X638311283768843821

 

Banner-02

 

الهوية الوطنية وإدارة التعددية الثقافية في بيئة العمل

01 Apr, 2026 |

 

  • بقلم: الدكتور جهاد بن جميل حمد، أستاذ علم الاجتماع المشارك، قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي.

 

 

 

في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وتزايد تداخل الثقافات على المستوى العالمي، ترتفع الهوية الوطنية بوصفها محوراً مركزياً في مسارات التنمية لأي مجتمع يسعى إلى التحديث دون التقصير في خصوصيته الثقافية. وتكتسب قضية التعددية الثقافية في بيئة العمل، في سياق سلطنة عُمان، أبعاداً استثنائية تستحضر تحليلاً سوسيولوجياً تطبيقياً، نظراً لموقع ومكانة هذا البلد الذي يجمع بين أصالة التاريخ وحداثة الرؤية التنموية.

وفي هذا السياق نجد ان جامعة السلطان قابوس، باعتبارها مؤسسة أكاديمية وطنية تضم كوادر بشرية من خلفيات ثقافية متعددة، نموذجاً مصغراً يعكس واقع التعددية الثقافية في مؤسسات الدولة العُمانية (Al Muqarshi & Kaparou, 2023). فمنذ تأسيسها عام 1986، استقطبت الجامعة أكاديميين وباحثين وإداريين من مختلف دول العالم، ليشكلوا مع الكوادر الوطنية نسيجاً مؤسسياً فريداً. وهذا التنوع، الذي يمثل ثروة معرفية، يثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول آليات التفاعل بين الثقافات المختلفة داخل بيئة عمل واحدة، وانعكاسات ذلك على الهوية الوطنية والاندماج الاجتماعي. هذا النسيج المتنوع الذي يشكل لوحة إبداعية جميلة من الكوادر المعرفية الاكاديمية والإدارية بارتباط عقلاني واعي للعلاقات الاجتماعية والثقافية.

تنطلق هذه المقالة من سؤال مركزي يعكس واقعًا يومياً في المؤسسات العُمانية – "كيف يمكن بناء هوية وطنية متماسكة في ظل وجود كثيف لثقافات أخرى؟ وما السبل لتحقيق اندماج اجتماعي حقيقي يتجاوز العلاقات الوظيفية السطحية؟ وكيف تؤثر التعددية الثقافية في التفاعل المهني والإنتاجية المؤسسية؟ (Ennis, 2025). هذه التساؤلات تمثل قضايا راهنة تمس مسيرة التنمية الوطنية وتؤثر في بنية المجتمع العُماني الذي حافظ على تماسكه عبر عقود من التغيير المتسارع.

 

أولاً - التعددية الثقافية في سوق العمل العُماني - المشهد العام

يشهد سوق العمل العُماني تنوعا ثقافياً لافتاً، حيث تتعايش جنسيات متعددة من مختلف المناطق العربية والآسيوية والأوروبية وشمال أمريكيا. ولا يعتبر هذا التنوع وليد اللحظة، بل يمتد جذوره إلى تاريخ سلطنة عُمان الطويل كدولة بحرية وتجارية ارتبطت بثقافات المحيط الهندي وشرق أفريقيا والخليج العربي (Pritt, 2025). غير أن المرحلة الراهنة تتميز باتساع نطاق هذا التنوع وانتشاره في كافة قطاعات العمل، من القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي الذي يضم خبرات أجنبية في مجالات حيوية.

وفي جامعة السلطان قابوس، يتجلى هذا التنوع بوضوح عبر وجود أكاديميين وإداريين يمثلون أكثر من أربعين جنسية، موزعين على مختلف الكليات والإدارات. هذا المشهد البشري المتنوع يشكل مختبراً اجتماعياً فريداً لدراسة آليات بناء التفاعل الإيجابي بين الثقافات المختلفة (Al Muqarshi, 2024). ومع ذلك، فإن هذه التعددية، رغم كونها مصدر إثراء معرفي وخبرات هامة، تنطوي على تحديات حقيقية؛ إذ تمثل تفاعلات يومية بين أفراد يحملون تصورات مختلفة حول العمل والتواصل والقيادة، وهي اختلافات إذا لم تُفهم وتُدار بوعي، قد تتحول إلى مصادر احتكاك تؤثر في الإنتاجية والانسجام الوظيفي (Randeree, 2008).

 

ثانياً - الهوية الوطنية في سياق التعددية - بين الصمود والتفاعل

الهوية الوطنية ليست كياناً جامداً، بل هي بناء حي يتشكل باستمرار من خلال تفاعل الأفراد مع محيطهم الاجتماعي (Haslam & Platow, 2001). في بيئة العمل المتعددة الثقافات، تواجه الهوية الوطنية تحدياً مزدوجاً - الحفاظ على خصوصيتها وقيمها الأساسية، وفي نفس الوقت الانفتاح على الآخر والتعلم منه دون فقدان الذات.

