوع الصحة النفسية تحت إطار ديني متوازن، يربط بين التوكل والأخذ بالأسباب، وبين الصبر وطلب العلاج، فإنه يسهم في تخفيف حدة الوصمة عند الأجيال السابقة والإفراط في الفهم عند الأجيال الجديدة.
هذا التكامل بين الخطابين يخلق تأثيراً عميقاً ومستداماً، فنشر المعرفة بجانب تبسيط الفهم بالخطاب الإعلامي، وتعزيز القبول الاجتماعي وإعادة تأطير المفاهيم بما يتناسب مع القيم الدينية يساهم في بناء إرتباط وثيق بين الجيلين، وتقلل من توسع الفجوة وتطرح التفاهم داخل المجتمع.
ختاماً، يجب التعامل مع هذه الظاهرة على أنها مرحلة يمر بها المجتمع العماني كما هي أي مرحلة إنتقالية على أي صعيد، وأن التحدي يكمن في بناء ذلك الجسر لسد الفجوة بدل أن نتركها في حالة صراع وقلة وعي، فالصمت المفرط ليس حلاً كما أن التفسير المفرط ليس هو البديل المباشر، وبينهم يجب أن يقوم الإتزان.
وعند ذلك يمكن أن تتحول الصحة النفسية من موضوع إختلاف لمواضيع لقاء، وتسهم في تعزيز التماسك بين الأفراد مع نفسهم ومع أسرهم و مع المجتمع.