المؤثرون بين صناعة الوعي وصناعة التفاهة
بقلم: أحمد بن عبدلله الوهيبي.
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ للتواصل أو أدوات لتبادل المعرفة، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه “سوق عكاظ” رقمي واسع، يختلط فيه الجيد بالرديء، وتتصدر واجهته شخصيات استمدت مكانتها من عدد المتابعين لا من جودة المحتوى. فنحن اليوم أمام ظاهرة “المؤثرين” أو المشاهير الذين أصبحوا جزءًا من حياتنا اليومية، ويمارسون دورًا توجيهيًا قد يتجاوز أحيانًا دور المؤسسات التربوية والاجتماعية، وهو ما يستدعي وقفة تأمل حقيقية بعيدًا عن ضجيج الإعجابات وتأثير الفلاتر.
وقد بدأت بعض الآثار السلبية تنعكس بشكل واضح على المجتمع والسمت العُماني المعروف بالوقار والاعتدال، حيث ظهرت سلوكيات دخيلة نتيجة تقليد ما يُعرض في هذه المنصات، مما أحدث تغيرًا تدريجيًا في بعض القيم والعادات، خصوصًا لدى فئة الشباب، وهو ما يتطلب وعيًا أكبر للحفاظ على الهوية في ظل هذا الانفتاح الرقمي المتسارع.
إن المشكلة الحقيقية ليست في منصات التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، بل في “صناعة التفاهة” التي أصبحت تُسوّق على أنها نجاح. فقد اختزل البعض مفهوم التأثير في استعراض تفاصيل الحياة اليومية وتحويل الخصوصية إلى سلعة لأغراض إعلانية وتسويقية. كما أصبح من الشائع تقديم محتوى سطحي على أنه إنجاز كبير، حتى نجد أنفسنا أمام “خبراء” في مجالات متعددة خلال وقت قصير، لا نتيجة خبرة حقيقية بل نتيجة انتشار سريع تدعمه خوارزميات المنصات. وهنا تكمن الخطورة، إذ قد ينساق الجيل الصاعد وراء هذه النماذج، معتقدًا أن طريق النجاح يمر عبر الإثارة وجذب الانتباه بدلًا من الاجتهاد والمعرفة.
وفي المجتمع العُماني، المعروف بقيمه واعتداله، تخلق هذه الظاهرة نوعًا من التحدي بين الحفاظ على الهوية والانفتاح الرقمي غير المنضبط. فالمؤثر الحقيقي اليوم هو من يترك أثرًا نافع في المجتمع، ويطرح قضية تخدم المجتمع، أو يدعم مبادرات إيجابية، أو يناقش الظواهر بأسلوب واعٍ ومسؤول. أما السعي وراء الترندات السريعة والشهرة المؤقتة، فهو مجرد وهم سرعان ما يختفي ويترك خلفه فراغًا فكريًا.
وفقد أصبح اليوم بعض المؤثرين يدخلون عالم الشهرة عبر استغلال الأطفال وإقحامهم في المحتوى، مما يؤدي إلى سلب جزء من طفولتهم بهدف تحقيق الشهرة والربح المادي، إضافة إلى نشر محتويات قد تمس القيم والعادات في المجتمع العُماني وتؤثر على صورة المحتوى الهادف في منصات التواصل الاجتماعي، وهو أمر غير مقبول لما له من آثار اجتماعية وتربوية خطيرة.
لذلك، نحن اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم “الشهرة” في وعينا المجتمعي، فالشهرة الحقيقية ليست في عدد المتابعين أو حجم الانتشار، بل هو في الأثر الإيجابي والقيمة التي يقدّمها الفرد للمجتمع. فالقدوة الحقيقية تتمثل في الطبيب الذي يسهر على راحة المرضى، والمعلم الذي يبني العقول، والمهندس الذي يشيد البنيان، وكل من يسهم في بناء المجتمع، لا فيمن يستعرض حياة مثالية بعيدة عن الواقع.
كما أن هذا النوع من المحتوى قد يترك آثارًا سلبية على الأجيال الناشئة، حيث يؤثر على طريقة تفكيرهم وتكوين قيمهم، ويزرع لديهم مفاهيم غير واقعية عن الحياة والنجاح إذا لم يتم التعامل معه بوعي ومسؤولية. ومن هنا تبرز أهمية وضع ضوابط واضحة لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، بما يضمن حماية الأطفال من الاستغلال، والحفاظ على تماسك الأجيال، وتعزيز المحتوى البنّاء الذي يساهم في تنمية الفكر والوعي.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع؛ مؤسسات إعلامية، وأولياء أمور، وصناع قرار، للحد من المحتوى غير الهادف وتعزيز المحتوى المسؤول الذي يخدم المجتمع. فالكلمة أمانة، والظهور العام مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن يكون مكسبًا ماديًا، ويجب العمل على ترسيخ وعي رقمي يحمي قيمنا، ويصون أجيالنا، ويضمن مجتمعا متماسك وواعي بما يستهلكه من محتوى.
About the Author