X638311283768843821

 

Banner-02

 

تقنيات العبث المسرحي عند صمويل بيكيت

15 Mar, 2026 |

 

الشفاء بنت عبدالله اليعربية، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية

 

شهد القرن العشرون تحولات جذرية في الفكر الإنساني انعكست بوضوح على الفنون الأدبية بكافة أشكالها، لا سيما فن المسرح. فبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، لم يعد المسرح قادرًا على تمثيل الواقع وفق النموذج الكلاسيكي القائم على النظام والسببية والتقدم؛ مما أدى إلى ظهور ما يعرف بـ "مسرح العبث"، الذي سعى إلى تجسيد حالة فقدان المعنى التي عاشها الإنسان المعاصر عن طريق التمثيل.

يُعد صمويل بيكيت، الكاتب المسرحي الإيرلندي، أحد أبرز رواد هذا التيار؛ حيث لم يكتفِ بيكيت بطرح موضوعات عبثية، بل أعاد تشكيل البنية الدرامية نفسها بحيث أصبحت مرآة عاكسة لهذا العبث. يهدف هذا البحث إلى تحليل تقنيات الكتابة المسرحية لدى بيكيت، مع التركيز على مسرحية "في انتظار غودو"، وإيضاح الكيفية التي تحوّل فيها "اللاحدث" إلى حدث مسرحي، وكيف أصبح الصمت عنصرًا أساسيًا في البنية الفنية لا يقل أهمية عن الحوار والشخصيات.

 

أولًا: حياته ونشأته والسياق التاريخي والفكري

وُلد صمويل بيكيت عام 1906 في دبلن بإيرلندا، ودرس الأدب الفرنسي والإيطالي في كلية "ترينيتي"، وكان الأول على دفعته وحاز على الميدالية الذهبية عند تخرجه فيها. انتقل بعدها إلى فرنسا لعامين، حيث ارتبط بالحركة الثقافية الباريسية، وكتب عددًا من أعماله باللغة الفرنسية قبل أن يترجمها إلى الإنجليزية بنفسه.

عاصر بيكيت الحرب العالمية الثانية، وشارك في المقاومة الفرنسية، مما جعله شاهدًا على انهيار القيم الإنسانية على أرض الواقع. هذه التجربة التاريخية تركت أثرًا واضحًا في أعماله التي تعكس إحساسًا باللاجدوى، والانتظار، والعجز. تزامنت كتاباته مع صعود الفلسفة الوجودية، ورغم أنه لم يقدّم أي عملٍ فلسفي مباشر، فإنه قام بتجسيد هذه الأسئلة الوجودية دراميًا عبر مسرحياته؛ فالإنسان عنده كائن يبحث عن معنى في عالم صامت. وقد نال جائزة نوبل للآداب عام 1969 تقديرًا لإسهامه في تجديد أشكال التعبير.

ثانيًا: مسرح العبث ومكانة بيكيت فيه

ظهر مصطلح "مسرح العبث" في ستينيات القرن العشرين؛ أطلقه الناقد مارتن إسلن لوصف أعمال عدد من الكتّاب الذين عبّروا عن انهيار المعنى عبر تفكيك البنية المسرحية التقليدية. كان من أبرزهم بيكيت، ويوجين يونسكو، وهارولد بينتر. يتميّز مسرح العبث بـ:

  • غياب الحبكة التقليدية.

  • التكرار والدائرية الزمنية.

  • الحوار غير المنطقي.

  • غياب الحلول.

  • التركيز على حالة وجودية بدل الحدث.

ويُعتبر بيكيت أبرز ممثل لهذا الاتجاه؛ لأن أعماله لا تصوّر العبث فحسب، بل تبنيه دراميًا؛ فاللاحدث يصبح حدثًا، والانتظار يتحول إلى فعل مسرحي.

ثالثًا: تحليل مسرحية "في انتظار غودو"

تُعد مسرحية "في انتظار غودو" أهم تجسيد لرؤية بيكيت الدرامية. تقوم المسرحية على شخصيتين، "فلاديمير" و"إستراغون"، تنتظران شخصًا يُدعى "غودو"، الذي لا يأتي أبدًا.

