رواية الفقراء: الفقر بين تساؤلات أخلاقية
- بقلم: إسماعيل بن حمد الكندي
ليست كل الروايات التي تحمل عنواناً بسيطاً تكون بسيطة في أثرها، وهذا ما تشعر به عندما تقلب أولى صفحات رواية "الفقراء" للكاتب الروسي العظيم "فيدور دوستويفسكي". العنوان يجعلك تتفكر في أوله عن أننا بصدد القراءة عن مأساة مادية، ولكنها تجعل قراءها يخوضون رحلة إلى داخل النفس الإنسانية المعقدة و"الفقيرة".
تبدأ أحداث هذه الرواية من مراسلات بين شخصيتين: "ماكار ديفوشكين" و"فرفارا ألكسييفنا"، وبعد كل رسالة ينتهي منها القارئ، يأخذ نفساً عميقاً ليستوعب كمَّ المشاعر المتناقضة التي تُخلق داخل صدره.
بين "ماكار" الذي يصرخ بالبساطة، و"فرفارا" سمية الحرير، يكتب دوستويفسكي ويقدم حالة الفقر في هذه الشخصيات كحالة تجعل القارئ يتساءل -كما هو الحال في كل روايات دوستويفسكي-: هل الفقر أبلغ معنىً من الحاجة للمادة؟ هل العوز يقلّب تصرفات الإنسان؟ وغيرها من التساؤلات التي تضع القارئ في حيرة.
وتظهر في الرواية معاني الفقر في تناقض شخصية "ماكار" الذي له مفاهيم ثابتة لا يرضى المساس بها كالكرامة، والصدق، والأمانة، والمسؤولية وغيرها، والتي يرى أن كائناً من كان يجب أن يتحلى بهذه الصفات الفضلى. ولكن يظهر ذلك التناقض الكبير داخله في وقت العوز والحاجة إلى سد الجوع، ويضرب بتلك المعاني "الفضلى" عرض الحائط. هذا الصراع الداخلي يكشف لنا أن المعاني الأخلاقية والقيم الثابتة تصبح عرضة للاهتزاز حين يشتد الفقر.
بناء هذه الشخصية الفقيرة المتناقضة لدى دوستويفسكي يظهر رغبته في إظهار حقيقة الفقر لدى الإنسان والفكرة. والمعنى الأكبر من هذا الجانب هو أن الفقير يضع الفضيلة كشخص وليس كفعل؛ فهو يرى أن أسمى النفوس هي تلك التي تعاني، والسمو هنا ليس قيمة ثابتة بل انعكاس لطريقة عيش الإنسان.
يضع دوستويفسكي شخصية "ماكار" في مقدمة التضاد بين الرذيلة والفضيلة، والحرية والعبودية وغيرها، والتي تظهر بطريقة مغايرة عما هو متعارف عليه. وهنا التشديد لضرورة التعاطف مع تعريف "الفقراء" لهذه المفاهيم؛ فلا يمكن أن نوحد تلك المعاني ونجعلها تحت ظرف واحد، فتعريف الغني وذو الطبقة المتوسطة يختلف عن تعريف الفقير لتلك المعاني.
وهنا أتجه لفكرة الدين الذي نعتقد بطريقة خاطئة أنه يوحد المفاهيم، ولكن في سموه هو يفضح الفروقات الطبقية بين أفراد المجتمع. ففي المجتمع يرى الغني وذو الطبقة المتوسطة والفقير أن الفضيلة في سموها هي الصلاة والعبادات الأخرى، وذلك يوحد مفهوم الفضيلة ويضرب بالمفاهيم التي ترتبط بمشاعر الإنسان عرض الحائط. إن الفضيلة بمعناها الحقيقي لا يمكن أن تكون موحدة حتى وإن كانت مرتبطة بالعبادة؛ نعم العبادة فضيلة ولكنها جزء من كل، وذلك ما يجب أن نلتفت له من خلال هذه الرواية.
في النهاية، رواية الفقراء لا تحكي عن الحاجة للمال بقدر ما تتحدث عن صراع النفس بين رجل يعوز ولكنه يتألم من فقدان المعنى، وامرأة محتاجة لكن يؤلمها أن تختار بعكس ما تعوزه نفسها.
سيد وإمام المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "خرج الغنى والفقر يجتولان.. فلقيتهما القناعة فسكنا". إن المفاهيم عند ثباتها غنيٌ حاملها، وإن فقدها سقط في براثن الفقر.
About the Author