الحارات العُمانية بين التاريخ والعمران في محاضرتين علميتين
- كتبت/ مريم بنت وليد الرحبية
نظم قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية محاضرتين علميتين تناولتا موضوع الحارات العُمانية من جوانب تاريخية وعمرانية وسوسيولوجية، وذلك بحضور عدد من الأكاديميين والطلبة والمهتمين بالتراث العمراني العُماني.
المحاضرة الأولى كانت بعنوان “تاريخ الحارات العُمانية: دراسة وتوثيق النسيج العمراني والذاكرة المكانية”، وقدمها الدكتور هيثم العبري، حيث استعرض خلالها مجموعة من المصادر والمراجع التي تناولت الحارات العُمانية بالدراسة والتوثيق من زوايا متعددة. كما تناول أنواع التوثيق المختلفة للحارات، موضحًا أهميتها في حفظ الموروث العمراني والثقافي. ووجّه المحاضر الحضور إلى مراحل وخطوات توثيق الحارات، ابتداءً من مرحلة ما قبل العمل الميداني التي تتضمن جمع المعلومات والاطلاع على المصادر، مرورًا بمرحلة العمل الميداني التي تشمل المسح والتوثيق المباشر، وصولًا إلى مرحلة ما بعد العمل الميداني التي تتضمن تحليل البيانات وتنظيمها وإعداد الدراسات العلمية المتعلقة بها.
أما المحاضرة الثانية فجاءت بعنوان “السوسيولوجيا العمرانية للحارات العُمانية: دراسة سوسيولوجية أثرية”، وقدمها الدكتور جهاد بن جميل حمد، أستاذ علم الاجتماع المشارك بقسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي. وقدّم المحاضر قراءة سوسيولوجية للحارات العُمانية متجاوزًا الوصف المعماري التقليدي، متخذًا من حارة الحجرة القديمة بقرية سيماء العلاية في ولاية إزكي نموذجًا للدراسة، لبيان العلاقة بين الفضاء العمراني والبنية الاجتماعية للمجتمع.

وأوضح د. حمد أن الفضاء العمراني في الحارات العُمانية ليس مجرد إطار مكاني محايد، بل يُعدّ منتجًا اجتماعيًا يساهم في تشكيل الهوية الاجتماعية وإعادة إنتاج العلاقات والترتيبات القبلية والاجتماعية عبر الأجيال. كما استعرض البعد التاريخي والجغرافي لولاية إزكي، مشيرًا إلى أهميتها التاريخية وموقعها عند الطرف الجنوبي لممر سمائل، إضافة إلى الإشارات التاريخية لاسمها في نقوش آشورية تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد.
وتناول المحاضر الإطار النظري لتحليل النسيج العمراني للحارات، مستعينًا بعدد من النظريات الاجتماعية، منها مفهوم “الهابيتوس” للمفكر بيير بورديو، ونظرية “الهيكلة” لأنتوني جيدنز، لشرح كيفية انعكاس القيم الاجتماعية مثل التضامن والخصوصية في تصميم الأزقة، وتلاصق المباني، واستخدام الفضاءات المشتركة كالمسجد والسبلة.
كما أوضح أن تفاصيل العمارة في الحارة تحمل دلالات اجتماعية مهمة؛ حيث يعكس موقع المنزل وحجمه وزخرفته المكانة الاجتماعية لصاحبه، في حين يعكس التنظيم الداخلي للمنازل فلسفة اجتماعية تنظم العلاقات الأسرية وتحقق الخصوصية داخل الفضاء السكني.
وتطرقت المحاضرة كذلك إلى دور المؤسسات الاجتماعية داخل الحارة، مثل المسجد الذي يعزز الروابط الاجتماعية، والسبلة التي تمثل فضاءً لاتخاذ القرارات المجتمعية، إضافة إلى نظام الأفلاج الذي يشكل بنية اجتماعية وتقنية قائمة على العدالة في توزيع المياه والتعاون بين أفراد المجتمع.
وفي ختام المحاضرة، تناول د. جهاد حمد التحديات المعاصرة التي تواجه الحارات العُمانية، ومنها الهجرة إلى المساكن الحديثة، ما أدى إلى تحول بعض الحارات إلى أماكن مهجورة مهددة بالاندثار. واقترح مجموعة من الحلول لإحيائها، من بينها الترميم الوظيفي للمباني التاريخية، وتحويل بعضها إلى مراكز ثقافية، وإشراك الشباب في عمليات التوثيق، وتنظيم السياحة بما يحافظ على خصوصية النسيج العمراني للحارات العُمانية.
About the Author