  1. تفكيك الحدث: لا توجد عقدة تقليدية، ولا ذروة، ولا حل. يبدأ النص بكلمة: "عبثًا!" (بالإنجليزية: nothing to be done)، وهي جملة تختصر حالة العجز التي تهيمن على العمل بأكمله. الفعل الوحيد المستمر هو الانتظار. وتنتهي المسرحية بقول فلاديمير: "أنمضي؟"، فيرد عليه إستراغون: "هيّا نمضي"، ثم لا يتحركان. المفارقة بين القول وعدم الحركة تجسد انهيار الإرادة أمام العجز الوجودي.

  2. الزمن الدائري: تحتوي المسرحية على فصلين متشابهين إلى حد كبير. الوعد يتكرر: "سيأتي غودو غدًا"؛ وهذا "الغد" المؤجل إلى ما لا نهاية يجعل الزمن دائريًا بلا تقدم حقيقي. نفس المكان، نفس الانتظار، نفس الوعد. هذا التكرار يخلق زمنًا دائريًا لا تاريخيًا؛ فالزمن في مسرح بيكيت لا يقود إلى تطور بل إلى تآكل، وهذا يعكس رؤية وجودية ترى الحياة سلسلة من التكرارات الخالية من الغاية.

  3. الشخصيات: الشخصيات بلا ماضٍ واضح ولا مستقبل محدد؛ إنهم معلقون في لحظة انتظار ممتدة، لا يسعون لتحقيق هدف بقدر ما يسعون لملء الفراغ.

  4. غودو كرمز: لم يحدد بيكيت هوية "غودو"، وقد فُسّر من قبل القرّاء والنُّقاد بوصفه رمزًا للخلاص، أو الله، أو المعنى المفقود. لكن أهميته تكمن في غيابه؛ فالمسرحية بأكملها قائمة على عدم حضوره.

رابعًا: الصمت والفراغ كأدوات درامية

يُعد الصمت عنصرًا جوهريًا في مسرح بيكيت؛ فالإرشادات المسرحية تتضمن الصمت ولحظات السكوت بكثافة. الصمت هنا ليس انقطاعًا للحدث، بل لحظة وعي بالفراغ. يتضح هذا أكثر في مسرحيته "نهاية اللعبة"؛ حيث تدور الأحداث في فضاء مغلق، والشخصيات تعيش نهاية عالم غير محدد. الحوار مقتصد، والحركة محدودة، والفراغ يطغى على المشهد. الفراغ المكاني المتمثل في شجرة واحدة وطريق مهجور يعكس الفراغ الوجودي. إن تقليل العناصر المسرحية إلى الحد الأدنى يُجبر المتلقي على مواجهة السؤال الأساسي: ما معنى أن ننتظر بلا يقين؟

خامسًا: أثر بيكيت في المسرح العالمي

أحدث بيكيت تحولًا جذريًا في مفهوم الكتابة المسرحية؛ فقد كسر النموذج الأرسطي القائم على الحبكة المتصاعدة، وفتح المجال أمام مسرحٍ يركّز على الحالة بدل الحدث. وكما تأثر هو بكُتّابٍ مثل جيمس جويس في بداية مسيرته، تأثر به لاحقًا العديد من كتاب المسرح في أوروبا وأمريكا، وأصبح نموذجًا يُدرّس في سياق تطور البنية الدرامية الحديثة. كما أثّر في الاتجاهات التجريبية التي ترى في الصمت والاقتصاد اللغوي أدوات جمالية أساسية. إن إسهامه لا يقتصر على تيار العبث، بل يمتد إلى إعادة تعريف وظيفة المسرح ذاته، بوصفه فضاءً للتأمل في هشاشة الوجود.

سادسًا: الجسد والحركة المحدودة

الحركة في المسرحية محدودة للغاية: خلع حذاء، تبديل قبعة، محاولة الوقوف. هذه التفاصيل الصغيرة تتحول إلى أحداث درامية بسبب غياب الحدث الكبير. الجسد هنا يعكس هشاشة الوجود؛ فحتى الجلوس والوقوف يصبحان مجهودًا شاقًا.

