X638311283768843821

 

Banner-02

 

يوم الأرض والطاقة النظيفة: نحو هندسة مستدامة لمستقبل أفضل

28 Mar, 2026 |
  • الدكتور إبراهيم عز الدين موسى النعيمي-أستاذ مساعد بقسم الهندسة الكهربائية والحاسب الآلي بكلية الهندسة 

يأتي يوم الأرض في كل عام ليوقظ فينا حسّ المسؤولية تجاه كوكبنا، مذكّرًا إيّانا بأنّ موارد الأرض ليست بلا حدود، وأنّ الحفاظ عليها واجب إنسانيّ وأخلاقيّ ودينيّ. ومن موقعي كأستاذ في كلية الهندسة في جامعة السلطان قابوس، أوجّه حديثي إلى أبنائي الطلبة داخل الجامعة وخارجها، مؤكّدًا أنّ التحوّل نحو الطاقة النظيفة لم يعد خيارًا ترفيهيًّا، بل ضرورة حتميّة تفرضها التحديات البيئية والاقتصادية المتسارعة. لقد أسهم الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوريّ في زيادة الانبعاثات الكربونية وارتفاع درجات الحرارة العالمية، ممّا يهدّد استقرار الأنظمة البيئية، ويؤثّر في الأمن المائيّ والغذائيّ، وهو ما يدفعنا كمهندسين إلى البحث عن حلول مستدامة تقوم على مصادر الطاقة المتجدّدة، كالشمس والرياح، والتي تمتلك سلطنة عُمان فيها إمكانات واعدة بفضل موقعها الجغرافي ومناخها المميّز. وفي هذا السياق، تتجه الجهود الوطنية، ضمن رؤية عُمان 2040، إلى تعزيز مساهمة الطاقة المتجدّدة في مزيج الطاقة، بما يحقّق تنوّعًا اقتصاديًّا واستدامة بيئية.
إن دور المهندس اليوم يتجاوز حدود التصميم التقليدي، ليشمل الابتكار في تطوير أنظمة ذكيّة لإدارة الطاقة ورفع كفاءتها، مثل الشبكات الكهربائيّة الذكيّة وتقنيات تخزين الطاقة، إضافة إلى تبنّي مفاهيم المباني الخضراء والمباني صفريّة الطاقة التي تقلّل الاعتماد على الشبكة الكهربائيّة. كما أن تحقيق كفاءة الطاقة لا يقلّ أهمية عن إنتاجها، فكل واط يُوَفَّر هو طاقة لم نحتج إلى إنتاجها، ومن ثمّ انبعاثات أقلّ وموارد محفوظة للأجيال القادمة. ومن هنا، فإن ترشيد استهلاك الكهرباء يمثّل مسؤوليّة مشتركة تبدأ من السلوك الفردي، كإطفاء الأجهزة غير المستخدمة واستخدام التقنيات عالية الكفاءة، وتمتدّ إلى مستوى المؤسّسات من خلال تبنّي سياسات مستدامة.
ومن منظور ديني، فإن الإسلام يحثّ على الاعتدال وعدم الإسراف، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وهي قاعدة عامة تشمل الموارد جميعها، بما فيها الطاقة. كما يرسّخ مفهوم الاستخلاف في الأرض مسؤوليّة الإنسان في عمارتها والحفاظ عليها، لا استنزافها وإفسادها، ويؤكّد ذلك قول النبي ﷺ: «ما من مسلم يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا فيأكل منه طير ولا إنسان إلا كان له به صدقة»، وهو توجيه عظيم نحو الاستدامة والعمل النافع طويل الأثر.
وفي الختام، فإن يوم الأرض ليس مناسبة عابرة، بل نقطة انطلاق نحو عمل مستمر لبناء مستقبل أكثر استدامة. إن الاستثمار في الطاقة النظيفة، إلى جانب ترشيد استهلاك الكهرباء، يمثّلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة. وأبنائي الطلبة، إن دوركم محوري في هذا التحوّل؛ فبأفكاركم ومشاريعكم ووعيكم يمكن أن تصنعوا الفرق، وأن تكونوا روّادًا في بناء اقتصاد أخضر يحفظ البيئة ويخدم المجتمع. فلنجعل من هذا اليوم دافعًا للعمل، ولنتذكّر دائمًا أن قوّة الإنسان الحقيقيّة تكمن في قدرته على حماية كوكبه، وأن مستقبلنا يبدأ بما نقرّره اليوم.
 

About the Author