في جامعة السلطان قابوس، يعيش المنتسب العُماني في فضاء تتقاطع فيه ثقافات متعددة؛ ففي قاعات الدرس، يلتقي الطالب العُماني بأستاذ يحمل ثقافته وأسلوبه في التدريس، وفي المختبرات والاجتماعات الإدارية، تُطرح أفكار تعكس تنوعاً في أساليب التفكير. وهذا المشهد اليومي يطرح سؤالاً محوريا - هل يشكل هذا الانفتاح الثقافي تهديداً للهوية الوطنية، أم هو فرصة لإعادة صياغتها بصورة أكثر قدرة على مواكبة العصر؟ (Hogg, 2001).

من المنظور السوسيولوجي، تعتبر الهوية الوطنية القوية هي التي تستطيع التفاعل مع الثقافات الأخرى دون أن تذوب فيها، والاستفادة من التنوع دون أن تفقد تماسكها الداخلي. وتظهر تجربة جامعة السلطان قابوس أن الهوية الوطنية يمكن أن تخرج من تجربة التعددية الثقافية أكثر رسوخاً، بشرط وجود سياسات واعية تحمي الخصوصية وتشجع الانفتاح في آن واحد (Oman Vision 2040, 2020). وقد أسهمت آليات عدة في ترسيخ قيم الهوية الوطنية في المؤسسات العُمانية، مثل الاعتماد على اللغة العربية في التعليم والتواصل، والالتزام بالمناسبات الوطنية والقيم المجتمعية الأصيلة، مما يشكل حاجزاً يحمي الهوية من الذوبان مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة للتفاعل الإيجابي الواعي.

 

ثالثاً - الاندماج الاجتماعي - من التبادل الوظيفي إلى التفاعل الإنساني

ان الاندماج الاجتماعي في بيئة العمل المتعددة الثقافات لا يتحقق تلقائياً بمجرد تواجد جنسيات متعددة في مكان واحد؛ بل هو عملية اجتماعية تفاعلية معقدة تتأثر بالسياسات المؤسسية، وثقافة المؤسسة، والاستعداد الشخصي للانفتاح (Neal, 2010). ويمكن تمييز مستويات مختلفة من الاندماج في جامعة السلطان قابوس. المستوى الأول هو الاندماج الوظيفي، الذي يتحقق عندما يتمكن العاملون من مختلف الثقافات من أداء مهامهم المهنية بكفاءة، وهو الأقل تحديًا إذ تجمع المصالح المهنية الأفراد.

أما المستوى الثاني والأكثر عمقًا، فهو الاندماج الاجتماعي الإنساني، الذي يتجلى في العلاقات الشخصية التي تتجاوز حدود العمل. وهذا المستوى هو الأكثر تحدياً، لأنه يتطلب تجاوز الحواجز الثقافية والاجتماعية/النفسية. وتتراوح حالات الاندماج في الجامعة بين علاقات صداقة متينة تمتد لتشمل الأسر، وبين حالات من الانعزال النسبي حيث يقتصر التواصل على الإطار الوظيفي (Ennis, 2025). وتتحمل المؤسسات مسؤولية خلق بيئة تشجع على الاندماج الإيجابي، وقد نجحت جامعة السلطان قابوس في ذلك عبر توفير منصات للتفاعل الثقافي/الاجتماعي ووجود نادي للموظفين وهياكل/سياقات تفاعلية أخرى التي تستند الى قالفعاليات التي تجمع المنتسبين من مختلف الجنسيات، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل.

رابعاً - التفاعل المهني - من التحدي إلى الإبداع المؤسسي

إذا كان الاندماج الاجتماعي يتعلق بالعلاقات الشخصية، فإن التفاعل المهني يرتبط بالإنتاجية والإبداع المؤسسي، وهنا تكمن القيمة المضافة الحقيقية للتعددية الثقافية. فقد أثبتت التجارب العملية في جامعة السلطان قابوس أن تنوع الخلفيات الثقافية للأكاديميين يمكن أن يكون مصدرًا للإبداع والتميز والتنمية الاكاديمية، حيث يضيف الأكاديمي القادم من مدرسة علمية مختلفة أبعادًا جديدة للمعرفة وطرائق التفكير، مما يثري الحوار العلمي ويطور المناهج وطرائق التدريس، بل ويجلب تجربة التنوع في البحث العلمي (Al Muqarshi & Kaparou, 2023).