سابعًا: تفكيك الحبكة الأرسطية

يقوم البناء الدرامي التقليدي منذ أرسطو على: (بداية، عقدة، ذروة، حل). أما في مسرحية بيكيت فالبنية تُفكَّك بالكامل؛ فالمسرحية لا تتقدم نحو ذروة، ولا تصل إلى حل، بل تنتهي بـ: "لا يتحركان". هذا التناقض بين القول والفعل يمثل جوهر الرؤية العبثية: الإرادة موجودة، لكن الفعل غائب. هنا يتحول الانتظار ذاته إلى بنية درامية؛ فالانتظار ليس مرحلة تمهيدية للحدث، بل هو الحدث نفسه.

ثامنًا: مقارنة مختصرة بالنموذج الواقعي

بينما يعتمد المسرح الواقعي (وروّاده مثل تشيخوف) على صراع نفسي داخلي، فإن بيكيت يذهب أبعد من ذلك؛ فهو يُفرغ الصراع من مركزه. لا توجد رغبة قابلة للتحقق أصلًا؛ إنه مسرح ما بعد الصراع.

  1. الحدث الدرامي: من تطور الأحداث إلى تعليقها: في المسرح الواقعي، يقوم البناء الدرامي على تطور سببي واضح: حدث يؤدي إلى آخر، وصراع يتصاعد حتى يبلغ ذروته. أما في "في انتظار غودو"، فلا يوجد تطور سببي؛ الحدث لا يتقدم بل يُعاد إنتاجه. الانتظار لا يقود إلى انفراج بل إلى تكرار. الفرق الجوهري هنا أن الواقعية تعتمد على مبدأ التحوّل، بينما يعتمد بيكيت على تعليق الحدث.

  2. مفهوم الصراع: في النموذج الواقعي، الصراع غالبًا اجتماعي أو نفسي، وهناك رغبة واضحة تعترضها عوائق. أما عند بيكيت، فالرغبة نفسها باهتة؛ لا يوجد هدف محدد سوى الانتظار، ولا توجد قوة مضادة واضحة. الصراع يتحول من مواجهة خارجية إلى أزمة وجودية داخل الفراغ.

  3. اللغة والحوار: الحوار في المسرح الواقعي يكشف عن دوافع الشخصيات ويطوّر الحدث. أما عند بيكيت، فاللغة نفسها موضع شك؛ فالجمل تتكرر أو تتناقض. يقول فلاديمير: "نخترع دائمًا شيئًا، أليس كذلك يا ديدي، لنقنع أنفسنا بأننا موجودون". الجملة تكشف أن الكلام نفسه محاولة لملء الفراغ، لا لتطوير حدث. إذن: اللغة في الواقعية أداة بناء، واللغة عند بيكيت أداة كشف للفراغ.


المراجع:

  • Beckett, Samuel. Waiting for Godot. London: Faber & Faber.

  • بيكيت، صمويل. في انتظار جودو. ترجمة بول شاوول. بيروت: منشورات الجمل.

  • Esslin, Martin. The Theatre of the Absurd.

  • Cohn, Ruby. Samuel Beckett: The Comic Gamut.

  • Fletcher, John. Samuel Beckett and His Critics.

  • Fletcher, John. Faber Critical Guide: Waiting for Godot.

  • مجلة آداب المستنصرية. "تحليل شخصيات مسرحية في انتظار غودو".

  • موقع القدس العربي. "تأملات في مسرحية في انتظار غودو: هوامش الخلاص والموت والحرب".

  • الجزيرة نت. "مسرحية جودو: ما الذي يمنع الإنسان من الانحطاط الكامل".

  • Encyclopaedia Britannica. “Samuel Beckett”.

  • Nobel Prize Foundation. “Samuel Beckett – Biographical”.

  • YouTube video: The strangest philosopher in history.

 

 

About the Author