وهم التفوق وصناعة الذات
- بقلم: يوسف بن بدر المنذري
في البيئة الجامعية، حيث يُفترض أن تتشكل ملامح الوعي وتتبلور ملامح المستقبل، لا يقتصر التمايز بين الطلبة على الفروق الأكاديمية فحسب، بل يتجاوزها إلى أنماط تفكير وسلوك تعكس رؤية كل فرد لمعنى “النجاح” ذاته. وهنا تظهر مفارقة لافتة: فئة تسعى بجدية إلى التعلم والتجريب وتطوير المهارات، في مقابل فئة أخرى تتبنى موقفًا ساخرًا أو متحفظًا تجاه هذا السعي، بل وتُعيد تأطيره بوصفه مبالغة أو استعراضًا.
هذه المفارقة ليست سطحية، بل يمكن فهمها في ضوء ما تشير إليه دراسات علم السلوك حول “آليات الدفاع النفسي”، حيث يميل بعض الأفراد إلى التقليل من قيمة ما لا يستطيعون بلوغه، حفاظًا على توازنهم الداخلي. في هذا السياق، تتحول السخرية من المجتهدين إلى خطاب ضمني يعكس توترًا داخليًا أكثر مما يعكس تقييمًا موضوعيًا للواقع.
لكن السؤال الأهم: لماذا تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في المرحلة الجامعية تحديدًا؟
الجامعة ليست مجرد فضاء للتلقي، بل هي بيئة انتقالية بين التعليم الموجّه والحياة المهنية المستقلة. في هذه المرحلة، يُطلب من الطالب أن يتحمل مسؤولية تعلمه، وأن يحدد مساره بنفسه، وأن يستثمر وقته خارج قاعة المحاضرة بوعي. هذا التحول يكشف الفروقات الحقيقية بين من يمتلك دافعية ذاتية، ومن اعتاد الاعتماد على الحد الأدنى من الجهد.
في المقابل، تلعب البيئة الرقمية دورًا مضاعفًا في تشكيل هذه السلوكيات. فالتعرض المستمر لنماذج “نجاح مختزلة” عبر وسائل التواصل الاجتماعي يخلق تصورًا غير واقعي لمسار الإنجاز، حيث تبدو النتائج وكأنها منفصلة عن الجهد. هذا الإدراك المشوّه يدفع بعض الطلبة إلى التقليل من قيمة العمل التراكمي، واستبداله بتوقعات آنية لا تستند إلى واقع عملي.
أما الطلبة الذين ينخرطون في مسار التعلم الجاد، فهم لا يكتسبون المعرفة فقط، بل يطورون ما يمكن تسميته بـ“كفاءة التعلم” أي القدرة على اكتساب مهارات جديدة، والتكيف مع متطلبات متغيرة، والتعامل مع الفشل بوصفه جزءًا من عملية التطور. هذه الكفاءة تمثل فارقًا حاسمًا في المدى البعيد، لأنها تتجاوز حدود التخصص الأكاديمي إلى بناء عقلية مرنة وقابلة للنمو...وهنا تتسع الفجوة بمرور الوقت.
الفارق بين الطالبين لا يبقى في حدود الدرجات أو التحصيل، بل يتحول إلى فرق في طريقة التفكير، في إدارة الفرص، وفي القدرة على اتخاذ القرار. الطالب المجتهد يصبح أكثر استعدادًا لاقتناص الفرص المهنية، ليس لأنه “محظوظ” بالضرورة، بل لأنه بنى أدواته تدريجيًا. في حين أن الطالب المتقاعس قد يجد نفسه أمام الفرص ذاتها، لكنه يفتقر إلى الجاهزية لاستثمارها.
من منظور علم الاجتماع، يمكن القول إن ما يحدث هو عملية “تراكم غير متكافئ”: كل جهد صغير اليوم يضيف قيمة مستقبلية، وكل تأجيل مستمر يخلق فجوة يصعب ردمها لاحقًا. وهنا لا يعود السؤال: من الأفضل الآن؟ بل: من يبني نفسه بطريقة تجعله قادرًا على الاستمرار؟
في النهاية، لا تحسم هذه المفارقة داخل قاعات الدراسة، بل فيما بعدها..في سوق العمل، في مسارات الحياة، في القدرة على التكيف مع عالم سريع التغير. هناك فقط، تتراجع الأصوات الساخرة، وتظهر النتائج بصمت. ويبقى الدرس الأهم: أن الجامعة تختبر ذكاءك بقدر ما تختبر التزامك، ولا تقيس ما تعرفه فقط، بل ما أنت مستعد أن تصبحه.
المصدر: كتاب المتميزون قصة نجاح للكاتب مالكوم جلادويل
About the Author