غير أن التفاعل المهني الإيجابي يتطلب فهمًا عميقًا للاختلافات الثقافية في أساليب العمل؛ فبعض الثقافات تميل إلى التواصل المباشر، بينما تفضل أخرى الأسلوب غير المباشر. وقد تسبب هذه الاختلافات سوء فهم إذا لم تُفهم جيدًا. وتوضح الدروس المستفادة من تجربة الجامعة - أن المؤسسات الناجحة في إدارة التنوع الثقافي هي التي تستثمر في بناء الوعي بهذه الاختلافات، وتوفر برامج تدريبية تعزز مهارات التواصل بين الثقافات (Kiran et al., 2026). وتبين النماذج الناجحة في الجامعة أن التفاعل المهني الإيجابي يمكن أن يصل إلى مستويات عالية من الإبداع المشترك، حيث تتحول الاختلافات الثقافية إلى مصدر إلهام وقوة علمية، اكاديمية وإدارية، بل أصبحت هذه الاختلافات الثقافية/العلمية فاعل في تنمية مستوى العلاقات الاجتماعية وغيره من العلاقات على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي.

خامساً - جامعة السلطان قابوس - نموذج في إدارة التنوع الثقافي

تقدم جامعة السلطان قابوس نموذجًا متميزًا في إدارة التعددية الثقافية، قائمًا على ثلاثة عناصر أساسية. العنصر الأول: المرجعية الوطنية الواضحة، فالجامعة مؤسسة وطنية رؤيتها ورسالتها تنطلق من الهوية العُمانية والاحتياجات التنموية للسلطنة، مما يشكل إطارًا جامعًا للأهداف المشتركة (Oman Vision 2040, 2020). العنصر الثاني: ثقافة الاحترام والتقدير، حيث تقوم بيئة العمل على الاحترام المتبادل بين جميع المنتسبين، وهو ما يترجم إلى ممارسات يومية في التعامل. العنصر الثالث: الاستثمار في التواصل، عبر تنظيم فعاليات وأنشطة تجمع بين الثقافات المختلفة، مما يوفر مساحات للتفاعل الإنساني تتجاوز حدود العمل اليومي (Pritt, 2025).

هذه العناصر مجتمعة جعلت من الجامعة بيئة عمل نموذجية لدراسة كيفية تحقيق التوازن بين التعددية الثقافية والهوية الوطنية، وتحويل التنوع إلى قوة دافعة للإبداع المؤسسي.

سادساً - تحديات قائمة وآفاق مستقبلية

رغم النجاحات المحققة، تبقى تحديات قائمة تستدعي المعالجة. التحدي الأول: تعميق الاندماج الاجتماعي، إذ لا تزال هناك فجوات في التفاعل الاجتماعي خارج نطاق العمل (Neal, 2010). التحدي الثاني: التحديث مع الحفاظ على الخصوصية، حيث يبقى التساؤل حول كيفية مواكبة التغيرات العالمية دون المساس بالقيم والهوية العُمانية. التحدي الثالث: نقل الخبرات وبناء القدرات الوطنية، وهو أحد الأهداف الأساسية لوجود الخبرات الأجنبية، ويتطلب خططًا واضحة لضمان أن يكون وجودهم إضافة نوعية (Kiran et al., 2026). التحدي الرابع: مواكبة التحولات الديموغرافية، مع تنامي أعداد العُمانيين المؤهلين، مما يستدعي إدارة حكيمة واعية من اجل تحقيق التوازن بين الاستفادة من الخبرات الأجنبية وتمكين الكوادر الوطنية.

خاتمة

تبين تجربة سلطنة عُمان في إدارة التعددية الثقافية، وخصوصاً في جامعة السلطان قابوس، على أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يتعارض مع الحفاظ على الهوية الوطنية، بل يمكن أن يكون معززاً لها إذا ما أٌحسن التعامل معه (Al Muqarshi, 2024). فالهوية العُمانية، بفضل عمقها التاريخي وتماسكها الاجتماعي/الثقافي/التراثي، أثبتت قدرة فائقة على استيعاب التنوع دون فقدان الخصوصية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التعددية الثقافية ذاتها، بل في القدرة على إدارتها بحكمة ووعي، مما يبرز أهمية البحث العلمي والدراسات السوسيولوجية التطبيقية في تطوير السياسات والممارسات.

وفي ظل رؤية عُمان 2040 التي تضع الإنسان في صلب التنمية، تظل قضية بناء الهوية الوطنية في سياق التعددية الثقافية من القضايا المركزية التي تستحق المزيد من الدراسة (Oman Vision 2040, 2020). وتجربة جامعة السلطان قابوس، إذا ما أحسن توثيقها وتحليلها، يمكن أن تشكل نموذجاً يُحتذى به في منطقة تشهد تحولات متسارعة، مما يثبت أن التنوع ليس تهديداً بل ثروة حقيقية تتطلب إدارة حكيمة ورؤية واضحة.

 

About the Author